تتعرض الحكومة الفلسطينية هذه الأيام إلى سياط نقد لاذعة لم تتكئ إلى حق النقد المجرد المشمول بحرية الرأي والتعبير في إطار من المصداقية المهنية والقيم الموضوعية بل تجاوزتها إلى اجتراح…
*
تتعرض الحكومة الفلسطينية هذه الأيام إلى سياط نقد لاذعة، لم تتكئ إلى حقّ النقد المجرد المشمول بحرية الرأي والتعبير في إطار من المصداقية المهنية والقيم الموضوعية، بل تجاوزتها إلى اجتراح هجمات مباشرة ذات قصد معلوم وهدف مكشوف، تبغي النيل من الحكومة والإساءة إليها وتشويه برنامجها ومواقفها في عيون الجماهير التي انتخبتها، بعيدًا عن أي مسئولية وطنية أو محدد مهني أو رادع أخلاقي.
هجمة بلباس الحرية!
تصريحات وكتابات وتعليقات مختلفة غزت – ولا تزال- الساحة السياسية والإعلامية الفلسطينية، وألقت بحدّتها وقسوتها ومستوى إسفافها وفراغ مضامينها ظلالا بالغة السلبية على العلاقات الوطنية، وأسهمت – إلى حد كبير- في توتير الأجواء، ومضاعفة الاحتقانات، وسيادة لغة الاتهام والطعن والتشكيك بديلا عن لغة الحوار والتواصل والتفاهم المشترك.
يحاول البعض – زورا وتضليلا- الإيهام بأن الحكومة تنزع شيئا فشيئا إلى المنهج الشمولي في التعاطي مع الشأن الفلسطيني، وتقيّم موقفها من الجميع على أساس أن من ليس معي فهو ضدي، وأن صدرها لا يحتمل أشكال النقد المختلفة..الخ
ما لا يدركه هؤلاء المُدّعون أن الحكومة الحالية قد مارست الانفتاح بشكل فاق حدود تصور الكثيرين، ومنحت وسائل الإعلام وأدوات الرأي والتعبير حريات عزّ نظيرها في عهود الحكومات السابقة، ولسنا بحاجة إلى إيراد أية أمثلة أو بيّنات على تبني ورعاية الحكومة الحالية لقيم التعبير عن الرأي وممارسة الحريات الصحفية والإعلامية، مقارنة بأوقات سابقة لا داعي لسرد ما اكتوت به الحركة الصحفية والإعلامية والفكرية من عراقيل وقيود وصعوبات خلالها!
ولعل استقراء سريعا لبعض الوسائل والأدوات الإعلامية يكشف - بما لا يدع مجالا للشك- عن هذه الحقيقة المرّة، ويؤكد طبيعة الهجمة الإعلامية المنظمة التي تصب حممها تجاه الحكومة ومؤسساتها، وفتح نيران التشويه والتحريض بحقها بمعزل عن أي قيمة مهنية أو أخلاقية أو وطنية.
حول البرنامج السياسي..
يختزل المشهد السياسي الراهن تداخلات وتعقيدات شتى، كما مراهنات ومحاولات إفشال وتخريب للحكومة الجديدة التي حملت إلى الواقع الفلسطيني والعربي والدولي برنامجا سياسيا جديدا يرتفع سقفه كثيرا عن البرنامج السابق الذي لم يعد له سقف يحتمي به أو يحدد بوصلة خياراته واتجاهاته السياسية والوطنية.
الملاحظ أن أحدا من الخصوم السياسيين – بالمعنى السياسي التنافسي للكلمة- لم يمنح الحكومة الجديدة فرصة واحدة، بل إن معركة إفشال الحكومة والضغط عليها وإحراجها وتشويه توجهاتها لدى البعض قد بدأت مبكرة قبل استلامها مهامها رسميا، وكان واضحا أن رأس الحكومة بات مطلوبا لأكثر من طرف، محليا وإقليميا ودوليا، وأن الرهان على إسقاطها قد قطع شوطا بعيدا وتجاوز منعطفات متعددة في سياق جهد منظم وخطوات مدروسة.
