الوعد الصادق في خضم الوهم المبدد

إبراهيم أبو الهيجاء
2006-07-20

من يرى إسرائيل في سنة لا يصدق أنها هي ذاتها الدولة التي انتصرت على الدول العربية مجتمعة في أهم حروبها العسكرية وأنها هي ذاتها القوة التي صنفها مركز يافي بالقوة السوبر في المنطقة…

من يرى إسرائيل في سنة 2006  لا يصدق أنها هي ذاتها الدولة  التي انتصرت على  الدول العربية مجتمعة  في أهم حروبها العسكرية ، وأنها هي ذاتها القوة التي صنفها مركز ( يافي )   بالقوة السوبر في المنطقة في ضوء  استمرار التفوق العسكري الإسرائيلي على الدول العربية ،نظرا لكون الفجوة العسكرية الحالية هي أكبر فجوة بين إسرائيل والدول العربية منذ قيام دولة إسرائيل ، بل إن الظروف المحيطة التي  تحيط بإسرائيل هي من أفضل الظروف فقد تم السيطرة على ثروات العراق ومقدراته ولبنان غارق في تفاصيله الداخلية وسوريا المطرودة من لبنان واقعة تحت ضغوط هائلة ، والأنظمة العربية المرتعدة من الإصلاح الأميركي تبحث عن أسباب نجاتها ، والإدارة الأميركية وأركانها من اليمين الأميركي في عناق أيدلوجي وسياسي مع إسرائيل.
وعلى الأرض استطاعت إسرائيل أن تبني الجدار وتقضم أكثر من 20% من أراضي الضفة الغربية وسط تفهم أوروبي وتأييد أميركي ، رغم كل هذه الظروف النوعية لإسرائيل  فإننا نرى صواريخ القسام المتواضعة تهدد اليوم قرى ومدن  الجنوب " الإسرائيلية " من قطاع غزة المحاصر والفقير ، بينما صواريخ حزب الله التي تزيد عن عشرة آلاف فإنها قادرة على تهديد شمال ووسط " إسرائيل " واستطاعت الوصول إلى حيفا أي إلى ثالث اكبر مدينة إسرائيلية ، وحزب الله  مزود أيضا بطائرات تجسس دون طيار استطاعت مؤخراً اختراق الأجواء  " الإسرائيلية "  والعودة بسلام إلى قواعدها ، رغم أن لبنان دولة لا يوجد لديها وزن عسكري على الخارطة الدولية.
من الواضح تماما أن إسرائيل على الرغم من قوتها وقدرتها على محاربة ثلاثة دول عربية مجتمعة إلا أنها مع  الستين سنة على احتلالها واستنزافها وبالرغم من الدعم الدولي اللامحدود لوجودها فإنها في انحدار  وهبوط واضحين ، واهم معالم ذلك هشاشة قدرتها الداخلية على الممانعة وتآكل قدرتها العسكرية على الردع وبدأ ذلك واضحا بالتأييد الشعبي الإسرائيلي المتفاوت لخطط الخروج من جنوب لبنان  وماسمي فك الارتباط من قطاع غزة وماسمي لاحقا خطة التجميع أو الانطواء عن الضفة الغربية ، وحتى الجدار الفاصل وعلى الرغم من قسوته ومرارته فلسطينيا إلا انه يحمل في طياته اعترافا إسرائيليا في العجز عن تحمل أثمان المقاومة الفلسطينية وما تحمله من أبعاد سياسية واقتصادية وديمغرافية تهدد الوجود الإسرائيلي ، ولذا أصبحنا نسمع الكثير من العبارات الإسرائيلية الداعية للحفاظ على "  دولة إسرائيلية ديمقراطية "  وهي لغة ذليلة وانطوائية بعيدة عن العجرفة والغرور التي تعودت عليهما إسرائيل طوال الخمسين سنة الماضية والتي اعتمدت خلالها على ضرورة الاحتفاظ بمجال امني حيوي وعمق جغرافي رادع وحدود آمنة.
كل ذلك من المهم استحضاره وتوظيفه كتوطئة هامة في سياق فهمنا لأبعاد ومخاطر وافتراضات ما بعد عمليتي الوهم المبدد والوعد الصادق واسر الجنود الثلاثة في تأكيد مدى الضعف الذي وصل إليه الجيش الإسرائيلي والردع المتقدم الذي باتت تشكله المقاومة الفلسطينية واللبنانية ، ولذا فإسرائيل المجروحة تحاول الدفاع هذه المرة عن كبريائها من جهة وإعادة ثقة  الشعب الإسرائيلي بنفسه وجيشه ، وهذا ما يؤكده  التخبط والجنون في ضرباتها للآمنين من الفلسطينيين واللبنانيين ، لكن هذا لا يعني أن التطورات القادمة سهلة  ولكن المقاومة الفلسطينية واللبنانية لهما قراءة جعلتها واثقة من امتصاص الضربات الأولى وصولاً إلى اعتراف إسرائيل بندية المقاومة والتفاوض معها على أرضية مختلفة.
وقد استندت  قراءة المقاومة ولاسيما اللبنانية إلى واجب تخفيف الضغط على الجبهة الفلسطينية التي استهدفتها إسرائيل بالحصار والقتل الذي زهق  بسببه ما لا يقل عن مائتي شهيد خلال شهرين ، وكذلك لتخفيف الضغط على سوريا المهددة بسبب حمايتها للمقاومة  وموقفها الرافض للضغط أو طرد قيادة حماس بعد اختطاف الجندي في قطاع غزة ، وكذلك  التأكيد لإسرائيل أن لإيران  يد طولى تستطيع أن تحمي حقها في السلاح النووي الذي تهدده إسرائيل وتنظر الفرصة المناسبة لضربه ، وكذلك إعطاء رسالة للعراقيين وخاصة السنة أن حزب الله  الشيعي معهم على في مواجهة الاستكبار الأميركي.
وقد دعا أمين حزب الله إلى مخططات الفتنة في العراق في سياق عملية الوعد الصادق، وكذلك هو تصدير للازمة الداخلية اللبنانية  إلى المرمى الإسرائيلي على خلفية اغتيال الحريري  ، والتي تكاد  تقترب من الفتنة ، ولاسيما بعد إصدار قرار من مجلس نجح في الحصول على قرار( 1559 ) من مجلس الأمن أغرى بعض الأطراف اللبنانية بتشجيع  أميركي وإسرائيلي يريد نزع سلاح المقاومة مستغلا إفراغ لبنان من الجيش السوري المساند لمقاومة حزب الله .
كذلك علينا أن لا ننسى أن إسرائيل لازالت تمارس استفزازا يوميا عبر طلعاتها الجوية وبقاء احتلالها لمزارع  شعبا ، وهي اغتالت العديد من القيادات عبر شبكة العملاء  التي اكتشفت مؤخرا ً ، بالمقابل وعلى الصعيد العسكري  فقراءة المقاومة ترى أن إسرائيل تمر في حالة ضعف قيادي وترهل امني وتآكل في الردع العسكري  ، يقابلها استعداد مناسب وجيد للمقاومة يراد له أن يستثمر في تغيير قواعد اللعبة التي تظهر المقاومة ، وكأنها مقيدة بواقع السلطة كحال حماس أو بواقع عدم الرد المبالغ به كحال حزب الله  .
الرد الإسرائيلي وعناصر ضعفه
من الواضح أن  الرد  الإسرائيلي  يتعدى الرد المفترض ، وهو رغم انه مخطط في أدارج القيادات العسكرية  إلا انه يحمل في  فلسفته الانتقام أكثر من السياسة ، وفيه لمسات انجرار السياسيين الجدد  لهمسات العسكريين المتعطشين ، والذين يريدون إبعاد  الفشل عن كواهلهم  بضجيج القنابل في بيروت وقطاع غزة.
