هنية: من رئاسة الوزراء إلى التحليق نحو الرمزية..!!

هنية: من رئاسة الوزراء إلى التحليق نحو الرمزية..!!

عماد عفانة
2006-11-12

لم يكن رئيس الوزراء إسماعيل هنية حتى سنوات قليلة خلت من الصف الأول لحركة حماس ولم يكن من قادتها البارزين ولا حتى في الأطر الشورية القياديه العليا الا ان ذلك لا يعني ان هنية لم يكن…

لم يكن رئيس الوزراء إسماعيل هنية حتى سنوات قليلة خلت من الصف الأول لحركة حماس ولم يكن من قادتها البارزين ولا حتى في الأطر الشورية  القياديه العليا.

الا ان ذلك لا يعني ان هنية لم يكن نجما بل كان ذلك، الا انه لم يسمح لنجمه بالسطوع الا بعد غياب عددا من الشموس الكبيرة من القادة الشهداء أمثال الشيخ الإمام الشهيد احمد ياسين والشهيد القائد الذي تطلق عليه حماس أسد فلسطين الدكتور عبد العزيز الرنتيسي والدكتور المفكر والمنظر السياسي للحركة الدكتور إبراهيم المقادمة،  ورجل المهمات الصعبة وشخصية القواسم المشتركة المهندس إسماعيل أبو شنب، إضافة للقائد التاريخي للجهاز العسكري للحركة الشيخ صلاح شحادة.

يجمع كثير من المراقبين أن هؤلاء القادة العظام مهدوا بدمائهم وأشلائهم الطريق أمام حركة حماس لتصبح نجم فلسطين الساطع وان تتبوأ مقاليد الحكم في أول انتخابات نزيهة تخوضها في فلسطين، ونظرا للغياب السريع لهذا الكم الكبير من القادة العظام والتاريخيين للحركة، كان من الطبيعي ان يتقدم القادة من الصف الثاني ليسدوا الفراغ الذي خلفه القادة التاريخيين باستشهادهم، ولحسن الحظ ان إسماعيل هنية كان من قادة الصف الثاني الذين تدرجوا في المناصب القيادية بدءا من رئاسته لمجلس طلاب الجامعة الإسلامية مرورا بشغله لمنصب أمين سر مجلس أمناء الجامعة الإسلامية مرورا وبإبعاده الى مرج الزهور ضمن اكثر من 400 من قيادات حماس في الضفة الغربية وغزة وليس انتهاء بشغله منصب مدير مكتب الشيخ الإمام احمد ياسين، وهو المنصب الذي أتاح له فرصة ذهبية لصقل شخصيته القيادية وتزويدها بالخبرات وذلك عبر مرافقته اللصيقة للقادة التاريخيين للحركة وعلى رأسهم الشيخ الإمام احمد ياسين، فقد اخذ منهم خصال جامعة كالحلم وبعد التفكير وسمات القيادة وكاريزما التجميع والاستقطاب، والحزم الشدة في الحق، وبعد والنظر إلى ما وراء الأحداث الخ.

يعلم الجميع أن الشيخ الشهيد احمد ياسين اكتسب رمزيته بعد سنوات طويلة من قيادته لحركة حماس ومن المواقف والعواصف التي مر بها والتي تعرض لها رغم انه رجل مشلول الأربع ولا يتحرك فيه إلا رأسه مثل الاعتقال لسنوات طويلة على يد الاحتلال، ومثل نجاته بمعجزة من محاولة اغتيال جبانة بينما كان يرافقه اسماعيل هنية، وتجسدت هذه الرمزية باستشهاده في عملية اغتيال بشعة استنكرها العدو والصديق.

كما يعلم الجميع أيضا أن الرئيس عرفات اكتسب رمزيته من قيادته الطويلة لحركة فتح ولمنظمة التحرير الفلسطينية ولسنوات النضال الطويلة ولعمليات الملاحقة والتطواف الطويل في منافي الأرض، مرورا بسقوط طائرته في الصحراء الليبية، ثم بترؤسه للسلطة ثم للحصار الذي تعرض له في المقاطعة بعد رفضه لتوقيع صكوك التنازل في كامب ديفيد وأخيرا لعملية الاغتيال البطيئة التي تعرض لها بالسم.

