ليس قولا مبكرا ولا تنبؤا بما قد يحدث في ظهر الغيب ولكنه استقراء لوقائع سياسية ولتطورات أمنية وعسكرية ليس تفاؤلا أكثر من اللازم وليس كلاما عاطفيا قد يعاب عليه الباحث الموضوعي الذي…
ليس قولا مبكرا، ولا تنبؤا بما قد يحدث في ظهر الغيب، ولكنه استقراء لوقائع سياسية، ولتطورات أمنية وعسكرية، ليس تفاؤلا أكثر من اللازم، وليس كلاما عاطفيا قد يعاب عليه الباحث الموضوعي الذي يجب عليه التجرد من أحاسيسه ومشاعره ليقدم لقرائه قراءة علمية "واقعية" تأخذ بعين الاعتبار موازين القوى السائدة، وتغلب الإسرائيلي على الفلسطيني، واستحالة انتصار الكف على المخرز، ولكنها كما قلت خلاصة أحداث عشناها جميعا خلال الأيام الماضية منذ تنفيذ عملية الوهم المبدد وما أسفرت عنه من قتل لجنود الاحتلال وأسر جندي آخر، أرادت له يد القدر أن يحل ضيفا على رجال المقاومة الذين أضحوا ضيوفا أبديين لدى بنادقهم وفي خنادقهم!!
إذن، من أين استقيت هذا الاستنتاج المبكر من أن صفقة الجندي الإسرائيلي الأسير ناجحة سلفا حتى قبل أن يبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وقبل أن يعلن المفاوضون توصلهم إلى النتائج النهائية؟
أولا منذ اللحظة التي تمكن فيها المقاومون من تنفيذ عمليتهم في قلب الموقع العسكري الإسرائيلي في كرم أبو سالم وقتل وجرح عدد من جنود الاحتلال، وتمكنهم من اقتياد أحد الجنود حيا يرزق على أقدامهم إلى داخل قواعدهم بأعصاب هادئة أثارت أعصاب جنرالات إسرائيل... كانت الصفقة رابحة وإسرائيل خاسرة!
ثانيا احتفاظ المقاومين بهذا الجندي حيا يرزق طوال أكثر من عشرة أيام بلياليها في بقعة جغرافية لا يتجاوز طولها أربعين كيلو مترا، فيما الاحتلال يمتلك أقوى أجهزة المراقبة وأدوات التنصت وطائرات الاستطلاع، ويعجز عن تحديد مكان جنديه الأسير ...اعتبرت الصفقة ناجحة وإسرائيل فاشلة!
ثالثا أن تدير المقاومة مع الاحتلال حرب أعصاب حقيقية منذ اليوم الأول، من خلال الشح المقصود بالمعلومات وتوتير نفوس قادة الجيش الإسرائيلي، فيما تبدي حكومتهم تعطشا مذلا لأي معلومة مهما كانت صغيرة... كانت الصفقة صائبة وإسرائيل خائبة!
رابعا في الوقت الذي عودتنا فيه إسرائيل أن تطلق التهديدات والإنذارات، فيما نحن الفلسطينيون علينا الاستجابة لها والخنوع لتهديدها والتراجع في اللحظة الأخيرة، تتألق المقاومة وتؤدي الدور المتوقع منها وهي تطلق إنذاراتها وتمهل الجيش الذي أذاق العرب والفلسطينيين كؤوس الذل والهوان ساعات قليلة..اعتبرت الصفقة فائزة وإسرائيل صاغرة!
خامسا أن تنجح المقاومة في توحيد الفلسطينيين، كل الفلسطينيين، ساسة ومقاومين، رئاسة وحكومة، لمواجهة العدوان الإسرائيلي الدائر والمتوقع على غزة والضفة، ومشاهدة المقاومين كتفا بكتف على قلب رجل واحد يعدون العدة ويتأهبون لصد الاجتياح ...تؤكد أن الصفقة أدت ما عليها.
سادسا أن تتمكن المقاومة من الدخول إلى قلب ساحة العدو وإحداث هذه الاختلافات العلنية بين أركان المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، بحيث يتبادل الجنرالات والوزراء الاتهامات حول التقصير الذي مكن الفلسطينيين من تنفيذ عمليتهم تلك.. هذا ظفر للمقاومة يكفيها...
سابعا أن تستنفر المقاومة كل الجهود الدبلوماسية والتفاوضية، سواء كان ذلك الأطراف العربية أو الدولية، التي أجرت وتجري اتصالاتها وقممها الطارئة لإخراج المنطقة من اشتعال تبدو في الأفق بوادره من خلال أمطار الصيف الإسرائيلية، التي سبق وأن بددت أوهامها العملية الفدائية ... هذا بحد ذاته إنجاز للمقاومة وهي تؤكد للعالم أجمع أن سر الاستقرار والتوتر في جميع أرجائه مكمنه في هذه البلاد، وسببه هذا الاحتلال وليس أي شيء آخر..
والآن.. في وسط الضجيج الذي تحدثه طائرات سلاح الجو الإسرائيلي، فلنكن على ثقة أن إسرائيل تجري مفاوضاتها ولو عبر طرف ثالث، لإخراجها من هذا الوحل الذي وقعت فيه بأقل قدر ممكن من الخسائر، ولن تتحمل مزيدا من الجروح التي أثخنتها لأن جسدها هزيل مهما تبدى لنا قوة جبروتها الحربي وعتادها العسكري، بعد أن استطاع رجال المقاومة وبجهود ذاتية متواضعة أن يمرغوا أنوف جنرالاتها في وحل غزة التي مات رابين وغيره من ساسة إسرائيل قبل أن يروا مشهد غرقها في البحر...
ولذلك مهما كانت النتائج التي ستسفر عنها صفقة الجندي الأسير، فهي صفقة رابحة وناجحة وفائزة وصائبة للاعتبارات التي ذكرناها..