مرت علينا ذكرى توقيع اتفاقية أوسلو في وذكرى انسحاب آخر جندي صهيوني من غزة في وبينما يدور النقاش حول جدوى المقاومة والمفاوضات ذهب البعض إلى أنه لا المقاومة ولا المفاوضات حققت لنا…
مرت علينا ذكرى توقيع اتفاقية أوسلو في 13/9/1993 وذكرى انسحاب آخر جندي صهيوني من غزة في 12/9/2005.
وبينما يدور النقاش حول جدوى المقاومة والمفاوضات، ذهب البعض إلى أنه لا المقاومة ولا المفاوضات حققت لنا ما نريد، وهذا صحيح لو تكلمنا على مستوى الهدف النهائي؛ أي تحرير فلسطين.
لكن نحن نتكلم عن محطات على طريق التحرير، لأن حربنا مع المشروع الصهيوني الذي يتلقى دعم أمريكا المطلق ليست بالحرب التي يمكن حسمها في أسابيع أو أشهر أو سنوات قليلة.
استفدنا من اتفاقية أوسلو خروج الاحتلال من مراكز المدن وتخفيف حدة تدخله في حياتنا اليومية، لكن هذه أمور لم يكن بالإمكان تحقيقها لولا الانتفاضة الأولى.
الاحتلال لم يقدم تنازلات في أوسلو لولا أنه كان يبحث عن حل للانتفاضة التي كانت تستنزفه، وفي المقابل قدمت منظمة التحرير تنازلات كبيرة للاحتلال مقابل الوصول لاتفاق، وأخطرها كان تنازلها عن "المقاومة" وموافقتها على تصنيفها إرهاب.
أي أنها تنازلت عن السلاح الذي أجبر الاحتلال على تقديم تنازلات، ولهذا السبب دخلنا في دوامة المفاوضات العبثية.
أما الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة عام 2005م فجاء تحت ضغط المقاومة والاستنزاف المستمر في انتفاضة الأقصى، وفيما وافقت أوسلو على بقاء المستوطنات استطاعت المقاومة إجبار الاحتلال على تفكيك مستوطنات غزة و4 من مستوطنات الضفة.
لأول مرة منذ حرب النكبة استطعنا تحرير أرضٍ فلسطينية من سطوة المستوطنات، وهو تقدم كبير ومهم.
ولعل المعضلة التي تلتبس على أكثر الناس هو ما حصل بعد الانسحاب من غزة، ممثلًا بمشكلتين: حصار غزة والانقسام الفلسطيني.
أولًا: كما أسلفنا فحربنا هي عبارة عن محطات، إن نجحنا في محطة فهذا لا يعني الكثير ما لم نتقدم إلى محطة جديدة، لأن الاحتلال قد يشن علينا هجومًا مضادًا يؤدي لخسارة ما حققناه في البداية.
ومشكلة الانسحاب من غزة أننا لم نتقدم بعدها خطوة أخرى؛ أي أننا حررنا 2% من فلسطين ولم نعمل من أجل تحرير الـ 98% الباقية، مما أعطى الاحتلال الفرصة ليحاصر غزة ويستنزفها بشكل كبير.
ثانيًا: الاحتلال أرغم على الخروج من غزة لكن ميزان القوة لصالحه، وسواء خرج أم لم يخرج فنحن في معركة غير متكافئة، وأمامنا خيارين: إما الاستسلام وهذا يؤدي للموت البطيء أو المقاومة ودفع الثمن باهظًا لكن الانتصار ينتظرنا في النهاية.
حصار غزة هو ثمن متوقع لأن الاحتلال يريد تعويض خسارته وبيده أوراق القوة، وهو بلا أخلاق ولا ضمير.
فالنتيجة كانت أننا كسبنا محطة هامة على طريق التحرير، لكننا ندفع الثمن غاليًا، فإما أن نستسلم أو نستمر بدفع الثمن حتى نكسب محطات جديدة، ونحرر كامل فلسطين في نهاية المطاف.
ثالثًا: أما الانقسام فلم يكن نتيجة حتمية للانسحاب من غزة، لكن هو خيار السلطة التي رأت أن تنحاز للاحتلال في استمرار لخيارها في أوسلو، وهذا ما قاد لأحداث الانقسام والتي ارتكبت فيها أخطاء كثيرة من الجانبين.
وهذا أضاع بوصلتنا كشعب فلسطيني وبدلًا من التفكير بمقاومة الاحتلال دخلنا في دوامة صراعات داخلية.
وأخيرًا: مثلت أحداث مثل انتفاضة القدس ومسيرات العودة فرصًا لإعادة تصحيح المسار باتجاه تحرير فلسطين، ورغم إصرار السلطة على جرنا إلى صراعات داخلية نتيجة اصطفافها إلى جانب الاحتلال، فمن واجبنا تجاوز هذه الصراعات والتركيز على مقاومة الاحتلال.
كان ممكنًا المزاوجة بين المقاومة والعمل السياسي لإعطاء نتائج أفضل، لكن السلطة كان خيارها منذ نشأتها الاصطفاف إلى جانب الاحتلال.
أما المقاومة فهي الشرط الضروري لتحقيق أي إنجاز في مواجهة الاحتلال، ويجب أن نضع في بالنا أنه كلما حققنا إنجازًا فالاحتلال سيحاول الالتفاف عليه وإجهاضه، وهذا يعني أنه يجب علينا المقاومة بشكل دائم حتى لا نخسر ما كسبناه.