عنوان مقالتي هذه جملة قالتها واحدة من حرائر لبنان الجنوبيات تعليقا على مجزرة قانا الثانية والتي ذهب ضحيتها أكثر من ستين شهيدا معظمهم من الأطفال ارتقوا إلى علياء الخلود بفعل القنابل…
عنوان مقالتي هذه جملة قالتها واحدة من حرائر لبنان الجنوبيات تعليقاً على مجزرة قانا الثانية والتي ذهب ضحيتها أكثر من ستين شهيداً معظمهم من الأطفال ارتقوا إلى علياء الخلود بفعل القنابل الأمريكية الذكية!!! فاختصرت بها كل الكلام .
اختصرت القول إن (إسرائيل) ولأول مرة تفقد البوصلة السياسية والعسكرية وتتخبط كمن تلقى ضربة هائلة على أم رأسه فاختل توازنه وأصبح يسير على غير هدى .
بعد عشرين يوم من القصف وبعد أكثر من 700 شهيد وأكثر من ألفي جريح وما يقارب المليون مشرد، وبعد أن لم تبق طريق ولا جسر ولا شاحنة ولا حتى مستشفى إلا وطالها القصف، حتى قوات الأمم المتحدة التي يفترض أن تكون قوة حماية كانت بحاجة لمن يحميها وقتلت (إسرائيل) أربعة من أعضائها دون أن يجرؤ أحد على مجرد الإدانة !
ضربتان في الرأس تؤلم، هذه المقولة العربية الشهيرة طالما جربتها (إسرائيل) في العرب وأذاقتهم كأس المرارة منها ألواناً، ومع دورة الأيام التي لا بد منها يبدو أن الدور قد جاء على (إسرائيل) لتشرب من ذات الكأس وتتجرع ألم الضربات .
الضربة الأولى تلقتها "إسرائيل" من حركة حماس وحلفائها من خلال عملية ( الوهم المتبدد) واقتحام معسكر للجيش وقتل وجرح عدة جنود وأسر جندي والعودة به .
الضربة الثانية وجهها حزب الله من خلال عملية (الوعد الصادق) وقتل وجرح فيها عشرات الجنود وأسر اثنين آخرين في عملية كان من الواضح أنها أفقدت (إسرائيل) صوابها، لذلك سارعت إلى شن حملة عسكرية كبيرة بدعم أمريكي أوروبي وبغطاء عربي علني من خلال تحميل بعض العرب مسؤولية العدوان على غزة ولبنان لحركة حماس وحزب الله !!
وتعرضت (إسرائيل) لضربة ثالثة لا تقل قسوة عن سابقتيها في معركة مارون الرأس وضربة رابعة في بنت جبيل من خلال الهزيمة النكراء التي تلقتها وحدة – رأس الحربة – والتي تعتبر أفضل وحدة في لواء جولاني المعروف بدوره كأفضل لواء قتالي في الجيش الإسرائيلي، وسقوط عشرات الجنود منه بين قتيل وجريح واضطراره للانسحاب وسط آليات مدمرة وجنود يبكون وينتحبون، وجاءت عمليات الإنزال الفاشلة في الطيبة وكفر كلا والعديسة لاسترداد بعض الكرامة المفقودة والسمعة القتالية المتلاشية إلا أن المقاومة أصرت من جانبها على إلحاق الهزيمة بالقوات الإسرائيلية من جديد. لتجد (إسرائيل) نفسها بعد عشرين يوم من القتل والتدمير أمام سؤال كبير يقول ما الذي تحقق على الأرض؟!
أفضل البوارج العسكرية البحرية (ساعر) تم تدميرها، 3 طائرات أباتشي وطائرة إف 16 وطائرة تجسس (سقطت أو تم إسقاطها) دبابة ميركافاه 4 والتي يروج لها على أنها أفضل دبابة في العالم تم تدمير العديد منها وبذلك ذهبت صفقات بمليارات الدولارات لبيعها أدراج الريح، صواريخ الكاتيوشا ورعد1 و2 وخيب وصلت إلى العفولة، وهي مستمرة بالتساقط وبمعدل 100 صاروخ يومياً، ارتفع في اليوم العشرين إلى 150، البورصة حسرت في أقل من عشرة أيام 6 مليارات، حيفا وحدها تخسر يومياً 35 مليون دولار نتيجة لإغلاق مصانعها، 2 مليون يسكنون الملاجئ، 200 ألف يقدمون طلبات لمغادرة البلاد، معظم المدن الإسرائيلية تحت مرمى الصواريخ، حتى مدينة عسقلان دخلت في مدى صواريخ المقاومة الفلسطينية، بمعنى أن الشمال والوسط والجنوب تحت الرعب والخطر. ونحن هنا نتحدث عن كيان اعتاد أن ينقل المعركة لأرض عدوه لا أن تكون بيوت مستوطنيه ومصانعه وقواعده العسكرية مسرحا للمعارك .
20 يوم من القتال دون أدنى تقدم ولو في قرية واحدة دون دفع ثمن باهظ. وما يقارب الأربعين يوماً من المجازر في فلسطين والصمود والمقاومة يتجليان بأبهى صورهما .
إذن هي ضربات وليست ضربة أو ضربتين إلا أن قمة الضربات وأكثرها قوة ومفاجأة جاءت من الناس من العزل المقصوفين والنازحين، من الخارجين من تحت الركام وقد بقي الأحبة تحته، هؤلاء الذين أرادت (إسرائيل) من خلال قصفهم وقتلهم أن تثيرهم ضد المقاومة فثاروا عليها هي وتمسكوا بالمقاومة، فشلوا في غزة ولم يتعلموا الدرس في لبنان، أرادوا تحطيم المقاومة ونزع سلاحها فارتفعت أسهمها وازداد التفاف الناس حولها، وأصبح سلاحها أكثر حصانة وشرعية من أي وقت مضى، فوجئت (إسرائيل) بمعنويات المهجرين والنازحين في المدارس وعلى الطرقات بلا بيوت وبلا أدنى مقومات الحياة، بعضهم فقد أسرته كاملة أو عددا منها ومع ذلك يتوعد "إسرائيل" بالمقاومة، حتى أولئك الذين وكلهم الأمريكان بنزع سلاح المقاومة سياسياً وعلت عقيرتهم بالصياح أول أيام العدوان عادت لتخفت بعد أن اتضح لها أنها خطة مبيتة منذ وقت طويل وليست مجرد رد فعل كما كانوا يتوهمون، وسكتت ألسنتهم نهائياً أمام جثث أطفال قانا، بل أصبح بعضهم يتكلم بنفس لغة المقاومة .
(إسرائيل) في حيرة من أمرها، جنودها أسرى واحد في غزة والآخران في لبنان، حكومتها يقودها أشخاص لا زالوا -تحت التمرين -في عالم السياسة، القصف الجوي والقتل والدمار خرب لبنان وغزة ولكنه لم يحرر الجنود الأسرى وزاد من شعبية المقاومة، بل إن الحرب على حماس ساهمت في تخفيف الطوق عن رقبة حماس ونسي الناس مع الحملة العسكرية قضية الرواتب وتعاطفوا مع الحكومة ومع حماس، وفي لبنان الحرب المجازر أزهقت الأرواح وألحقت دماراً لا يمكن حصره أو وصفه ولكنها وحّدت –ولو إلى حين – كافة الفرقاء على أن العدو الأول للبنان هو "إسرائيل" كما قال سعد الحريري وليس سوريا كما كان يقول البعض .
أما الهجوم البري فهو مغامرة عسكرية غير محمودة العواقب، أمام هذا كله وأمام الضربات الموجعة التي تلقاها الجيش (الذي لا يقهر) وعدم قدرته على الصمود أمام المقاومين كان لا بد له من قتل الأطفال لإقناع نفسه على الأقل أنه باستطاعته قتل أحد ما حتى لو كان امرأة أو طفلا رضيعاً .
مشكلة الجيش الإسرائيلي تكمن في سوء تقديره لخصمه وقياسه للأمور بناء على ما سبق من حروب- التسلم والاستلام - مع الأنظمة العربية (مع التقدير لكل الذين أبدوا بسالة في تلك الحروب) وإغفاله للناحية العقائدية ومدى تأثيرها على أداء المقاومين في لبنان وفلسطين .
واستناداً إلى منطق الأشياء فإن مجرد صمود المقاومة الفلسطينية واللبنانية وتحديها لواحدة من أعتى القوى العسكرية هو نصر معنوي كبير، وتجنب "إسرائيل" – بكل جبروتها – مواجهة مكشوفة مع المقاومين، واستخدام القنابل الأمريكية (الذكية) لقتل الأطفال هزيمة كبرى بكل ما تحمله الكلمة من معنى .