لكن علينا الاعتراف أيضا أن السياسيين الاسرائيلين وبدعم أميركي ولربما بهمس عربي ، يريدون التخلص من حكم حماس في الضفة الغبية وقطاع غزة ومن قوة حزب الله في لبنان  بإذكاء المفاعيل الداخلية  الفلسطينية واللبنانية مع ارتفاع الكلف المادية لآلة التدمير والحرب الإسرائيلية  ، وفشل المراهنات الأميركية والإسرائيلية على تحرك شعبي ضاغط على حماس أو تحرك طائفي اغلبي لتدجين سلاح حزب الله  بعد قرار  مجلس الأمن رقم (  1559)  ، وتخوفهم  المسبق من  استخدام إيران لسلاح المقاومة  ضد المصالح الأميركية مشمولاً فيها إسرائيل ، لكن هذه المراهنات الإسرائيلية تكتيكية في حساباتها ومغامرة في معطياتها في ضوء أن الهجوم  الإسرائيلي يقوي  أولاً شعبية حزب الله  وحماس ، ويخلصهما من تحديات مقيدة لعملها وشرعيتهما مثل اتفاقات أوسلو أو قرار 1559.
وثانيا ومهما كان حجم الخلافات الداخلية حول توقيت والية المقاومة فلن تجد إسرائيل حليفاً معها ينتصر لمنطقها أو يجرؤ على  طعن المقاومة من الخلف ، هذا إذا افترضنا أن المقاومة عبارة عن خلايا أو بضع عشرات من الناس ، فكيف إذا كانت هذه المقاومة  في عمق شعبي حاضن وقوي ؟ إذا خسارة إسرائيل على المدى الطويل متحققة ، ويساعد في ذلك أيضاً أن الضربات الإسرائيلية مهما بلغت فداحتها فإنها ستبقى محدودة في ضوء أن إسرائيل لن تغامر بدخول لبنان أو قطاع غزة لأنها ستدفع حينها أثمان بشرية عالية.
وعليه فإن القوة الإسرائيلية ستكون محدودة ومقيدة ، ولذا فهي تراهن على عامل الوقت والوقت القصير جداً ، وهذه النقطة تسجل للمقاومة أيضاً  ، أما العامل الثالث لصالح المقاومة فهو ضعف الساسة الاسرائيلين تجاه الرأي العام  الداخلي ، ولذا فالنصف مليون إسرائيلي الذين ينامون بالملاجئ لن يستمروا في هذا الحال ، وتجارب كريات شمونة التي خبرت هذه الوضعية ستحفزهم على الصراخ مبكراً في وجه جدوى استمرار إسرائيل بعملياتها  ، تبقى الروافع الإقليمية ولاسيما الضغط العربي الرسمي على المقاومة مدفوعا بإحراج المقاومة لهيبته وبقائه ولجدوى سياسته التصالحية مع إسرائيل ، ولكن الصوت الرسمي الضعيف شعبياً والمتهم بالاستبداد لن يقوى على خذلان المقاومة وبالتالي مناصرة إسرائيل حتى النهاية ، لان القوة الإسرائيلية بلا عقل ولا كوابح  وسيكون  ذلك محرجا ولهم ، والاهم من أن المقاومة فعليا لا تراهن أصلا على النظام الرسمي وهي تعرف جيداً مواقفه وقواها ذاتية  ، ولذا فهي تراهن على الشعوب العربية ، والتي رغم ضعف تحركها إلا أنها أثبتت مع الوقت أنها قوة ساكنة قد تنفجر في اتجاهات تهدد استقرار الأنظمة العربية التي بالغت في استبدادها وبرودتها تجاه الجرح الفلسطيني واللبناني الملتهب.
في البعد  الدولي لايمكن لإسرائيل أيضا الارتياح رغم الغطاء الأميركي ، نظرا لتعدد البؤر الملتهبة ، وبالتالي حاجة الولايات المتحدة لتسويات في ملفات أخرى تضطرها لضبط الإيقاع الإسرائيلي الحربي  فملفات مثل العراق وكوريا الشمالية وإيران  ستضطر الولايات المتحدة لتضامن دولي معها سيطالبها بالمقابل بكف يد إسرائيل أو ضبط قوتها ، وقد لاحظنا وتيرة ذلك في المواقف الروسية والصينية والفرنسية ، والتي بالمناسبة أفضل من العربية .
