مؤشرات دالة على فشل العدوان

مؤشرات دالة على فشل العدوان

منير شفيق
2006-07-25

أثبتت الحرب العدوانية التي شنها الجيش الإسرائيلي من خلال طيرانه وأسطوله البحري ومدفعيته بعيدة المدى أنها تستطيع أن تدمر الجسور والمباني السكنية وتفتك بالمدنيين وتهجر مئات الألوف…

أثبتت الحرب العدوانية التي شنها الجيش الإسرائيلي من خلال طيرانه وأسطوله البحري ومدفعيته بعيدة المدى أنها تستطيع أن تدمر الجسور والمباني السكنية، وتفتك بالمدنيين، وتهجر مئات الألوف، وتضرب حصاراً يقطع طرق الإمداد بالأدوية والأغذية، ولكنها غير قادرة على ضرب المقاومة أو شلها أو إضعافها أو فل إرادتها، أو منعها من الرد الصاروخي أو من الاشتباك على الحدود وإنزال الخسائر بالدبابات والجنود، وقد أثبت حزب الله قدرة استثنائية في الدفاع المفكر به جيداً وفي الصمود واستعاده زمام المبادرة.

فها هو العدوان يدخل أسبوعه الثاني وسط الدمار والدماء من دون أن يحقق نصراً عسكرياً أو كسباً سياسياً بل وبجردة سريعة بدأ عملياً بالدوران في المكان من جهة خطته العسكرية، وكذلك بالنسبة إلى إدارة بوش المنخرطة في هذه الحرب العدوانية حيث دخلت مرحلة فقدان سيطرتها السياسية في حماية العدوان وحشد التأييد الدولي له، والضغط على الوضع العربي الرسمي ليتفرق في مواقفه من العدوان كما لم يحدث من قبل في مثل هذه الحالة.

ومن يتابع الخطة العسكرية الإسرائيلية والخطة السياسية الأمريكية - الإسرائيلية يتأكد من أن ما يجري حرب أعد لها منذ مدة، وانتظرت التوقيت المتعلق بالرد الإيراني على العرض المقدم بخصوص وقف التخصيب، ومن ثم يتأكد أن موضوع أسر الجنديين كان مجرد ذريعة واهية سرعان ما أخذت تتوارى مع انكشاف أوراق العدوان ورقة بعد أخرى.

هذا ويجب أن يقال الأمر نفسه بالنسبة إلى حرب العدوان التي تشنها "إسرائيل" وأمريكا على قطاع غزة والضفة الغربية، فقد تأكد أن عملية «الوهم المتبدد» وأسر الجندي ليسا السبب وراء شنها ولا حتى الذريعة التي يمكنها تغطية إعلان بدء العدوان، والدليل في الحالتين اللبنانية والفلسطينية تحمله المطالب الأمريكية - الإسرائيلية لوقف إطلاق النار فقد تحول أسر الجنود إلى بند من البنود يقع في آخر القائمة ولهذا اخطأ كل من حمل مسؤولية الحربين العدوانيتين لخطف الجنود الثلاثة أو لعمليتي «الوهم المتبدد» و«الوعد الصادق» فنحن أمام حلول جذرية من وجهة النظر الإسرائيلية والأمريكية للقضية الفلسطينية ولوجود حماس وحزب الله، بل أية مقاومة وممانعة وصولاً إلى الانتهاء لضرب مواقف الحكومة اللبنانية والرئاسة الفلسطينية غير المقبولة أيضاً، لأن هذه المواقف لم تصل إلى تفكيك المقاومتين والتسليم بالشروط الإسرائيلية لحل القضية الفلسطينية والوضع اللبناني.

الأمر الذي يؤكد أن الحرب العدوانية التي تشن في فلسطين ولبنان أبعد كثيراً من ردة الفعل على عمليتين عسكريتين محدودتين تدخلان في سياق قواعد اللعبة الجارية منذ عشر سنوات في لبنان ومنذ ست سنوات في فلسطين، فهذه الحرب هي جزء من استراتيجية انطلقت من الحرب على العراق وشملت الضغوط على سورية وإيران وعلى الدول العربية كافة، وهي ضمن إطار الحرب التي تشن على السودان، وإلا كانت أمريكا و"إسرائيل" هنا غير أمريكا و"إسرائيل" هنا وهنالك.

الخطأ الشائع والمعكوس الذي يروجه البعض هو القول إن حزب الله حرك عملية «الوعد الصادق» وإن حماس حركت عملية «الوهم المتبدد» ضمن أجندة سورية - إيرانية أي حرب بالوكالة، كما يتمتع ذلك البعض بوصفها، حتى ينفض يده من تأييد المعتدي عليهم من الفلسطينيين واللبنانيين ويخفف من إدانة العدوان بمساواته في المعركة الدائرة مع حزب الله وحماس، أو على الأصح مع الشعبين الفلسطيني واللبناني.

الذين يقدمون هذه النظرية لا يحترمون الواقع، ويوقفونه على رأسه إن الصراع الدائر في فلسطين ولبنان انطلق مع الاحتلال الإسرائيلي وهو سابق بعقدين، في الأقل، للصراع الإقليمي المحترم الآن بين أمريكا وإيران حول البرنامج النووي الإيراني أو بين أمريكا وسورية في مرحلة ما بعد احتلال العراق إقليمياً، وبعد اغتيال الشهيد الرئيس الحريري لبنانيا، والمهاجم في الحالتين هي الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلي، ومن يعد للحرب على إيران ويكثف الضغوط القصوى، وحتى الحرب على سورية هما أمريكا، و"إسرائيل" ومن ثم فإن الذي ينفذ أجندة إقليمية في لبنان وفلسطين ضد إيران وسورية ليس إيران وسورية وإنما أمريكا و"إسرائيل"، ومن لا يرى أن نزع أسلحة حزب الله، وفرض تهدئة قسرية على فلسطين، يستهدفان الضغط على إيران وسورية، بل يمهدان للحرب على إيران، وتضييق الخناق أكثر على سورية، فهو لا يعرف شيئاً في السياسة الدولية إذا كان مقتنعاً باعتبار العمليتين المذكورتين قصد منهما شن الحرب على "إسرائيل" وأمريكا لحساب إيران أو سورية أو كلاههما، أما الذي يعرف ويحرف فلا حجة معه مجدية.

إن وضع الأمر في نصابه في موضوع من يحمل أجندة إقليمية للمنطقة كلها مسألة ضرورية في صون القضية الفلسطينية أولاً، وفي نصرة شعبي فلسطين ولبنان في مواجهة عدوان يشن ضدهما ثانياً، وفي حماية مستقبل كل البلدان العربية والإسلامية ووحده أراضيها وسيادتها ثالثاً، ويكفي أن نذكر بأن الذي يحمل «مشروع الشرق الأوسط الكبير» هو الإدارة الأمريكية، وتنفيذ هذا المشروع لتحقيق الأهداف الأمريكية - الإسرائيلية يتطلب شن حروب العدوان، كما حدث في العراق ويحدث في لبنان وفلسطين ويعد له في السودان وضد إيران، كما يتطلب ما مورس من ضغوط وابتزاز على بعض الدول العربية لتصل إلى ما وصلت إليه من تراجع وتنازلات وضعف ووهن، كما يقتضي أن تشوه الحقائق بحيث يصبح المعتدي معتدياً عليه، هذه الحقيقة لا تترك مجالاً للشك في أن حرب العدوان على لبنان تستهدف الشعب اللبناني أولاً باعتباره حاضناً لسلاح المقاومة ما دام لم يجعل نزع ذلك السلاح ولو بالقوة والحرب الطائفية هدفه الأول، ويرمي في حالة النجاح في محاصرة حزب الله أو نزع سلاحه أو شل قدراته إلى التوجه فوراً إلى تنفيذ أجندته الفلسطينية والسورية والإيرانية والعربية «ولا تستثني بلداً عربياً» ثانياً.

من هنا ندرك الدور الذي يقوم به شعبا فلسطين ولبنان ومقاومتهما في صد حرب شاملة موجهة إلى المنطقة كلها وماعدا ذلك يدخل في التفصيلات وهو ما يشعر به الإنسان العربي والمسلم العادي الأمر الذي أخذ يرفع إلى مستويات أعلى فأعلى الغضب الشعبي ضد أمريكا و"إسرائيل"، مما سيسهم في قلب المعادلة بعد صمود الواقعين تحت النيران ومقاومتهم ليبدأ العدوان بالتراجع ويصبح فشله قاب قوسين أو أدنى.

عندما يحصي المرء مجموعة الأصوات الدولية والعربية التي أصبحت تطالب بوقف إطلاق النار فوراً، وبعد غد تبحث القضايا المختلفة، يتيقن أن الريح السياسية أخذت تهب ضد أمريكا و"إسرائيل" ومن يتابع مواقف الرأي العام الغربي حول الحرب يجد النسبة الأكبر ضدها مع نقد للوحشية الإسرائيلية فهذه وتلك مع الصمود والمواجهة لبنانياً، واتساع التعاطف الشعبي العربي والإسلامي مؤشرات على السير العدوان نحو الفشل.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026