من حقّ أيّ كان رفض البرنامج السياسي للحكومة في إطار القيم الموضوعية والوسائل الديمقراطية، لكن الاعتراض ذي الآليات الديمقراطية شيء، والاعتراض المشفوع بالآليات غير المشروعة شيء آخر.
في ثنايا معالجة الشأن السياسي الراهن ينبغي التأكيد على أن العقبات التي زُرعت – ولا تزال- في وجه الحكومة، ومحاولات التخريب والإفشال التي يمارسها البعض، تشكل مفردات طارئة على المشهد الفلسطيني الداخلي الذي لم يألف لونًا كهذا الاستقطاب ذي الآليات العنيفة من قبل، وأن أحلك الظروف التي مرت بها الحكومات السابقة لم تشهد مثل هذا التدهور المقصود في مضمار العلاقات الوطنية، ما يعزز كثيرا من الشكوك وعلامات التعجب والاستفهام التي تجتاح واقعنا الفلسطيني وساحتنا الداخلية.
يستطيع البعض أن يبرر ممارساته السياسية والميدانية في مواجهة الحكومة وبرنامجها بمبررات شتى، لكن المؤكد أن هذه المبررات تنافي حقائق الواقع، وتصطدم بالمنطق السياسي الرصين، وتؤشر إلى نوايا غير سوية إزاء قيم الشراكة والتعاون ومفاهيم الوحدة والتوافق الوطني.
لا يمكن لأحد أن يجادل – بإنصاف- حيال قضيتي البرنامج السياسي والوضع الداخلي، فقد بات واضحا لكل ذي عينين أن البرنامج السياسي الآخر الذي هيمن على الساحة الفلسطينية أكثر من اثني عشر عاما قد فشل تماما، وأن أطروحاته وآلياته لاستعادة الحقوق الوطنية قد تحطمت صراحة دون مواربة على صخرة الصلف والإرهاب الإسرائيلي، ما يعني أن استنساخ البرنامج السابق الفاشل أو اعتماد ذات الآليات التي نهجها في إدارة الصراع مع المحتل سوف يودي بالقضية الوطنية إلى مهالك محتمة وتراجعات مطردة، ويضرب المكاسب والإنجازات التي تضمخت بالدم والألم والمعاناة عبر سني انتفاضة الأقصى الدامية في العمق والصميم.
ففي الشأن الداخلي جاءت الحكومة ببرنامج شامل متكامل، يبدأ من الإصلاح الأمني مرورا بالإصلاح الاجتماعي والاقتصادي وانتهاء بالإصلاح الإداري، وفق خطة زاحفة متدرجة تراعي خصوصية الواقع الفلسطيني وتعقيداته المعروفة.
ورغم سمو وعدالة هذا البرنامج فإن العراقيل قد تدافعت – بشكل سافر- في وجه تطبيقه منذ اللحظة الأولى، سياسيا وإعلاميا وإداريا وماليا وأمنيا، وبات واضحا أن قرارا قد اتخذ بإفشال هذا البرنامج وإعاقته بأي ثمن!!
تجلت مظاهر الإعاقة والإفشال في سلسلة التعيينات والترقيات الهائلة التي أعقبت الانتخابات، وتفريغ الخزينة من محتوياتها، وعدم التجاوب مع جهود ومخططات الوزراء حيث كانت الهياكل الإدارية شبه مغلقة، وشنّ حملة سياسية وإعلامية بالغة الحدة والشراسة ضد الحكومة وأدائها وبرنامجها السياسي، وتجاهل قرارات وتعليمات وزير الداخلية إزاء حماية أرواح ومصالح المواطنين وضبط الوضع الأمني، في ظل تكريس الأزمة الأمنية الميدانية، وتعظيم مظاهر الفلتان الأمني، ومحاولة تفجير الساحة الداخلية بممارسات عابثة تبغي الفتنة والصدام، وتنشد التخريب وخلط الأوراق وإرباك الوضع الداخلي.
