ما أن ظهرت بوادر تشكيل حكومة وحدة وطنية وما أن لاح في الأفق بعض ملاحها من خلال المشاورات والمباحثات بين حماس وفتح وبين رئيس الوزراء ورئيس السلطة الوطنية حتى بدأت ملامح التخريب…
ما أن ظهرت بوادر تشكيل حكومة وحدة وطنية وما أن لاح في الأفق بعض ملاحها من خلال المشاورات والمباحثات بين حماس وفتح وبين رئيس الوزراء ورئيس السلطة الوطنية، حتى بدأت ملامح التخريب وتعطيل هذا التطور الإيجابي على الساحة الفلسطينية، فما أن تناقلت المصادر الإعلامية عن بدء المشاورات والمباحثات وما أن وصل خبر التوصل لاتفاق حتى أطلت علينا بوجهها القبيح الشروط الأمريكية والاعتراضات الإسرائيلية، وذلك لزرع الألغام والعقبات ونسف ولادة مثل هذه الحكومة.
فـ"إسرائيل" بشروطها وعرقلتها لولادة هذه الحكومة إنما تسعى إلى عدم إتاحة الفرصة لإيجاد حالة استقرار وهدوء ووحدة وطنية داخل الساحة الفلسطينية كما أنها لا تريد العودة إلى التفاوض خاصة في ظل تجميد مشروع خطة التجميع بعد الهزيمة التي تلقتها "إسرائيل" في الحرب على لبنان، ولم يعد هناك أي أفق سياسي اتجاه العملية السلمية من القيادة الإسرائيلية، فهم يريدون حكومة حسب شروطهم وحسب مقاساتهم وهو ما يرفضه الطرف الفلسطيني.
أما بالنسبة للاشتراطات الأمريكية فقد أفادت وكالة "معا" بتاريخ 13/9/2006 أن الإدارة الأمريكية عبرت عن غضبها وعدم رضاها مما تحقق من نتائج اللقاءات بين الرئيس أبو مازن وإسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني طالبةً مزيداً من التوضيحات من أبو مازن بـ أن ما اتفق عليه مع حماس وما إذا كان انتزع منها بالفعل تنازلات هامة على صعيد شروط الرباعية الدولي، وأن القنصل الأمريكي العام في القدس جاك والاس الذي التقى أبو مازن في رام الله نقل له القلق الأمريكي من عدم وضوح البرنامج السياسي لحكومة الوحدة، علماً بأن هذا البرنامج يستند إلى "وثيقة الأسرى" وهي الوثيقة التي أعلنت "إسرائيل" أنها شأن داخلي فلسطيني لا تعطيها بالاً أو اهتمام في حين اعتبرتها واشنطن غير كافية إن لم تكن مقرونة بتنازلات واضحة من حماس في القضايا السياسية، وفي مقدمتها الاعتراف بـ"إسرائيل"، ونبذ العنف والإرهاب.
فالشروط الأمريكية تمثل امتداداً للموقف الإسرائيلي الرامي إلى ضرب التوافق الفلسطيني، وهي بذلك تتواصل مع الموقف الإسرائيلي المرتكز على أنه ليس هناك طرف فلسطيني واحد للتفاوض معه! ولم يكن ذلك إلا للتهرب من العودة إلى طاولة المفاوضات، واللعب على الخلافات الفلسطينية، والعمل على تأجيجها والنفخ على نار الخلاف الفلسطيني الفلسطيني، فمنذ شهور طويلة تمكن الجانب الفلسطيني من حلّ خلافاته حول الكثير من القضايا ذات البعد الإقليمي والدولي، فكان إعلان القاهرة والذي أطلق عليه اتفاقية الهدنة فقد التزم الطرف الفلسطيني رغم الاجتياحات والعدوان المستمر ولم يلتزم الطرف الإسرائيلي ولم يستطع المجتمع الدولي فرض إرادته السياسية على "إسرائيل" والعمل على وقف العدوان على الشعب الفلسطيني، ثم جاءت اتفاقية الوفاق الوطني وتوافقت جميع الأطياف الفلسطينية على المبادئ العامة التي تحكم السياسية الفلسطينية، فقد وافقت «حماس» على «التعامل مع المبادرات العربية والاتفاقيات الموقعة» بما يتوافق والمصلحة الوطنية الفلسطينية العليا. وتوافقت الأطراف الفلسطينية على ترك ملف التفاوض لمنظمة التحرير الفلسطينية بما يضمن أن تكون النتائج ملائمة لمصالح الشعب الفلسطيني.
فقد دخلت عملية تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية في سباق مع الضغوط الأمريكية، التي حددت شروطاً للتعامل معها، الأمر الذي استهجنته الحكومة الحالية، وأكد الناطق باسم الحكومة الفلسطينية غازي حمد في بيان صحافي أن «الحكومة الفلسطينية تستهجن موقف الإدارة الأمريكية المتعجل وغير المدروس حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية».
وأضاف إن «الإدارة الأمريكية دأبت (...) على فرض شروط مسبقة وإتباع سياسة الابتزاز تجاه الفلسطينيين لتقديم تنازلات لصالح الاحتلال ولم تفرض على "إسرائيل" أي شروط تلزمها بوقف الاستيطان وسياسة الاغتيالات وهدم المنازل وإزالة الجدار العنصري وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين».
وفي أكثر من مرة أعلن رئيس الحكومة الفلسطينية إسماعيل هنية، بأنه ليس ضدّ التعاطي التقني - الإداري مع "إسرائيل"، طالما كان ذلك حاجة لتسيير وتيسير المصالح الفلسطينية. بيد أن كل ذلك لم يكن كافياً بالنسبة للإدارة الأمريكية والإسرائيلية، فهم يسعون لأن تكون الحكومة وتشكيلها وخطوات بناءها ووزرائها حسب المقاس الأمريكي والشروط الإسرائيلية.
أما بالنسبة للأوروبيين فقد رحبوا، بدورهم بالخطوات لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وأعربوا عن استعدادهم للتعامل مع الحكومة الجديدة المرتقبة، حتى بلير أقرب المقربين لإدارة بوش، رأى أنه على العالم - والكلام موجه إلى واشنطن - التعامل مع حكومة الوحدة الفلسطينية، بعد أن تبصر النور.
فإذا كانت الولايات المتحدة تسعى فعلاً إلى رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني وعدم تركة يموت جوعاً، وإذا كانت راغبة في إيجاد حالة استقرار في المنطقة باتجاه بلوغ الهدف الذي نادت به مراراً وتكراراً وهو إيجاد دولة فلسطينية قابلة للحياة كما عبر عنها بوش في خطاباته فإن الظرف الراهن استوفى المطلوب ولم يبق هناك ما يبرر ضغطها على الطرف الفلسطيني وتصعيدها للمطالب فالشعب الفلسطيني أدرى بمصلحته الوطنية، أما إذا كانت المسألة مرتبطة بالشروط والمقاسات التي تريدها أمريكا وتوافق عليها "إسرائيل" أو العكس فإن ذلك قد يكون من الصعب إيجاده فالشعب الفلسطيني انتفض على المحتل وخسر الآلاف من أبناءه وقادته أجل حصوله على الاستقلال وتقرير مصيره وليس من أجل أن يقع تحت الشروط الإسرائيلية أو المقاسات الأمريكية.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع