أثبتت الحرب العدوانية التي شنها الجيش الإسرائيلي من خلال طيرانه واسطوله البحري ومدفعيته بعيدة المدى أنها تستطيع ان تدمر الجسور والمباني السكنية وتفتك بالمدنيين وتهجر مئات الألوف…
أثبتت الحرب العدوانية التي شنها الجيش الإسرائيلي من خلال طيرانه واسطوله البحري ومدفعيته بعيدة المدى أنها تستطيع ان تدمر الجسور والمباني السكنية، وتفتك بالمدنيين، وتهجر مئات الألوف، وتضرب حصاراً يقطع طرق الامداد بالأدوية والأغذية، ولكنها غير قادرة على ضرب المقاومة أو شلها أو اضعافها أو فل ارادتها، أو منعها من الرد الصاروخي أو من الاشتباك على الحدود وانزال الخسائر بالدبابات والجنود، وقد اثبت حزب الله قدرة استثنائية في الدفاع المفكر به جيداً وفي الصمود واستعاده زمام المبادرة.
فها هو العدوان يدخل أسبوعه الثاني وسط الدمار والدماء من دون ان يحقق نصراً عسكرياً أو كسبا سياسيا بل وبجردة سريعة بدأ عمليا بالدوران في المكان من جهة خطته المعسكرية، وكذلك بالنسبة إلى إدارة بوش المنخرطة في هذه الحرب العدوانية حيث دخلت مرحلة فقدان سيطرتها السياسية في حماية العدوان وحشد التأييد الدولي له، والضغط على الوضع العربي الرسمي ليتفرق في مواقفه من العدوان كما لم يحدث من قبل في مثل هذه الحالة.
ومن يتابع الخطة العسكرية الإسرائيلية والخطة السياسية الأمريكية - الإسرائيلية يتأكد من ان ما يجري حرب اعد لها منذ مدة، وانتظرت التوقيت المتعلق بالرد الإيراني على العرض المقدم بخصوص وقف التخصيب، ومن ثم يتأكد ان موضوع اسر الجنديين كان مجرد ذريعة واهية سرعان ما اخذت تتوارى مع انكشاف أوراق العدوان ورقة بعد اخرى.
هذا ويجب ان يقال الأمر نفسه بالنسبة إلى حرب العدوان التي تشنها إسرائيل وأمريكا على قطاع غزة والضفة الغربية، فقد تأكد ان عملية «الوهم المتبدد» وأسر الجندى ليسا السبب وراء شنها ولا حتى الذريعة التي يمكنها تغطية اعلان بدء العدوان، والدليل في الحالتين اللبنانية والفلسطينية تحمله المطالب الأمريكية - الإسرائيلية لوقف اطلاق النار فقد تحول أسر الجنود إلى بند من البنود يقع في آخر القائمة ولهذا اخطأ كل من حمل مسؤولية الحربين العدوانيتين لخطف الجنود الثلاثة أو لعمليتي «الوهم المتبدد» و«الوعد الصادق» فنحن أمام حلول جذرية من وجهة النظر الإسرائيلية والأمريكية للقضية الفلسطينية ولوجود حماس وحزب الله، بل اية مقاومة وممانعة وصولاً إلى الانتهاء لضرب مواقف الحكومة اللبنانية والرئاسة الفلسطينية غير المقبولة أيضا، لان هذه المواقف لم تصل إلى تفكيك المقاومتين والتسليم بالشروط الإسرائيلية لحل القضية الفلسطينية والوضع اللبناني.
الأمر الذي يؤكد ان الحرب العدوانية التي تشن في فلسطين ولبنان ابعد كثيراً من ردة الفعل على عمليتين عسكريتين محدودتين تدخلان في سياق قواعد اللعبة الجارية منذ عشر سنوات في لبنان ومنذ ست سنوات في فلسطين، فهذه الحرب هي جزء من استراتيجية انطلقت من الحرب على العراق وشملت الضغوط على سورية وإيران وعلى الدول العربية كافة، وهي ضمن اطار الحرب التي تشن على السودان، والا كانت أمريكا وإسرائيل هنا غير أمريكا وإسرائيل هنا وهنالك.
الخطأ الشائع والمعكوس الذي يروجه البعض هو القول ان حزب الله حرك عملية «الوعد الصادق» وان حماس حركت عملية «الوهم المتبدد» ضمن اجندة سورية - إيرانية أي حرب بالوكالة، كما يتمتع ذلك البعض بوصفها، حتى ينفض يده من تأييد المعتدي عليهم من الفلسطينيين واللبنانيين ويخفف من ادانة العدوان بمساواته في المعركة المدائرة مع حزب الله وحماس، أو على الاصح مع الشعبين الفلسطيني واللبناني.
الذين يقدمون هذه النظرية لا يحترمون الواقع، ويوقفونه على رأسه ان الصراع الدائر في فلسطين ولبنان انطلق مع الاحتلال الإسرائيلي وهو سابق بعقدين، في الأقل، للصراع الاقليمي المحترم الان بين أمريكا وإيران حول البرنامج النووي الإيراني أو بين أمريكا وسورية في مرحلة ما بعد احتلال العراق اقلميا، وبعد اغتيال الشهيد الرئيس الحريري لبنانيا، والمهاجم في الحالتين هي الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلي، ومن يعد للحرب على إيران ويكثف الضغوط القصوي، وحتى الحرب على سورية هما أمريكا، وإسرائيل ومن ثم فإن الذي ينفذ أجندة اقليمية في لبنان وفلسطين ضد إيران وسورية ليس إيران وسورية وانما أمريكا وإسرائيل، ومن لا يرى ان نزع أسلحة حزب الله، وفرض تهدئة قصرية على فلسطين، يستهدفان الضغط على إيران وسورية، بل يمهدان للحرب على إيران، وتضييق الخناق أكثر على سورية، فهو لا يعرف شيئا في السياسة الدولية إذا كان مقتنعاً باعتبار العمليتين المذكورتين قصد منهما شن الحرب على إسرائيل وأمريكا لحساب إيران أو سورية أو كلاهمها، أما الذي يعرف ويحرف فلا حجة معه مجدية.
ان وضع الأمر في نصابه في موضوع من يحمل أجندة اقليمية للمنطقة كلها سألة ضرورية في صون القضية الفلسطينية أولاً، وفي نصرة شعبي فلسطين ولبنان في مواجهة عدوان يشن ضدهما ثانيا، وفي حماية مستقبل كل البلدان العربية والإسلامية ووحده اراضيها وسيادتها ثالثا، ويكفي ان نذكر بأن الذي يحمل «مشروع الشرق الأوسط الكبير» هو الإدارة الأمريكية، وتنفيذ هذا المشروع لتحقيق الأهداف الأمريكية - الإسرائيلية يتطلب شن حروب العدوان، كما حدث في العراق ويحدث في لبنان وفلسطين ويعد له في السودان وضد إيران، كما يتطلب ما مورس من ضغوط وابتزاز على بعض الدول العربية لتصل إلى ما وصلت إليه من تراجع وتنازلات وضعف ووهن، كما يقتضي ان تشوه الحقائق بحيث يصبح المعتدي معتدياً عليه، هذه الحقيقة لا تترك مجالاً للشك في ان حرب العدوان على لبنان تستهدف الشعب اللبناني أولا باعتباره حاضناً لسلاح المقاومة ما دام لم يجعل نزع ذلك السلاح ولو بالقوة والحرب الطائفية هدفه الأول، ويرمي في حالة النجاح في محاصرة حزب الله أو نزع سلاحه أو شل قدراته إلى التوجه فوراً إلى تنفيذ أجندته الفلسطينية والسورية والإيرانية والعربية «ولا تستثني بلداً عربياً» ثانياً.
من هنا ندرك الدور الذي يقوم به شعبا فلسطين ولبنان ومقاومتهما في صد حرب شاملة موجهة إلى المنطقة كلها وماعدا ذلك يدخل في التفصيلات وهو ما يشعر به الإنسان العربي والمسلم العادي الامر الذي أخذ يرفع إلى مستويات أعلى فأعلى الغضب الشعبي ضد أمريكا وإسرائيل، مما سيسهم في قلب المعادلة بعد صمود الواقعين تحت النيران ومقاومتهم ليبدأ العدوان بالتراجع ويصبح فشله قاب قوسين أو أدنى.
عندما يحصي المرء مجموعة الأصوات الدولية والعربية التي أصبحت تطالب بوقف اطلاق النار فوراً، وبعد غد تبحث القضايا المختلفة، يتيقن ان الريح السياسية اخذت تهب ضد أمريكا وإسرائيل ومن يتابع مواقف الرأي العام الغربي حول الحرب يجد النسبة الأكبر ضدها مع نقد للوحشية الإسرائيلية فهذه وتلك مع الصمود والمواجهة لبنانياً، واتساع التعاطف الشعبي العربي والإسلامي مؤشرات على السير العدوان نحو الفشل.