الإنتاجُّ العسكريّ المحليّ في زمن الحصار والتضييق

محمد حسونة
2020-09-16

أثارت المعلومات عالية السرية التي سمحت المقاومة بنشرها في برنامج قناة الجزيرة ما خفي أعظم الصفقة والسلاح تساؤلات عدة حول مدى نجاح الاحتلال في قضم قدرات المقاومة العسكرية والحيلولة…

أثارت المعلومات عالية السريّة التي سمحت المقاومة بنشرها في برنامج قناة الجزيرة "ما خفي أعظم: الصفقة والسلاح" تساؤلاتٍ عدّة حول مدى نجاح الاحتلال في قضم قدرات المقاومة العسكريّة والحيلولة دون تطويرها، ومدى قدرة المقاومة على الإنتاج العسكريّ الذاتيّ وامتلاك قدرات عسكريّة متقدمة تردع الاحتلال عن الشروع في العُدوان على شعبنا.
بقراءةٍ متعمقةٍ لما سمحت المقاومة بنشره حول الإنتاج العسكريّ المحليّ، فإنّه يمكن الإشارة إلى أنّ "إسرائيل" قد فشلت في محاولات قضم قدرات المقاومة والحدّ من تطويرها عبر توظيف الاستراتيجيّات العسكريّة والنظريات القتاليّة الحديثة. لقد لجأت "إسرائيل" إلى استراتيجية "جزّ العُشب" في العُدوان على قطاع غزّة خلال عامي 2012م و2014م؛ بهدف القضاء على قدرات المقاومة العسكريّة، إلا أنّ قوى المقاومة واصلت عمليّات الدّفاع عن قطاع غزة طوال أيام العُدوان، بوتيرةٍ متناسقةٍ ومتوازنةٍ، الأمر الذي أظهر فشل الرهان الإسرائيلي على هذه الاستراتيجية، خاصةً فيما يتعلق بتكتيك الإفراط في استخدام القوّة لتدمير أكبر قدر ممكن من القدرات العسكريّة وإنهاك منظومة القيادة والتحكم.
كما عملت "إسرائيل" على مفهمة استراتيجية "المعركة بين الحروب" وتطوير أساليبها؛ بهدف منع تعاظم قدرات المقاومة العسكريّة، والحفاظ على الجهوزيّة الاستخباريّة والتفوق العملانيّ، وتحقيق منسوب مقبول من الردع التراكمي، وذلك من خلال ممارسة مجموعة من النشاطات العسكريّة الهجوميّة منخفضة الوتيرة خلال فترات اللاحرب في مناطق تواجد العدوّ. بالنظر إلى وظائف هذه الاستراتيجية الثلاث، وهي: (منع تعاظم قدرات العدوّ، والتشويش على أنشطة العدوّ، وردع العدوّ عن القيام بأي عملٍ عسكريّ)، فإنّه بالإمكان رصد فشلٍ إضافي للاحتلال في مجال الحيلولة دون تطوير قدرات المقاومة، حيث تخطت المقاومة محاولات الاحتلال قطع الإمداد العسكريّ عن قطاع غزّة، ونجحت في توفير بدائل أخرى تعزز قدراتها العسكريّة.
فرضت طبيعة المواجهة العسكريّة غير المتكافئة بين المقاومة الفلسطينيّة والاحتلال على قيادة المقاومة توفير أدوات عسكريّة بديلة عن السلاح القادم من خارج قطاع غزّة، خاصةً في ظل تشديد حصار غزّة والتشويش على خطوط الإمداد الخارجي. خلال عمليات الأمن الجاري الاعتياديّة في غزّة، التقطت قيادة المقاومة إشارات ميدانيّة مهمة حول وجود أدوات عسكريّة في أكثر من مكان تُفيد في عمليات "التصنيع العسكريّ" المحليّ، وبناءً على ذلك شكلت فرق عمل عسكريّة متخصّصة لجمع هذه الأدوات بطرقٍ سليمة وآمنة وغاية في السريّة. بالتوازي مع عمليات التنقيب العسكريّ وجمع الأدوات والمواد المتفجرة، نشطت طواقم ميدانيّة في إعادة تصنيع مخلفات القنابل والقذائف الصاروخيّة وتدويرها، بما يسهم في تطوير قدرات المقاومة العسكريّة وتعزيز قوتها.
ساندت المقاومة في عمليات التنقيب العسكريّ قطاعات متنوعة من أبناء شعبنا سواءً بالإبلاغ عن أماكن وجود مخلفات القنابل والقذائف الصاروخيّة أو بتقديم الدعم الماديّ والمعنويّ لفرق العمل وطواقم الجمع والتطوير الميدانيّة، مما مكّن المقاومة من تسجيل انتصارٍ آخر على الاحتلال في معركة التأثير على وعي الجمهور، خاصةً في ظل ارتفاع وتيرة عمليّات التّأثير التقليديّة والسّيبرانيّة الموجهة من قبل هيئات الاحتلال ومؤسساته المختصة، الهادفة إلى تحريض الجمهور على مشروع المقاومة والتحرر، وبالتّالي عزل المقاومة شعبيًا ومعنويًا.
لقد أثبتت المقاومة جدارتها في خلق بيئةٍ عسكريّة قادرة على الإنتاج العسكريّ المحليّ، بما يعزز خطوط الإمداد العسكريّ، وهنا تجدر الإشارة إلى بُعدين مهمين في هذا المضمار، البُعد الأول: المقاومة تخطت محاولات الاحتلال قطع الإمداد العسكريّ واللوجستيّ عن غزّة، وبالتّالي تمكنت عمليًا من برهنة عدم جدوائيّة عدوان الاحتلال على غزّة في نزع إرادة القتال أو سلاح المقاومة. أما البُعد الثاني: القدرة على الإنتاج العسكريّ المحليّ تُعطي المقاومة استقلاليّة في اتخاذ القرار وبناء الموقف، بمعنى آخر لا توجد وِصاية خارجيّة على المقاومة من أي طرفٍ يقدم الدعم؛ فقرار قيادة المقاومة غير مرهون لأي توجه أو محور مهما تغيرت مواقفه من الاحتلال.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026