خيارات إسرائيل في مواجهة المقاومة الإسلامية في لبنان..

خيارات إسرائيل في مواجهة المقاومة الإسلامية في لبنان..

أحمد الحيلة
2006-07-18

أثبتت الأيام الماضية أن المقاومة الإسلامية في لبنان الجناح العسكري لحزب الله ما زالت قادرة على الإمساك بمعادلة توازن الرعب مع الاحتلال فقبول الحزب على لسان أمينه العام السيد حسن…

أثبتت الأيام الماضية أن المقاومة الإسلامية في لبنان (الجناح العسكري لحزب الله)، ما زالت قادرة على الإمساك بمعادلة توازن الرعب مع الاحتلال.

فقبول الحزب على لسان أمينه العام السيد حسن نصر الله التحدي، والذهاب إلى الحرب المفتوحة التي أرادها الاحتلال الإسرائيلي، ومن ثم استهداف مدينة حيفا المحتلة كما وعدّ ذلك رداً على الاعتداء على بيروت، ومن قبل مفاجأته الجميع بقصف البارجة الحربية الإسرائيلية من طراز (ساعر 5) قبالة شواطئ بيروت وإعطابها كأول مفاجأة في سلسلة المفاجآت التي وعد بها نصر الله في خطابه، إشارة قوية على أن الحزب لديه القدرة على المحافظة على توازن الرعب الذي دفع قرابة مليون إسرائيلي وأكثر إلى النزول إلى الملاجئ على مدار ليلتين متواصلتين، وقد تحمل الأيام القادمة ما هو أعظم..

هذه القدرة التي شاهدناه لدى حزب الله، بلا شك تمثل مأزقاًً جدياً للاحتلال الإسرائيلي الذي خرج بكل ما أوتي من قوة، وفي حرب مفتوحة، لاستعادة الهيبة المفقودة لجيشه الذي تمرغ أنفه في التراب بعد عمليتي الوهم المتبدد، والوعد الصادق لحركتي حماس، وحزب الله.

أهداف العدوان على لبنان

ردة الفعل الإسرائيلية السريعة والمباشرة إثر أسر جنودها على يد المقاومة الإسلامية في لبنان، إضافة لما حملته الأيام الماضية من تصعيد متبادل، دل على أن القيادة الإسرائيلية لم تكن قد أعدت واستعدت لكل الاحتمالات، ولم تكن قد بلورت بشكل جدي ودقيق لأهدافها التي خرجت من أجلها، سوى أنها اندفعت وراء غريزة الانتقام وبعنف تفريغاً، لشحنات غضبها على البنى التحتية واستهداف المدنيين، ومن ثم تدمير مقرات حزب الله الرمزية الفارغة من المسؤولين والمقاومين.

هذا الارتباك الإسرائيلي، دفع ايهود أولمرت ووزير دفاعه عمير بيرتس القادمين من أوساط مدنية غير عسكرية إلى تقييد نفسيهما، وتقييد الكيان الإسرائيلي بمجموعة من الأهداف المعقدة والتي تجسدت بالمطالب التالية

1. إعادة الجنديين الأسيرين إلى إسرائيل دون مقابل.

2. نشر الجيش اللبناني وفرض سيطرته على منطقة الجنوب، التي يتوجد فيها نشطاء المقاومة الإسلامية.

3. نزع سلاح حزب الله "تطبيقاً" للقرار 1559 المثير للجدل، والذي لا يلقى إجماعاً لبنانياً جهة تفسيره بخصوص المقاومة الإسلامية الجناح العسكري لحزب الله.

4. إضافة إلى تلك الأهداف المعلنة هناك هدفان غير معلنين من قبل الاحتلال وهما

· استعادة قدرة الردع والهيبة لجيش الاحتلال.

· الانتقام من المقاومة والشعب اللبناني الذي هزم إسرائيل في جنوب لبنان.

بالنظر إلى تلك الأهداف أو المطالب، نجد أنه من الصعوبة إن لم يكن من المستحيل تحقيقها بهذه السرعة ومن خلال جولة عسكرية مغامرة، ـ ضغَطَ باتجاهها قادة الجيش الإسرائيلي المتحفز للمواجهة ـ، ويعود ذلك لعدة أسباب منها

أولاً أن حزب الله قوة تنظيمية صلبة، ويمتلك قدرة عسكرية صاروخية قوية نسبياً قادرة على إيقاع الأذى ونشر الرعب بوصولها إلى عمق إسرائيل حتى تل أبيب وأبعد من ذلك حسب بعض المصادر الإسرائيلية، إضافة إلى أن المقاومة متمرسة وقادرة على مواجهة أي اجتياح إسرائيلي بري قد يفكر فيه العدو، وهذا ما أثبتته تجربة الشريط الأمني الجنوبي خلال 20سنة الماضية التي اضطر بعدها الصهاينة للانسحاب مدحورين في 25أيار 2000