ويتضح مما سبق ان اكتساب الرمزية يتطلب سنوات طويلة من النضال والملاحقة والاعتقال والإبعاد، ثم بالمواقف الوطنية وكاريزما التجميع وهو ما يتوفر في إسماعيل هنية خصوصا بعد كلماته الأخيرة بخصوص تركه لمنصب رئيس الوزراء في سبيل شعبه وفي سبيل رفع الحصار، فقد قال هنية  " إذا كان الخيار إما الحصار وإما هنية، فسيكون الخيار رفع الحصار، فلن نغادر حب الوطن ولا حب القدس، ولسنا من محبي الكرسي والمنصب». وقال «الإدارة الأميركية والأوروبيين قالوا إن الاتفاق الفلسطيني جميل ويمكن التعاطي معه لكن لم يرفع الحصار، عندما يضعون الحصار في كفة وأنا في كفة فليرفع الحصار وتنتهي معاناة شعبنا، اذا كانت رئاسة الوزراء مشكلة عند الأميركيين والأوروبيين وغيرهم فلنتحرك جانبا ثم تمضي السفينة لا نحرص على الكراسي».كما قال "الكراسي تذهب ولكن يبقى الوطن وحب الوطن".

فهنية يترك منصب رئاسة الوزراء ليس  لانه  قائداً غير مناسب لرئاسة الوزراء ، وليس لانه متورط في الفساد او متلوث بإتفاقيات سرية، فمواقفه السابقة تشهد بطهر قلبه وببياض كفه وبعفة لسانه ، وبدفىء سريرتة، وبمغادرتة  لمنصب رئاسة الوزراء لا تخسر فلسطين رجلاً مثل إسماعيل هنية، لأنه ببقائه على رأس كتلة حماس في المجلس التشريعي فهو قادر مع إخوانه على قيادة سفينة الشعب الفلسطيني إلى شواطئ الأمان.

ولن يكون إسماعيل هنية أكثر الناس سعادة بالتخلص من منصب رئيس الوزراء في دولة لازالت تحت الاحتلال، ليس لأنه سيغادر مقعده  الذي شغله طوال أكثر من ثمانية شهور تميزت بالألم والمعاناة والسهر والحصار والتجويع، وتلقي ضربات الأخوة وطعنات الخصوم من كل مكان، بل لأن إحساسه العالي بالمسؤولية سيفرض عليه مزيد من بذل الجهود لضمان استمرار جمع الكل الوطني في بوتقة وجبهة الوطن العريضة التي تتسع للجميع، ولأن رئاسة الوزراء مرحلة من مراحل النضال ضمن مسيرة الجهاد والتحرير وليس نهاية لشوط او نهاية لصراع وليس نهاية لأي مطاف فصراعنا مع الاحتلال طويل وطويل جدا.

وسيبقى إسماعيل هنية رجلا بسيطا وسيبقى يعيش في مخيم الشاطئ الذي رفض مغادرته عندما تسلم منصب أعلى سلطة تنفيذية ولن يغادره بعد مغادرته للمقعد، كما سيحافظ هنية على النزل في الملاعب وملاعبة أبناء شعبه كرة القدم، ولن يتحول عن التجول في الشوارع والطواف بين الناس يهنئ هذا ويقدم واجب العزاء لذاك، كما لن يكف عن اعتلاء منابر الجمعة خطيباً وناصحا ومرشدا .

وسيبقى هنية مضربا للمثل في العالمين العربي والإسلامي حيث كان رئيس الوزراء الوحيد في العالم الذي كان عليه منصبه مغرما وليس مغنما، وسيغادر هنية مقر رئاسة الوزراء بلا ثروة وبلا عقارات أو أرصدة مالية في الخارج، وبلا سيارات فارهة أو فيلا راقية أو أية امتيازات وسيظل قابضا علي جمرتي الدين والوطن لأنه كان وسيظل رمزا من رموز هذا الوطن.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026