في مواجهة هذه العراقيل والصعوبات اضطرت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات جراحية عاجلة على المستوى الأمني، عبر استحداث وتفعيل قوة المساندة التنفيذية في إطار جهاز الشرطة، لمواجهة حالات التعدي على القانون وقهر موجة الفلتان الأمني المنظمة، وإعادة الهدوء للشارع المتأزم، إلى جوار خطوات أخرى على المستوى السياسي من خلال الجولات الخارجية المكوكية التي تولاها بعض الوزراء، وأثمرت نتائج طيبة ومهمة على صعيد الإسناد المادي والسياسي، وتفعيل الجهود العربية والإسلامية في مواجهة الحصار الدولي المضروب.
حول المال السياسي..
لا يماري عاقل متزن أو باحث منصف في حقيقة المال الذي ضُخّ في مزاريب السلطة طيلة الأعوام الماضية، كونه مالا سياسيا بكل معنى الكلمة، يرتبط بقبول أجندة سياسية محددة واشتراطات خارجية واضحة، فهذه بديهية معروفة لا تقبل الفذلكة أو الجدل والتأويل.
ما يقال في نفي العلاقة العضوية بين المال والاشتراطات لا يستند إلى دليل، أو يقوى على الصمود في مواجهة الحقائق البديهية والمسلمات السياسية التي تتراءى أمام الفلسطينيين كالشمس في رابعة النهار.
يزعم البعض أن المال الممنوح للسلطة لم يرتبط يوما بجباية أثمان سياسية، وأن الحقوق والثوابت الوطنية باقية كما هي لم تتزعزع، ويسوقون في ذلك أمثلة متعددة أهمها مباحثات كامب ديفيد عام 2000 التي رفض فيها الرئيس الراحل ياسر عرفات – رحمه الله- التعاطي مع المقترحات الأمريكية والإسرائيلية وإنهاء ملف الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
يتناسى هؤلاء أن أول الفروق بين برنامج الحكومة الحالية والبرنامج الآخر الذي لم يكتب له النجاح الفاشل تمثل في التنازل طواعية عن حقنا الكامل في فلسطين التاريخية، وحصر الحقوق والثوابت الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 67 التي لا تتجاوز 22% من أرض فلسطين.
كما يتناسى هؤلاء أن البرنامج السياسي خاصتهم قد أخضع الحقوق والثوابت والقضايا المصيرية لمنطق الحوار والنقاش والتفاوض، والاستعداد لتبني حلول وسطية إزاءها، فيما يرفض البرنامج السياسي للحكومة الحالية أي مساس بالحقوق والثوابت رغم عدم ممانعته في تبني حل مرحلي لا يسقط أي حق أو ثابت كان، والتعامل الواقعي المسئول مع متطلبات اللحظة، والانخراط في صلب السياسة الإقليمية والدولية في إطار سياسة مرنة وذكية دون تنازلات.
ولا ريب أن الحكومة تدفع اليوم ثمن مواقفها إزاء قضايا الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وتمسكها الحقيقي بالحقوق والثوابت الوطنية بعيدا عن لغة المزايدة والشعارات التي أرهقت ساحتنا الوطنية طيلة الفترة الماضية، وأضحت المعادلة الدولية الراهنة تقايض الحكومة الفلسطينية بالمال السياسي لقاء التنازل والاستسلام، والرضوخ للمطالب والاشتراطات المعروفة التي لا يمكن للحكومة أن تقبلها بحال.
من هنا كان الحصار الغربي المضروب، وكان قطع المساعدات والمعونات، الذي بات يدرك – أكثر من أي وقت مضى- صلابة موقف الحكومة واستحالة انكفائها عن حقوق وثوابت شعبها، ولهذا أيضا بدأ الاتحاد الأوروبي في بحث سبل جديدة للالتفاف على الأزمة الراهنة، ومحاولة إيجاد آلية تمويل جديدة تكفل نقل المعونات والمساعدات الإنسانية تجنبا لأي انهيار في الواقع الصحي والخدماتي والإنساني.
يخطئ البعض حين يعتقد أن الاعتراف الإقليمي والدولي، وغيره، ببرنامج سياسي ما يشكل صكّ براءة وصواب لهذا البرنامج، فهل نرضى الدنية في وطننا وقضيتنا إذا أجمع أو توافق عليها معظم دول العالم؟! وهل يشكل الاعتراف الدولي معيار القبول والصلاحية لقضايانا الوطنية المصيرية؟! وهل تخضع الحقوق والثوابت لأمزجة وتقلبات ومصالح الدول الغربية أو غيرها، التي تمالئ المحتل الإسرائيلي على حساب الحق الفلسطيني الأبلج؟!