ثانياً المقاومة تلقى تأييداً متزايداً في أوساط اللبنانيين، خاصة بعد انكشاف نوايا الاحتلال في الانتقام من الشعب اللبناني الذي أذاقه طعم الهزيمة. وهنا نذكر بموقف الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي دعا اللبنانيين للوحدة في مواجهة العدوان الإسرائيلي، وموقف الجماعة الإسلامية (السنية)، وحركة أمل (الشيعية) الداعمتين للمقاومة إلى حد الرغبة في المشاركة، ومن ثم موقف زعيم التيار الوطني الحر (المسيحي) الذي حمّل إسرائيل المسؤولية، إضافة إلى الحكومة والنائب سعد الحريري الذي حمّل إسرائيل وحدها المسؤولية، هذا ناهيك عن موقف رئيس الجمهورية الداعم للمقاومة.

إذن يمكن القول أن الجبهة الداخلية اللبنانية التي يسعى الاحتلال لشقها والتلاعب على تناقضاتها الطائفية والسياسية، ذاهبة باتجاه الصمود والتوحد حول المقاومة، وهذا تعزيز لصمود المقاومة وقدرتها على الاستمرار والتصدي للعدوان.

في المقابل نتساءل هل يمكن لدولة إسرائيل وتحديداً جمهورها الذي تعوّد على الأمن والأمان والرفاهية على حساب أمن الفلسطينيين واللبنانيين والعرب أن يصمد أمام رعب صواريخ المقاومة، وأن يتأقلم على العيش داخل الملاجئ لعدة أسابيع أو أشهر قادمة؟؟

ثالثاً الاحتلال الإسرائيلي سيواجه خلال الأيام القادمة انحساراً في الأهداف المدنية التي يمكن له أن يستهدفها للضغط على اللبنانيين، وذلك بعد أن دمر خلال أيام معدودة معظم الطرق والجسور والموانئ البحرية، والمطار، ومقار حزب الله السياسية والإعلامية. أما فيما يتعلق بحصار لبنان براً وجواً وبحراً فذلك يمكن اختراقه عبر الأراضي السورية.

ومن هنا ستنكشف حقيقة المشهد قوة إسرائيلية عاتية عاجزة على النيل من المقاومة ورجالها "الأشباح". يقابلها قدرة المقاومة على تهديد استقرار الكيان المحتل ونشر الرعب في نفوس الإسرائيليين.

خيارات الاحتلال الإسرائيلي

أمام تلك الحقيقة، هل يمكن للاحتلال الإسرائيلي أن يسلّم بهذه المعادلة، ومن ثم يسلّم بفشله العسكري أمام المقاومة؟

وما هو الموقف الذي ستتخذه إسرائيل للخروج من مأزقها الذي تعيشه الآن والذي قد يتعقد لاحقاً؟

في تقديرنا أن أمام الاحتلال خيارات محدودة أهمها

الخيار الأول استمرار القصف الإسرائيلي والتدمير حتى هزيمة المقاومة، ومن ثم استرجاع الجنديين الإسرائيليين.

وهذا سيناريو ضعيف التحقق، لأنه يحول دونه الأسباب الثلاث التي ذكرناها سابقاً، إضافة إلى أن سوريا وإيران أطراف معنية لا تقبل ولا تسلم بهزيمة المقاومة الإسلامية في لبنان، التي تعد مصدر قوة ومنعة في وجه الاحتلال الإسرائيلي.

الخيار الثاني أن يقبل الاحتلال وحزب الله بوقف إطلاق النار المتبادل، ومن ثم يصار إلى التفاوض عبر الوسطاء لتهدئة الجبهة وعودة الأطراف إلى الوضع السابق، إضافة إلى البحث في صفقة التبادل لاستعادة الجنديين مقابل إطلاق سراح الأسرى في سجون الاحتلال.

هذا السيناريو يعد مخرجاً للجميع من الأزمة، حيث إن إسرائيل ستعتبر نفسها قد انتقمت من خلال الدمار المادي، وقتل وإصابة عدد كبير من المدنيين اللبنانيين كثمن وكلفة إقدام المقاومة على أسر جنودها، ومن ثم قد استعادت جنودها بعد عملية تبادل مع حزب الله.

ولكن هذا الخيار على وجاهته إلا أنه استراتيجياً يعد نصراً للمقاومة التي أثبتت مناعتها وقدرتها على الإيقاع بالاحتلال ومواجهته وإرغامه أخيراً على التفاوض حول الجنود، وهذا ما سيضفي المزيد من الشرعية على المقاومة وسلاحها.

