لم تكن مقاومة حزب الله وحركة حماس للعدوان الصهيوني في لبنان وفلسطين مغامرة أو من قبيل العمل غير المدروس العواقب والمتتبع لنتائج الحرب العدوانية الأخيرة على لبنان والمتواصلة في…
لم تكن مقاومة حزب الله وحركة حماس للعدوان الصهيوني في لبنان وفلسطين مغامرة، أو من قبيل العمل غير المدروس العواقب، والمتتبع لنتائج الحرب العدوانية الأخيرة على لبنان والمتواصلة في فلسطين، يستنتج أن تداعيات الهزيمة الصهيونية على أيدي المقاومة ستتوالى قدماً وتمتد زمنياً إلى مستقبل غير منظور.
ففعل المقاومة اللبنانية والفلسطينية المخطط له بعناية، أعطى ثماره الطيبة وما زال، ومن نتائج هذا الفعل المقاوم التأثيرات المتراكمة والمتلاحقة على الكيان الصهيوني، والدول العربية والغربية معاً.
ففي الكيان الصهيوني يبدو جلياً أن زلزالاً سياسياً آخذ بالتبلور ويتجمع يومياً بإيقاع هو الأول من نوعه في تاريخ الدولة العبرية حكومة مهزومة حديثاً في لبنان ومتتالية في غزة، تتعرض يومياً لنيران سياسية من كل صوب، ولا تعرف كيف ترد عليها، فهي غير قادرة على تبرير نتائج الحرب العدوانية على لبنان لمواطنيها، وغير قادرة على إعادة الجنديين الأسيرين لدى المقاومة من دون ثمن باهظ حتماً ستدفعه عاجلاً أم آجلاً، إن دفعته ستعرض نفسها للمزيد من النيران، وإن لم تدفعه سيبقى الجنديان حيث هما، وستتفاعل القضية في الشارع، وكذلك لم تستطع حكومة أولمرت تحرير شاليط أو معرفة مكانه برغم صغر مساحة غزة، وبرغم عملائها المنتشرون في غزة، شعور الصهاينة المكبوت بالهزيمة وكبريائهم الجريح يحول دون الاعتراف بانتصار المقاومة في كلا الحالتين، وهي تمثل الانكسار المعنوي الأول من نوعه في تاريخ الكيان الصهيوني.
وعلى ما يبدو أن الذي يحصل هو أن الصهاينة مدركون جيداً لخسارتهم في جنوب لبنان وجنوب فلسطين، وشعورهم الساحق بالخسارة والهزيمة، يدفع باتجاه أزمة حكومية سياسية من العيار الثقيل وقابلة للتحول إلى زلزال يضرب هذه المرة الدولة العبرية نفسها، الأمر الذي لا يخفى على الدول الغربية صانعة الكيان الصهيوني، وهذا الأمر الذي ربما يفسر سرعة تهالكها على إرسال السفن وآلاف العسكريين إلى لبنان لتوفير أمن "الكيان" ورفع معنويات الصهاينة والحيلولة دون تحويل هزيمتهم في لبنان إلى كارثة حقيقية، وقد تفسر أيضاً زيارة بلير للمنطقة وجنوح عباس للموافقة على حكومة وحدة وطنية وذلك لامتصاص واحتواء النصر اللبناني وصمود الحكومة الحالية.
وفي الجانب الآخر بالنسبة لتداعيات هزيمة الصهاينة في الغرب على أيدي المقاومة الناضجة، فيمكن ملاحظتها ليس فقط في سرعة وصول القوات إلى لبنان، وإنما أيضاً من خلال الضغوط الكثيفة التي تتراكم على الوضع الداخلي اللبناني من أجل محاصرة حزب الله ومنعه من إظهار نشوة انتصار المقاومة، وهذا ما حصل عندما خرجت قوات الاحتلال من غزة حيث تصاعدت الأصوات وقتها، بأن الذي حصل ليس هزيمة للاحتلال، وذلك لحرمان حماس من نشوة الانتصار والتضييق عليها حينئذ، وهو يتكرر حالياً في قضية أسر الجندي الصهيوني بشكل أو بآخر.