يضاف إلى كل ذلك أن لا إسرائيل ولا حتى الولايات المتحدة  تملك إجابات أو رؤية عن  الإجابات الحاسمة عن سؤال ما بعد تحقق أهدافها فماذا بعد  إنهاء حكم حماس  ؟ وماذا  بعد استصئال حزب الله  ؟ وهل حقا أن الخارطة المشكلّة بعدهما ستخدم المشروع الإسرائيلي  والأميركي في المنطقة ، فإسرائيل قد تنهي حكم حماس وتضعف حزب الله  باستخدام القوة عسكرية والروافع الداخلية والإقليمية والدولية المساندة  ، ولكنها بالقطع ستغامر بخسارة التسوية والهدوء واستقرار المنطقة ككل ، والتاريخ يعلّمنا أن المقاومة المستضعفة  سرعان  ما ستجد الظروف والمناصرين لاسترجاع قوتها وإعادة الكرة من جديد .. فما بالكم بمقاومة عقدية ؟  في ظل كل ذلك على ماذا تراهن إسرائيل؟!  والى أين تذهب إسرائيل؟! .

السيناريوهات
يحمل المستقبل ثلاث سيناريوهات لكل منها قدراً من الإمكانية المتفاوتة
سيناريو الحرب ( الفوضى ) وهو الذي يفترض توسع نطاق الضربات المتبادلة ليشمل سوريا وإيران ولبنان وفلسطين ، ولكن هذا السيناريو مخاطره كبيرة جدا وعواقبه لن تحتملها إسرائيل فضلا عن الولايات المتحدة  لأنه يهدد مستقبلها في المنطقة م ويضعف مشروعها في العراق ويقامر باستقرار الأنظمة الحليفة لها ، ولذا لا نرى أن لهذا السيناريو وزناً كبيراً ، لان مصالح جميع الأطراف لا تريد الوصول إليه كما أن الدول الكبرى لا تساند الولايات المتحدة في الوصول إليه  لتعارض مصالحها هي الأخرى معه ، ناهيك عن ضعف شعبية  " بوش" إلى أدنى مستوى وترنح حليفه " بلير " تحت سطوة الفضائح .
سيناريو اللاحرب واللاستقرار  ( التأرجح ) وهذا السيناريو قد يقود يوماً إلى الحرب أو قد يوماً إلى الاستقرار ، وهو سيناريو يفترض عدم اعتراف إسرائيل بواقع الردع الذي يمتلكه حزب الله ، وعدم اعتراف حزب الله بواقع الاستقطاب اللبناني المتناقض حول المقاومة وجدواها ، وهذا سيبقى حالة المواجهة في وتيرة تعلو تارة وتنخفض تارة أخرى  ، ولكن هذا السيناريو مشكوك فيه أيضا  لان الساحة الإقليمية و لا حتى الدولية تقوى على سيناريو يشعل الجبهة اللبنانية ، وهو بالذات يناقض الرغبة الأميركية ولا تقوى عليه الجبهة الداخلية الإسرائيلية وسيخلق انقساما حادا في الساحة اللبنانية مع ارتفاع وتيرة المقاومة  .
سيناريو الاستقرار ( التوازن) وهو الذي يفترض توصل الأطراف إما إلى المعادلة القديمة حيث هناك تفاهم غير مباشر على حدود المقاومة وسقف العدوان ضمن توازن الرعب  السابق، أو ينتهي الأمر إلى توازن جديد تتوقف بجانبه صواريخ المقاومة قبالة توقف شكل من أشكال العدوان ، وهذا السيناريو البعيد عن طموح إسرائيل والقريب من آمال المقاومة لا يبدو بعيداً خاصة إذا أنجزت المقاومة صفقة مع إسرائيلي حول جنودها المختطفين ، ولعلنا نلمس في التاريخ الإسرائيلي ما يؤيد مثل هذه الصفقات ، كما أن التصريحات الإسرائيلية السرية والعلنية تتضمن ذلك على الأقل في قضية " جلعاد  " المأسور لدى حماس  ، وهم سيصلون لذات الاستنتاج في لبنان بعد انتهاء بنك الأهداف المعدة للضرب وتأكدهم أن لا جدوى من المراهنة على استئصال حزب الله كونه يملك قاعدة شعبية لايمكن لصناعة السياسة اللبنانية أن تغيبها ، ويزيد من قوة هذا السيناريو محدودية الأهداف الإسرائيلية وإمكانية قبول الأغلبية الحاكمة في لبنان لنشر هش للجيش اللبناني مع انسحاب إسرائيلي عن معظم الأراضي التي بقيت محتلة وإفراج عن الأسرى اللبنانيين .

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026