نجاح هذا السيناريو مرهون بممارسة واشنطن الضغط على إسرائيل لكبح جماحها، وتدخل المجتمع الدولي لتهدئة الأطراف، والوساطة، وهذا أمر مشكوكٌ فيه الآن.

الخيار الثالث استمرار الاحتلال في القصف على لبنان، فإن لم تتراجع المقاومة عن خيارها اليتيم والوحيد في الصمود والمواجهة، فإن إسرائيل قد تلجأ لتوسيع عدوانها ليطال الأراضي السورية، ظناً منها أن المفتاح وعقدة الحل في دمشق، وأنها باستهداف سوريا تخلق حالة من الضغط قادرة على وقف المقاومة في لبنان.

هذا السيناريو متوقع، ويمكن حدوثه، وهناك مجموعة من العوامل التي تجذب الاحتلال له، ومن هذه العوامل

· ضعف وعجز وانشقاق الصف العربي، وإقدام بعض الدول العربية (السعودية، مصر، الأردن..) على تحميل حزب الله ـ وإن بشكل غير مباشر ـ مسؤولية ما يحدث في لبنان. الأمر الذي أغرى الاحتلال، وشجعه على ارتكاب المزيد من المجازر والحماقات بحق الشعب اللبناني، وكأنه في حالة دفاع عن النفس.

· وقوف الولايات المتحدة مع إسرائيل في عدوانها، ودفاع بوش المتكرر عن "حق" إسرائيل في قصف لبنان، معتبراً ذلك دفاعاً عن النفس، في الوقت الذي حمّل فيه المسؤولية بالكامل لحزب الله، متجاهلاً استمرار الاحتلال للأراضي اللبنانية، واحتجازه لعدد من الأسرى اللبنانيين ناهيك عن آلاف الأسرى الفلسطينيين. وهذا للأسف ما تساوقت معه روسيا إلى حد ما من خلال المؤتمر الصحفي المشترك الذي جمع بوش وبوتن في الخامس عشر من هذا الشهر (تموز) بداية انعقاد قمة الثماني الكبار. ويأتي هذا وسط صمت أوروبي، إلا من بعض الأصوات الخجولة التي تصدر من باريس وروما. أي أن إسرائيل ما زالت تلقى الغطاء الدولي على ما تقوم به من تدمير ومجازر في لبنان.

· انتشار الجيش الأمريكي في العراق والخليج، يتيح لواشنطن التصدي لأي محاولة تدخّل من طرف إيران لمساعدة ومساندة سوريا في حال تعرضها لعدوان إسرائيلي، وذلك بهدف عزل سوريا وتطويها، وإطلاق يد الطيران الحربي الإسرائيلي لإلحاق الأذى بالمدنيين والبنى التحتية السورية كما في لبنان. وبالتالي قد يسعى الاحتلال بموافقة ومشاركة الولايات المتحدة في محاولة استهداف آخر القلاع العربية (سوريا).

لا شك أن إسرائيل من خلال هذا السيناريو ـ إن وقع لا سمح الله ـ ترغب في تحقيق رزمة من الأهداف، أهمها القضاء على المقاومة في فلسطين، وفي لبنان بعد الاستفراد بهما، عقب كشف الغطاء والمظلة السياسية السورية الوحيدة التي ما زالت تقف إلى جانب الفلسطينيين واللبنانيين في مقاومتهم، ومطالبتهم باسترداد حقوقهم الوطنية، علاوة على أن سوريا ما زالت تشكل مانعاً قومياً في وجه التمدد الصهيوني في العمق العربي الضعيف.

لا شك أن هذا السيناريو يعد مغامرة عسكرية، لا يعلم أحد عقباها، خاصة وأن سوريا أعلنت بلغة حازمة أنها سترد بقوة على أي اعتداء يطال أراضيها، إضافة لتأكيد إيران على لسان مسؤوليها أنها ستقف على جانب سوريا إذا تعرضت لأي اعتداء إسرائيلي.

فهل إذا غامرت إسرائيل، فسيكتب لها النجاح؟ أم أنها ستغرق في وحل المنطقة العربية؟ وستوقع نفسها في شرك يصعب عليها التخلص منه خاصة وأن المنطقة العربية تعيش حالة غليان شعبي؟

أحداث الأيام القادمة ستكشف المزيد من حقائق وبواطن الأمور، ولكن الزمن لا يرحم ولا ينتظر أحداً، فهل الهز العنيف الذي يقع اليوم في المنطقة كفيل بأن يفيق أمة نامت لزمن طويل؟!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026