العدوانية الإسرائيلية وضرورة عزلها

العدوانية الإسرائيلية وضرورة عزلها

منير شفيق
2006-07-10

أثبتت التجربة الفلسطينية طوال تاريخها أن إراقة الدم الفلسطيني على يد الجيش الإسرائيلي وأن المواجهات كالتي تحدث الآن في قطاع غزة وفي الضفة الغربية وبين الجيش الإسرائيلي والشعب…

أثبتت التجربة الفلسطينية طوال تاريخها أن إراقة الدم الفلسطيني على يد الجيش الإسرائيلي، وأن المواجهات كالتي تحدث الآن في قطاع غزة وفي الضفة الغربية وبين الجيش الإسرائيلي والشعب الفلسطيني هي وحدها التي تفرض على الدول الكبرى، عدا أمريكا أن تغير من لهجتها وتخفف من انحيازها للدولة العبرية، وتفكر، ولو بلا تنفيذ، في ضرورة إنهاء الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.

نعم لولا الأحداث الأخيرة في قطاع غزة خصوصاً، لما قال توني بلير رئيس الوزراء البريطاني إن الغرب «سيدفع ثمناً باهظاً للعالم الإسلامي إذا أخفق الزعماء الغربيون في التوصل إلى حل للنزاع الفلسطيني- الإسرائيلي»، ثم حذر ما يسمى المجتمع الدولي «يقصد الدول الكبرى الخمس في مجلس الأمن» أن ما يجري مروع وفظيع، وقد اعترف قائلاً «إنني اعتقد بأننا لم نفعل ما فيه الكفاية لحل الأزمة بمجملها»، مضيفاً «ليس ثمة قضية أخرى ينبغي معالجتها أكثر من النزاع العربي- الإسرائيلي».

طبعاً هذا الكلام للاستهلاك الآني، أو الظرفي، تحت وطأة السياسات الإسرائيلية العدوانية التي تهدد بتدمير قطاع غزة، أي هو محاولة لامتصاص النقمة الآخذة بالتوسع إزاء ما تقوم به حكومة أولمرت في فلسطين، وليست «نقداً» ذاتياً حقيقياً، ولا اعترافاً بالخطأ، ورسماً لاستراتيجية مستقبلية يقترحها بلير على الغرب.

إنها، وللمرة الثانية، محاولة لامتصاص ما راح يمرر داخل الرأي العام البريطاني والأوروبي من رفض لما تقوم به الدولة العبرية واعتبارها أخطر دولة في العالم على الأمن والسلام تليها الولايات المتحدة الأمريكية.

هذا الرأي العام الأوروبي حين كشف استطلاع من قبل الاتحاد الأوروبي للرأي العام، داخل أوروبا بأن 59% منه يعتبر "إسرائيل" أخطر دولة على الأمن والسلام في العالم، وتليها الإدارة الأمريكية، هو الذي أجبر، إلى جانب الفشل في إخضاع الشعب الفلسطيني، شارون على الانسحاب وتفكيك المستوطنات من قطاع غزة، وذلك في أجل إنهاء معادلة المواجهات مع الانتفاضة والمقاومة والشعب الفلسطيني.

كثيرون يتعاملون مع الصراع في فلسطين حين يصل إلى مستوى المواجهات، انطلاقاً من حسابات موازين القوى العسكرية بين الشعب الفلسطيني والجيش الإسرائيلي ويضيفون التأييد الأمريكي لكل ما تعمله الحكومة الإسرائيلية وجيشها، لكن هؤلاء لم يلحظوا أثر تلك المعادلة في الموقف العربي والإسلامي وفي الرأي العام العالمي.

إن ما يجب إدراكه هو أن الموقف العربي الشعبي والرسمي والرأي العام العالمي خصوصاً الأوروبي- الأمريكي شديدا الضغط على الدولة العبرية سواء أجاء الضغط من الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية أم جاء من الجاليات اليهودية في تلك البلدان، وذلك حين يشتد عليها الحرج في مواجهة نقد الرأي العام للسياسات الإسرائيلية والتي تكشف طبيعتها الاحتلالية والوحشية والمفرطة في استخدام العنف ضد شعب أعزل من السلاح في المواجهات.

