لمى

القدس التي تُحرِّرنا

لمى خاطر
2021-05-02

منذ بداية شهر رمضان المبارك كانت تحركات الاحتلال في القدس ومحيط المسجد الأقصى تبدو كأنها تنتهج محاولة فرض واقع جديد على المدينة وساحاتها الحيوية بأن تحظر الوجود الفلسطيني الكثيف…

منذ بداية شهر رمضان المبارك، كانت تحركات الاحتلال في القدس ومحيط المسجد الأقصى تبدو كأنها تنتهج محاولة فرض واقع جديد على المدينة وساحاتها الحيوية، بأن تحظر الوجود الفلسطيني الكثيف فيها، وكأن النية كانت تتجه لتحييدها عن أي دور لفعل شعبي مناهض لسياسات الاحتلال في حال أقدم على خطوات تهويدية جديدة متعلقة بالقدس والمسجد الأقصى.
من جهة أخرى يبدو أن المؤسسة الصهيونية بتفرعاتها المختلفة، سياسية وعسكرية، وصولاً إلى أذرعها الاستيطانية، ما زالت تحاول ردّ الاعتبار لهيبتها التي انكسرت في هبة باب الأسباط عام 2017، حينما ألزمت هذه الهبة الاحتلال بالتراجع عن تركيب البوابات الإلكترونية، منكسراً أمام إرادة الجماهير داخل القدس.
اليوم تعود القدس لتتصدر المشهد، متحررة من ترهيب الاحتلال من جهة، ومن إكراهات التغوّل الأمني السلطوي التي أفسدت ساحة الضفة من جهة أخرى، ومنطلقة قبل كل ذلك من بدهية أن القدس خط أحمر، وأنها كانت وستظل أصل الصراع وعنوان الوجود، والرمزية المتداخلة مع الهوية الدينية والوطنية، مما يعني أنها ستظل مفتاح الصراع على هذه الأرض، والأرضية التي تنضج عليها ظروف الثورات، وتتهيأ فيها إمكانات الانبعاث، وتجديد العزائم والهمم، حتى ومفردات الواقع المادية تشي بوجود ركام كبير من الانكسارات، والضعف المتراكم، والتراجع الواسع في الاستعداد، وشحّ إرادة المواصلة، وانغلاق آفاق التحدي.
في هبة القدس هذه، كما في غيرها، لا ينحصر مداها في كسر إرادة المحتل، ومفاجأته بتوفر إرادة الفعل والمجابهة، وبتجديد دماء الانتفاض، وتنويع آلياته، وعدم التهيّب من التبعات، بل إن مدى هذه الهبّات يتسع ويمتد ليحرر كل ساحاتنا من جمودها، وليرسي في ربوعها سارية الوعي والنهوض، حين يحيلها إلى أصل الصراع وكنه المعركة، واضعاً كل فلسطيني فيها أمام مسؤولياته مباشرة.
تُحرّرنا القدس دائماً من كل أثقال المراحل المعتمة، تخلّصنا من أدران التيه، وتعيد إلينا ألق البدايات، وتجدد فينا المعاني الغائبة، وتمتّن أواصرها، وتذكّرنا بأننا في فلسطين نعيش في بركة وافرة رغم كل ما نعانيه من ضيق وحصار وملاحقات، هي بركة وجود الأقصى عندنا، ووجودنا في أكناف بيت المقدس، وأي رمزية أعمق من هذا الوجود لكي نظلّ مشحونين بإملاءات الواجب، ولكي تستعصي هممنا على الانطفاء؟
ولعل السؤال المهم اليوم هو: كيف تغدو هذه الهبات المباركة في ساحات القدس حالة دائمة، وليست فعلاً مؤقتاً؟ كيف تصبح لبنة أساسية في مشروع التحرر الواسع، ووقوداً له؟ وكيف تحافظ على ريادتها وألقها بحيث لا يطفئها أي مسار آخر؟ وكيف نصنع منها حالة وعي عامة تسكن المجموع وتختمر بها ذاكرته، فلا يعود ممكناً نسيانها أو التخلص من آثارها أو التحوّل عنها؟

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2021