منذ تأسيسها عام سيطر على إسرائيل الهاجس الأمني لا سيما حماية عمقها من الضربات العسكرية العربية المحتملة وشكل هذا الهاجس صلب العقيدة العسكرية الإسرائيلية القائمة على مبدأ الحرب…
منذ تأسيسها عام 1948، سيطر على "إسرائيل" الهاجس الأمني، لا سيما حماية عمقها من الضربات العسكرية العربية المحتملة. وشكل هذا الهاجس صلب العقيدة العسكرية الإسرائيلية القائمة على مبدأ الحرب "الوقائية الخاطفة" لضمان بقاء القتال خارج حدودها.
من يتمعن بخارطة فلسطين، يجدها قليلة العمق، وضيقة العرض بدءاً من المنطقة الشمالية المتاخمة للجنوب اللبناني والجولان السوري، وتزداد ضيقاً كلما انحدرت جنوبا بمحاذاة الحدود مع الأردن. ليقتصر عرضها بين نقطة كفرفابا والبحر على 15 كلم. لهذا كانت "إسرائيل" تتخوف على الدوام من "هجوم عربي" مباغت ينطلق من الجبهة الأردنية قد يشطر فلسطين إلى شطرين. لكن بعد انتصار القوات الإسرائيلية في حرب حزيران 1967. واحتلالها شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة، ومرتفعات الجولان السورية والضفة الغربية، تراجع ذلك الهاجس بنسبة عالية. حتى عندما فاجأت القوات المصرية والسورية العدو الإسرائيلي في حرب تشرين 1973، بقي العمق الإسرائيلي بمنأى عن أي تهديد حقيقي، باستثناء بعض الرشقات الصاروخية السورية المحدودة على شمال فلسطين، لكون القتال انحصر في الأراضي التي احتلت عام 1967. إذا استثنينا بعض النشاطات العسكرية الفلسطينية المحدودة على الجبهة اللبنانية منذ منتصف السبعينيات وحتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. لم يعرف العمق الإسرائيلي ما يعكر صفوه.
منذ منتصف التسعينيات، بدأ تنامي القدرات العسكرية لحزب الله، يقلق القيادة الإسرائيلية. فتركزت جهودها على تقدير حجم ترسانته، وبالتحديد "سلاح الصواريخ". ويمكن القول إن حرب نيسان 1996 "عناقيد الغضب" قد فتحت عيونه على أهمية ذاك السلاح. إذ شكل في تلك المواجهة قوة ردع نسبية. بالرغم من أن المقاومة كانت مجبرة على الرماية من العمق بسبب احتلال الشريط الحدودي. وبالتالي كانت مساحة المنطقة المضروبة بالنيران في الشمال الإسرائيلي صغيرة من حيث الاتساع والعمق. ومعظم الصواريخ المستخدمة آنذاك من طراز كاتيوشا "22 كلم". فجهد الحزب في ما بعد على تقوية ترسانته الصاروخية كماً ونوعاً.
والآن بعد مرور أكثر من عشرة أيام على بدء الاجتياح الجوي والبحري والإسرائيلي للبنان، ثبت أن ذاك الجهد كاف في محله حيث شكل سلاح الصواريخ التابع لحزب الله عنصر القوة في النزاع المسلح الذي تمخض عن "حرب الأسرى". كل التقارير والتوقعات وخاصة بعد تجديد التفويض من المجلس الوزاري المصغر، تشير إلى أن الجيش الإسرائيلي سيصعّد من وتيرة عملياته العسكرية في الأيام المقبلة. وكان سلاح الجو الإسرائيلي بمؤازرة البحرية، قد قام بعملية تدمير ممنهجة طالت ما عرف بالمربعات الأمنية في الضاحية الجنوبية حيث يظن أن قيادات الحزب ووسائل اتصالاته وبنيته اللوجستية موجودة فيها. كما أغار على البلدات والقرى الجنوبية والبقاعية مستهدفاً كل ما يتحرك، عامداً إلى تقطيع أوصالها، بعد أن استنفد مخزون "بنك الأهداف الكبرى"، من مطارات وبنى تحتية ومحطات كهرباء وجسور وطرقات رئيسية ساعياً لعزل مواقع المقاومة وقطع خطوط تموينها، وتهيئة جو شعبي ضاغط عليها، عبر الإمعان في إيقاع خسائر كبيرة في صفوف المواطنين، وتعقيد ظروف حياتهم. وقد نجح في إلحاق الضرر الكبير في البنية المدنية والاقتصادية اللبنانية، عدا خسائر بشرية كبيرة.
في المقابل لم يسلم العمق الشمالي لـ"إسرائيل" بشقيه الجبلي والساحلي وإلى ما بعد منطقة حيفا من تأثير صواريخ المقاومة، فأصاب الشلل تلك المنطقة الحيوية ذات الكثافة السكانية العالية نظراً لأهميتها الصناعية والسياحية والزراعية، والمقدر عدد سكانها ب1.5 مليون مستوطن. نزح قسم كبير منهم باتجاه الداخل، أما الباقون فأصبحوا نزلاء الملاجئ. ناهيك عن الخسائر المادية التي تفوق ال100 مليون دولار يومياً، وتراجع سعر صرف الشيكل والانهيار في سوق البورصة.
فعلى أية معطيات ميدانية يعتمد طرفا الصراع المفتوح؟
تجنب الجيش الإسرائيلي حتى الآن تنفيذ عمليات برية واسعة. وما حصل في اليومين الماضيين في خراج بلدات عيترون ومارون الراس والناقورة، يندرج في إطار "الاستطلاع بالنار" لاختبار مدى "نضوج الثمرة". إلا أن الإسرائيليين لم يوفقوا. والمؤشرات الحالية تدل على فرضية ترجيح الاجتياح البري. وقد تم استدعاء ثلاث فرق احتياط "45 ألف جندي"، إلا أن الإسرائيلي لن يشرع به قبل "إنهاك المقاومة" بعد ما يزيد عن ثلاثة آلاف غارة جوية. اكتشف الإسرائيلي أنه أمام عدو عنيد وكفوء، استعد جيداً للمعركة، إذ استطاع تسجيل نقاط عدة لصالحه في عملية "التبارز الناري" رغم عدم تكافؤ القوى. فالقوات الصاروخية للحزب ما زالت على زخمها، وتطال باطراد مناطق جديدة. ويظهر أن جعبة المقاومة لم تفرغ من المفاجآت النوعية، على غرار ما حصل في عملية تدمير البارجة (ساعر 5) وقصف حيفا المدينة الإسرائيلية الثالثة، والأولى صناعياً، وهي مقر الصناعات البتروكيميائية. ومنها احتمال مهاجمة المستوطنات القريبة من الحدود، واستعمال صواريخ أبعد مدى وأكثر تدميراً.
إن البنية العسكرية لحزب الله رغم كبر حجمها، ونوعية تسليحها بما يفوق حاجة قوات حرب العصابات عادة، إلا أنها تبقى غير نظامية. بمعنى أنها ليست منضوية في تشكيلات كلاسيكية، فهي تقاتل بأساليب غير تقليدية فلا تتأثر كثيراً بضرب الجسور وقطع المعابر وتدمير المرافق الحيوية. فتركيبتها وطبيعة مهامها تجعلها تعتمد نظام تسلح وتذخير وتغذية ذاتي لكل موقع بما يكفي لأسابيع وحتى لأشهر. والمفترض أن قوات المقاومة متشكلة في مجموعات قتالية صغيرة، تمتلك حرية المبادرة والحركة، وتنشط في إطار الخطة العامة الموضوعة مسبقاً دون انتظار الأوامر القيادية الميدانية باستثناء تشكيلات الأسلحة التكتيكية.