هذه الضغوط تتلاشى عندما تسود التهدئة، أو عندما تتحرك المفاوضات أو تهم أن تفعل ذلك لماذا؟ لأن هناك من ينسون الظلم الفادح الواقع على الشعب الفلسطيني، مقابل ممالأة الحركة الصهيونية إن كانوا من سياسيي الغرب، أو مقابل عدم إغضاب الموقف الأمريكي إن كانوا من سياسيي الفلسطينيين والعرب والمسلمين، أو يريدون أن يحركوا التسوية (التي لا تتحرك بالممالأة عالمياً أو بعدم إغضاب أمريكا ومسايرتها).

وبهذا يكون الدم الفلسطيني وما يتعرض له الشعب من حصار ودمار هما ثمن التذكر بأن ثمة شعباً تحت الاحتلال ووطناً يضيع مع توسيع المستوطنات أو وراء ما يقام من جدار، وهو ما يشهد عليه تصريح توني بلير بالرغم من كل ما يحمله من مراوغة امتصاصية داخلياً في بريطانيا (الرأي العام غاضب) وعربياً وإسلامياً (حساب تداعيات ما يحدث من تراكم للغضب الشعبي).

على أن توني بلير الذي تجنب استنكار أو شجب، أو حتى الإشارة إلى جرائم الجيش الإسرائيلي اليومية ضد الناس العاديين، ودعك من الاغتيالات الموجهة، وجد من يكمل تصريحه، عن غير رضا منه، عبر البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية السويسرية، فقد جاء في بيان الخارجية السويسرية، «إن عدداً من ممارسات قوات جيش الدفاع الإسرائيلي خلال هجومها على قطاع غزة تنتهك مبدأ التناسب» وينظر إليها على أنها أشكال من العقاب الجماعي وهو محظور، وأضاف البيان أن "إسرائيل" «لم تتخذ الاحتياطات اللازمة المطلوبة منها بموجب القانون الدولي لحماية السكان المدنيين والبنية التحتية»، هذا ولم يجد البيان «ما يبرر» مثلاً «تدمير محطة كهرباء توفر 43% من كهرباء قطاع غزة، والهجوم على مكتب رئيس الوزراء إسماعيل هنية والاعتقالات التعسفية لأعداد كبيرة من أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين انتخاباً ديمقراطياً».

كشف البيان السويسري ثلاث حقائق في الوضع العربي والدولي، بصورة غير مباشرة، الأولى هزال المواقف الرسمية عربياً وإسلامياً ودولياً حين لم تصل إلى حد إبراز انتهاك مبدأ التناسب بين الفعل ورد الفعل واعتبار العقوبات الجماعية محظورة في القانون الدولي، وما شابه، وإذا جئنا إلى بعض المسؤولين العرب وكيف تصرفوا، ويتصرفون إزاء ما يحدث فقد شكل البيان السويسري ففضيحة للواقفين على الحياء أو لمتبعي سياسة الوساطة بدلاً من أن يكونوا طرفاً إلى جانب الشعب الفلسطيني.

والثانية، اتهمت الخارجية الإسرائيلية، بكل وقاحة الخارجية السويسرية بالعداء للسامية بسبب هذا البيان، مما يكشف أن العالم الغربي واقع تحت الابتزاز الذي لا مثيل له، وذلك حين يدخل أي نقد للسياسات الإسرائيلية في إطار العداء للسامية، فأين «العداء للسامية» حين يقال إن الجيش الإسرائيلي يخالف القانون الدولي أو حين يوقع العقاب الجماعي على المدنيين الفلسطينيين؟

والحقيقة الثالثة وهي سؤال هل كان من الممكن أن تتصرف الحكومة الإسرائيلية على الصورة التي تتصرف بها أو يفعل جيشها ما يفعله لو كانت هناك حملة شجب رسمية عالمية أو كان هناك موقف عربي وإسلامي رسمي حقيقي إلى جانب الشعب الفلسطيني بدلاً من الحياد والتوسط أو عبارات الاحتجاج الخجولة؟

وأخيراً وليس آخراً، أين الأصوات التي تحتج على تهديد خالد مشعل في اغتياله في دمشق، وهو إرهاب معلن، واعتداء على سيادة سوريا، وتحد مهين للعرب والمسلمين، بل إنه الإعلان أنكم مستباحون وبلادكم مستباحة.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026