والأخطر من كل الذي سبق بالنسبة للغرب عموماً، يبقى أن الهزيمة الصهيونية وارتفاع رصيد المقاومة نفسها تهدد بصورة جدية موازين القوى في الشرق الأوسط وتعطل على أمريكا قيام شرق أوسط جديد، وفيها كانت "إسرائيل" على الدوام حجر الزاوية في حسابات الغرب الاستراتيجية وقاعدته المتقدمة، فإذا ما أضفنا إلى ذلك صعوبة التعامل والتعثر في مواجهة الملف النووي الإيراني، والتراجع المتزايد في العراق والصومال والسودان وأفغانستان، فنستطيع القول بنتيجة مفادها إن السيطرة الغربية على الشرق الأوسط باتت تقف على أرض متحركة، وإن إعادة تنظيم علاقات الغرب بهذه المنطقة الاستراتيجية تحتاج إلى سياسة مختلفة، وبالتالي إلى حكام مختلفين عمن سبقهم في الولايات المتحدة أولاً وفي الدول الأوروبية ثانياً.
أما آثار المقاومة الواعية والمنتصرة على العالم العربي فهي تتسارع في الظهور فالقوى التي راهنت ضمناً أو علناً على هزيمة المقاومة اللبنانية، تضغط بشكل متزايد باتجاه تجريد المقاومين من سلاحهم وإغراقهم في سجالات داخلية لبنانية صغيرة، ومحاصرتهم طائفياً، والسعي لفصلهم عن تيارات المقاومة الفلسطينية، وهي أيضاً ضغطت وما زالت وبالتنسيق مع أطراف فلسطينية لعزل الحكومة الفلسطينية، وإطلاق سراح شاليط بدون ثمن مقبول، وإرهاق الحكومة بقضايا داخلية تعيقها عن مقاومة الاحتلال لتسرع في انهيارها وسقوطها.
والذي فاجأ الجميع تحول المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية بدرجة أقل، بعد هزيمتها للصهاينة إلى عنوان للكرامة والفخر، تتجه نحوه الأنظار من كل صوب عربي وإسلامي، وتقدم المقاومة اللبنانية نفسها بوصفها حركة تحرير لأرض محتلة في بلد صغير متعدد الطوائف والمشاكل والارتباطات الخارجية المؤثرة في تضاعيف بناه السياسية والاجتماعية، ولكن من غير الواضح بعد كيف ستوظف انتصارها التاريخي الذي يفوقها حجماً وتأثيراً بكافة المقاييس خاصة في ظل الهجمة التآمرية من قبل بعض الحكام العرب، والمتساوقون مع الغرب والصهاينة وهم أنفسهم الذين ضغطوا على المقاومة الفلسطينية لتقديم تنازلات مجانية للاحتلال وما زالوا.
والاهم من الانتصار على الجبهتين اللبنانية والفلسطينية، هو كيف نحمي هذا الانتصار ونقطف ثماره ، خاصة في ظل هجمة داخلية متساوقة مع الأمريكان والصهاينة، من قبل أطراف لبنانية وأطراف فلسطينية داخلية ومعروفة، بات همها جميعاً مصالحها الشخصية الضيقة على حساب الوطن، وعدم قطف ثمار المقاومة والصمود، لتبقى ذليلة وتابعة وخانعة للأمريكان، ولتبقى طفيلية في مستنقع الهزيمة والخيانة للأمة والوطن، ولكن المقاومة الواعية في كلا الحالتين في الحالة اللبنانية والحالة الفلسطينية، ليست بعاجزة أمام هؤلاء، لأن المقاومة الواعية التي تصنع الصمود وتقدم التضحيات ستنتصر في النهاية على كل العوائق مهما كانت.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع