منذ فوز حركة حماس بالانتخابات الفلسطينية في فبراير الماضي تكالبت عليها السهام من كل جانب وعاشت طوال الأشهر التي تلت تصدرها الواجهة السياسية باعتبارها تجسيدا لإرادة الناخبين ديمقراطيا…
منذ فوز حركة حماس بالانتخابات الفلسطينية في فبراير الماضي، تكالبت عليها السهام من كل جانب، وعاشت طوال الأشهر التي تلت تصدرها الواجهة السياسية باعتبارها تجسيداً لإرادة الناخبين ديمقراطياً، فوق صفيح ساخن، ليس بسبب انقلابها على المبادئ التي كانت سبباً في اكتساحها باقي منافسيها، ولكن لأنها تتمسك بهذه المبادئ التي مثلت انقلاباً على خط التسوية المتعثرة أو فلنقل المجمدة مع الكيان الصهيوني.
البداية حصار من الخارج تقوده واشنطن لمصلحة إسرائيل، ثم افتعال للأزمات من الداخل، وفي ظل هذا الخناق، والعجز المالي المقصود دولياً لتركيع حماس وإجبارها على الاعتراف بإسرائيل، صارت الأمور من سيئ إلى أسوأ، ورأينا كيف انقلبت أزمة تأخر صرف الرواتب إلى مواجهات وخلافات تجلت ذروتها في إضراب الموظفين وخاصة المعلمين عن العمل، ومحاولة البعض التحرش بموكب رئيس الحكومة إسماعيل هنية لدى توجهه لإلقاء خطاب أمام البرلمان.
وبين الحصار الخارجي والتوتر الداخلي وجدت إسرائيل مساحة واسعة للعب ومواصلة قتل الفلسطينيين، تحت ذرائع شتى وفي مقدمتها بالطبع مزاعم محاربة الإرهاب، وسط تغاض دولي وعربي للأسف عن ممارسات إسرائيل الإرهابية التي لم تتورع عن اعتقال نواب ووزراء حكومة حماس المنتخبة بإرادة شعبية اعترف بها القاصي والداني.
هكذا تحول صاحب الحق إلى متهم، وبات من انتخبهم الشعب الفلسطيني في قفص الاتهام وتحميله مسؤولية عرقلة مسيرة معطلة من قبل أن تأتي حكومة حماس بفعل التصرفات الإسرائيلية التي تزعم أنها لا ترى شريكا للسلام وسط الفلسطينيين، والانحياز الأميركي السافر، الذي يعتبر حماس منظمة إرهابية تتحتم ملاحقتها.
من هنا بدأ الإعداد لانقلاب أبيض على حماس بتخطيط أميركي سافر ومعلن، رغم محاولات الأطراف الفلسطينية تفويت الفرصة على المتربصين، بمسيرتهم الوطنية، وقبول حماس بتشكيل حكومة وحدة وطنية علها تكون سبيلا لفك الحصار الدولي وخاصة الأوروبي والأميركي، الذي يلتقي مع الخناق الإسرائيلي كفكي كماشة، بهدف أذلال الفلسطينيين، وإشعارهم بفداحة انحيازهم إلى حركة حماس والتصويت لأعضائها، وهنا لا يهم أن تداس الديمقراطية بالنعال طالما أنها لا تلبي المصالح الإسرائيلية.
والسؤال ما هو المطلوب من حماس التي رضخت لشروط الواقع، وقبلت بمشاركة الآخرين نصرها الانتخابي، ورضيت بالدخول في حكومة وحدة وطنية، في خطوة رحب كثيرون بالتوصل إليها.لكن يبدو أن المطلوب رأس حماس نفسها وتحجيم دورها على الساحة الفلسطينية رغم ما قدمته من تضحيات طوال مسيرتها حتى جاءت نتائج الانتخابات تتويجاً لثقة الشارع الفلسطيني في عناصرها.
نعم حماس في العمل النضالي والمعارضة لا يمكن أن تكون هي نفسها في السلطة، والمؤكد أن معطيات كثيرة تفرض نوعاً من البرجماتية على المواقف، وهو ما أدى بحماس إلى القبول بحكومة وحدة وطنية، وحرصاً على مصالح الشارع الذي اختارها، غير أن مطالبة حماس بأكثر من ذلك سيكون لياً للأذرع أكثر مما يجب وهو ما لا يمكن التنبؤ بنتائجه السلبية في المستقبل.
وعدم إعطائها فرصة التنفس الطبيعي ستكون له انعكاسات خطيرة، في ظرف تاريخي مضطرب فلسطينياً وعربياً، وليس من مصلحة أحد مواصلة شوط الحصار على حماس إلى آخره، لأن القدرة على تحمل الضغوط ليست مطلقة، ولابد أن نعي أن الدفع باتجاه الحائط يمكن أن يعقد الأمور أكثر مما هي عليه ولا يسهم أبداً في حلها.
إذن تجميد خطوات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية والإشارات السلبية التي جاءت من واشنطن خلال استقبال الرئيس بوش لأبومازن في نيويورك، تجعلنا نضع أيدينا على قلوبنا، بشأن مستقبل العلاقة بين القوى السياسية الفلسطينية وخاصة أكبر قوتين وهما فتح وحماس، ونخشى أن تفلت الأمور من هذا الطرف أو ذاك بما يجعلنا ندخل في دوامة من الصراع داخل جدران البيت الواحد، وبما يصب في النهاية لصالح إسرائيل التي تنتظر رؤية اقتتال الإخوة، وبما يكفيها هي شر القتال.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع