المعادلة الجديدة

المعادلة الجديدة

رأفت ناصيف
2006-08-10

الأسير عضو قيادة حماس السياسية سجن النقب الصحراوي مصطلح بدا يتكرر في الإعلام وهو في طريقه ليصبح معادلة معترفا بها تستخدم في سياق التعامل مع الاحتلال وعدوانه في المنطقة ليفرض عليه…

الأسير

عضو قيادة "حماس" السياسية

سجن النقب الصحراوي

مصطلح بدا يتكرر في الإعلام وهو في طريقه ليصبح معادلة معترفاً بها.. تستخدم في سياق التعامل مع الاحتلال وعدوانه في المنطقة ليفرض عليه واقعا جديدا لم يشهده منذ عقود حيث المواجهة والتحدي الجدي والندية القوية للاحتلال ومشروعه رغم التباين الواضح في الإمكانات..

معادلة تستحق الوقوف على مفرداتها في محاولة لدراستها وما قد تسفر عنه من نتائج. فمن المعلوم أن هذا الاحتلال يواجه تحديا أمام مشروعه بعدما استطاع أن يحيك مؤامرة عزل السلطان عبد الحميد الثاني الذي شكل حاجزا منيعا دون تحقيق الصهاينة لمشروعهم في فلسطين رغم كل ما مورس عليه من أساليب إغراء وتهديد حتى لو كلفه ذلك مستقبله السياسي وسلطانه وهو ما آلت إليه الأمور فعلا عندما نجحوا بعزله لتفتح لهم الطريق نحو فلسطين.

وبعد ذلك ومع الثورات الرافضة للوجود الصهيوني الاحتلالي ونشوب الحروب معه إلا إنها لم تكن لتهدد هذا المشروع برمته.. حتى ولو حققت إعاقة وتشويشا عليه أحيانا، وذلك ليس إلا لتلك الظروف التي فرضت على الشعب الفلسطيني في حينه وعلى القائمين بالثورات ففي كل مرة كان الشعب الفلسطيني ينشط في مواجهة الاحتلال ويخطو للأمام في ذلك كانت التدخلات الرسمية من الأنظمة تحبط ذلك التحرك بخداعها الشعب الفلسطيني ومقاوميه بأنها ستتولى عنهم عبء التحرير عبر السياسة وأنَّ لديهم من الضمانات في الشأن ما يكفي، وما إن تتوقف المقاومة وحرب الاستنزاف ضد الاحتلال حتى تتبخر بالتزامن مع ذلك كل تلك الضمانات والوعود لتعيد الأمور إلى مربعها الأول هذا ما حدث منذ العشرينات وكان في أبرز صوره في عام 1936 حيث أفشلت التحركات الرسمية العربية الثورة والإضراب الأطول ثم ومرة أخرى تتدخل الأنظمة الرسمية لتحبط المقاومة الفلسطينية وتلف عليها عندما شعرت بلهيبها القادم في بداية الستينات لتتمادى لتشكيل منظمة التحرير الفلسطينية ودمجها في النظام الرسمي العربي في حينه بهدف سحب الالتفاف الشعبي من حول المقاومة باتجاهها وعندما نجحت المقاومة والتي كانت "فتح" تشكل عصبها في ذلك الوقت في اقتحام منظمة التحرير الفلسطينية وتحويلها لمؤسسة حاضنة للمقاومة توجهت الأنظمة إلى عمليات الاختراق بهدف كسب ولاءات هذه المجموعة أو تلك ثم قيامها بمواجهة المقاومة والتخلي عنها ومحاصرتها بشكل مباشر أو غير مباشر إلى أن وصلت الأمور بحرف المقاومة عن بوصلتها التي من اجلها انطلقت بمساعدة من سيطرت عليهم من الفلسطينيين لتصل بها إلى مستنقع التسويات والمفاوضات والرضوخ للواقع الذي فرض على المنطقة ومنذ ذلك الحين والانحراف الذي أصاب تلك الفصائل في تزايد متسارع ليصبح الاحتلال هو النائب الوحيد في الساحة يفرض الأمر الواقع على الأرض ويقرر كل الأمور دون منازع ويفرض التسويات والحروب في المقاسات التي يحددها دون السماح بمجرد التحفظ الحقيقي ويصبح سيد الموقف لأنه لا قبل لنا بهذا الاحتلال وجيشه والذي توهمنا أنه لا يقهر وأنه لا سبيل لنا سوى الرضوخ للأمر الواقع فالعدو يمتلك كل أوراق اللعب والقوة فهو صاحب الترسانة العسكرية التي لا يمكن مواجهتها أو حتى التفكير بمواجهتها لأنَّ ذلك سيعني الانتحار حسب القاموس الرسمي العربي والذي تمتلئ صفحاته بمعادلات التخاذل والانهزام ففيه أيضا أن التراجع الدولي العام ليس لصالحنا ولا يقبل منا الدفاع عن أنفسنا بغير الأسلوب الذي يحدده لنا لأنَّ ذلك من شأنه أن يعكر صفو العالم وفيه كذلك أن التجربة تؤكد أنه لا خيار أمامنا سوى الانتظار والقبول بما سيتفضل به علينا المحتل وأن يأذن لنا بالذهاب إلى طاولة التعليمات والإملاءات في الوقت الذي يراه وحسب الضوابط والاشتراطات التي يحددها، ولكن هذا الأمر لم ينطل على شعبنا ومن وسط هذا الانحدار العربي الرسمي ورغما عنه وفي غفلة منه كان الثامن من كانون الأول من عام 87 ليشكل بداية معادلة لتثبت واقعا جديدا على الأرض مفاده أن الحقوق لا تستجدى ولكنها تنتزع انتزاعا وأنه لا شرعية للاحتلال على أرض فلسطين... معادلة فاجأت الجميع الذين هبوا هبة واحدة لمواجهتها والالتفاف عليها وحرفها عن مسارها ظنا من أولئك أنهم يستطيعون كما في الماضي، ولكن فاتهم القطار هذه المرة..حتى لو استطاعوا إعاقتها ولكنهم لن يحولوا دون ثباتها مستفيدة من التجارب السابقة ومعتمدة على انفضاح هشاشة الوعود والضمانات التي كانت وسيلة الأنظمة وسيفها المسلط على الانتفاضات الفلسطينية على الدوام لتنجح هذه التجربة.. تجربة الانتفاضة المباركة الكبرى في إعادة الحياة من جديد لمنظمة التحرير الفلسطينية التي كادت بفعل الأنظمة وأذيالها أن تصبح في عالم النسيان ولكن الباطل لا ييأس ومحاولاته لم تتوقف لتثني المقاومة عن أهدافها فيعمل لنصب الشباك من جديد لها بالذهاب إلى مدريد وأوسلو ليقدموه للشعب الجريح على أنه الخلاص الأكيد و الطريق نحو الأمن والاستقرار والرفاهية.. هذه الخديعة التي مررت على شعبنا سرعان ما انكشفت عوراتها واكتشف الشعب من جديد زيفها ليكون القرار هو الرد والخيار يوم 28/9/2000خيارا لا عوض ولا رجعه عنه.

في هذه المرحلة تبدلت الأمور ونفض الغبار وحملت الراية بأيدي من لم يحدث أن انخدعت الأنظمة بوعودها وضماناتها لتنطلق المقاومة بروح جديدة .. روح فيها التحدي والإصرار... مزودة بتجربة طويلة درستها بعناية لتحول دون تمرير أي خديعة جديدة على شعبها وأصبح أمام المقاومة صورتان.

إحداهما يمثلها أصحاب الموقف المنهزم الذين لم يحققوا شيئاً سوى الانتكاسات ؟؟ وأخرى تمثلها حملة الراية الجديد الذين لديهم الإيمان الراسخ بحقهم والإصرار على تحقيق حقوقهم ما لا يمكن أن تصمد أمامه أية قوة مهما بلغت غطرستها وهذا ما بدأت ثماره تظهر فكانت البداية... الاندحار من الجنوب اللبناني هذا ما استفادت منه المقاومة فعلاً.. فأخذت تعد العدة وتجهز نفسها لهذا الخيار الأوحد رغم إدراكها لما سيعتريها من عقبات ومطبات وصعوبات وما تطلبه من تضحيات وكانت خوض حرب استنزاف ضد العدو بكل الصور مع تطوير دائم بالأساليب والتكتيكات والإبداعات التي لا تتوقف لإرهاق العدو وكسر شوكته وكشف حقيقة وزيف صورته كقوة لا تقهر وإذا به يهتز أيما اهتزاز أمام ضربات المقاومة وتتجلى صورة الإبداع في هذه المعادلة بالابتعاد عن الارتماء في أحضان الأنظمة الرسمية والارتهان لإرادتها مع الإصرار على عدم الوقوع في حبائل خداعها وعدم الرضوخ لأي إغراءات أو تهديدات أو إنذارات فضلاً عن الاستماع لضمانات ووعود ٍ  لا رصيد لها  فشعار هذه أن بداية أي حل تكون إما بعودة الحق لأهله واعتراف الاحتلال بهذا الحق دون أي مواربة.

رغم جسامة التضحيات التي قدمت والعذابات التي لحقت بالمقاومة وعموم الشعب الفلسطيني لتبني هذه المعادلة إلا إنها بدأت تثبت جدارتها وترسخ ذاتها كل يوم وهي تحقق الإنجاز تلو الإنجاز لتستحق وبجدارة هذا الالتفاف الشعبي.

فهذه حررت المقاومة من أي تبعية كانت لتصبح سيدة نفسها تحدد بنفسها قواعد ذاتها وهذه المعادلة تؤكد امتلاكها لأوراق القوة الأساسية وهي الثقة بالقدرات الذاتية والثقة بأن الشعب يصطف خلفها، وأنها تمتلك الكثير الكثير من أوراق القوة وهي معادلة تقول بأن أي لغة حوار أو مفاوضات لا يمكن أن تحقق الحقوق إلا إذا كانت مدعومة بالقوة الموازية، وإما فإنَّ الطرف القوي يفرض ما يريد كما كان الحال في كل التسويات السياسية وهي معادلة تكشف كذلك زيف الوهم الذي يتستر خلفه الاحتلال بقطعانه بجيشه ومؤسساته فها هو ينهار أمام المقاومة.

معادلة جديدة  أكدت أن إرادة الشعوب وإصرارها يفوق كل الإمكانات وإنها البديل عن التقاعس العربي الرسمي.

معادلة أعادت للقضية الفلسطينية مكانتها كبؤرة ومركز استقرار العالم برمته وبدون حل هذه القضية بعودة الحقوق لأصحابها فلا استقرار في العالم أجمع.

معادلة كانت أولى نتائجها الاندحار من القطاع والإبداع لتحرير الأسرى عندما رفض الاحتلال تحرير الأسرى فكان الرد في اللغة التي تجعلهم يرضخون لها إن شاء الله .

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026