ما هي الخيارات المستقبلية أمام الطرفين؟
ستعمد "إسرائيل" إلى تكثيف غاراتها الجوية لتطال ما تبقى من بنى تحتية ومتابعة سياسة تقطيع الأوصال.
توسيع دائرة النار لتطال مناطق لبنانية جديدة، لتأليب لبنانيين ضد المقاومة، والسعي لإحداث شروخ داخلية.
تشديد الحصارين البحري والبري.
ارتكاب مجازر متنقلة على غرار ما حصل في صريفا والدوير وسلعا والنبي شيث وغيرها، لدب الرعب بين سكان البلدات والقرى الحاضنة للمقاومة.
الاستمرار بضرب الأهداف المشكوك باستخدامها من رجال المقاومة.
أخيراً، الإقدام على عمل بري واسع بعد "إنهاك المقاومة"، وهناك خلاف في القيادة العسكرية الإسرائيلية على طبيعة هذا العمل وحججه والنتائج المحتملة. وأحد الجنرالات تحدث عن خسائر تتراوح بين 20 40 قتيلا يومياً.
ويشار إلى أنه حتى الآن لم يشارك في المعارك إلا وحدات محددة من رجال المدفعية والصواريخ. لكن الاجتياح البري الواسع سيسمح بانخراط الآلاف من مقاتلي حركة أمل والأحزاب الوطنية ووحدات من الجيش اللبناني.
وعليه فإن رد المقاومة سيكون
قصف الشمال الإسرائيلي إلى حدود منطقة حيفا بشكل مبرمج للحفاظ على حال الشلل التام في تلك البقعة الحيوية.
توسيع دائرة القصف لتطال مدناً وأعماقاً جديدة، خاصة في حال إقدام العدو على توسيع دائرة نيرانه.
تنفيذ عمليات فدائية جريئة، كاقتحام المستوطنات الإسرائيلية القريبة.
يمكن تلخيص ما يدور الآن بعملية "الضغط على الخناق"، فـ"إسرائيل" تستمر بشل الحياة اللبنانية في كل نواحيها، والمقاومة في المقابل تبذل الجهد لإبقاء الشمال الإسرائيلي في "الأسر الصاروخي"، بانتظار أن يصرخ أحد الطرفين. إلا أننا نرجح بأن المقاومة ستخرج معافاة رغم الجراح البليغة في الجسد اللبناني. فقد نجح حزب الله في "فصل بنية المقاومة" العسكرية عن البنية المدنية المحيطة بها بما فيها جمهور الحزب.
وهذا عامل يساعد على الصمود لوقت أطول، لكونها لا تتأثر كثيراً بما يجري حولها. إن ما يفعله حزب الله اليوم، ليس عملية "تبارز ناري" بقدر ما هو كسر لهيبة الأمن القومي الإسرائيلي. والمواجهة لا تحتسب بعدد الخسائر وحتى بالنتائج. فمن المؤكد أن "إسرائيل" هي الأبرع في حصد الضحايا، وإنما تكمن في التهديد الجدي وللمرة الأولى للعمق الاستراتيجي الإسرائيلي. ونتائج هذه المعركة، خاصة في حال انتصار المقاومة أو التعادل بالنقاط، ستغير في استراتيجيات القوى المناهضة لـ"إسرائيل" "دولا وجماعات"، لتصبح أكثر جرأة، ولتغيير في نظام تسلحها، واعتماد أساليب قتالية غير اعتيادية. إن التجرؤ على استهداف العمق الإسرائيلي، ليس أمراً عارضاً. بل يمكن أن يشكل مقتلاً في حال فتح الجبهات العربية المجاورة لفلسطين. وبالتأكيد إن هذه الحرب ستدرس بأساليبها ونتائجها من قبل الخبراء والاستراتيجيين الإسرائيليين. لأنهم يدركون جيداً، أن العالم العربي لن يبقى في سباته الشتوي إلى الأبد.