ليدرك هؤلاء أن حقوقنا وثوابتنا الوطنية أغلى من أن تقايَض بحفنة من الدولارات، أو تُرهن بابتزازات سياسية صارخة، وأن الشعارات والمواقف التي يرفعونها دفعا للحكومة وراء التساوق مع الضغوط الخارجية تسيء إليهم وتضعهم في قفص الاتهام أمام الجماهير الصابرة التي لا زالت تحتسب جوعها فداء لدينها ووطنها وقضيتها، وترفض الانزلاق في متاهات التظاهر الموجهة، وتصر على الوفاء لبرنامج التغيير والإصلاح الذي أعطته ثقتها وولاءها إبان الانتخابات التشريعية الأخيرة.
حول المقاومة..
ليس مفهوما سرّ إصرار البعض على امتشاق هذه الكلمة، كمجال للمزايدة والتشويه السياسي والخداع الوطني، رغم كونهم أشد المعارضين للمقاومة المسلحة طيلة العهد السلطوي الفائت!!
لربما غفل هؤلاء عن مفهوم المقاومة الواسع الشامل الذي ينتظم كافة مناحي الفعالية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وتجاهلوا منطق الأولويات الذي يتساوق بشكل كلي مع المصالح الوطنية العليا، وحال المدّ والجزر، والتهيئة والاستعداد الذي يميز المقاومة الفلسطينية بين فترة وأخرى، وأعموا عيونهم عن تقارير الاحتلال المختلفة التي تشير بأصبع الدقة إلى أهل الميدان والفعل المقاوم الذي لم يستثن أحدا رغم صعوبة الحال ووعورة الطريق.
يكفي فخرا أن مبدأ المقاومة قد اكتسى غطاء شرعيا وحلة دستورية في عهد الحكومة الحالية، ويكفي شرفا أن مقاوما أو مجاهدا لم ولن يغيب في غياهب السجون التي اكتظت سابقا بآلاف المجاهدين والمناضلين الشرفاء!!
حول الحوار الوطني..
لا شك أن وثيقة الوفاق الوطني التي صاغها قادة الأسرى في سجون الاحتلال تشكل أرضية خصبة لبرنامج وطني توافقي، وتكرس إمكانية تجاوز حالة الاستنكاف التي أبدتها القوى والفصائل الوطنية إزاء الانخراط في حكومة وحدة وطنية، إلا أنها – في المقابل- تحوي نقاطا خلافية محدودة تستلزم إثراء للبحث والنقاش حولها، وصولا إلى قواسم مشتركة تشكل مخرجا مناسبا لجميع الفرقاء.
ومع ذلك فإن الشك بدأ يتسلل إلى نفوسنا حيال رغبة أو دفع البعض باتجاه فشل الحوار، عبر الإصرار على حصر الحوار في نطاق جغرافي معين، وإطلاق تصريحات توتيرية مستفزة بين الحين والآخر، بموازاة التلويح بورقة الاستفتاء ليل نهار، وكأنّ الاستفتاء قد بات هدفا بحد ذاته، وأن صيرورة الأمور تدفع باتجاه إجرائه لأهداف ومصالح فئوية بحتة رغم افتقاده للأسس والمبررات القانونية والدستورية.
نأمل أن يتكلل الحوار بالنجاح، فما يجمعنا أكبر كثيرا مما يفرقنا، ونعتقد أن الفرصة سانحة - إذا صدقت النوايا وخلصت الجهود- لإبرام صيغة توافقية مشتركة، تجمع شمل الكلّ الوطني الفلسطيني، وتمهد الطريق نحو حكومة وحدة وطنية، يتقاسم فيها الجميع عبء ومسئوليات الواقع الراهن وتحدياته الخطيرة.
وختاما.. هل يدرك الجميع أن الوضع الراهن لا يحتمل المغامرة أو الخطوات غير المسئولة، وأن الحوار الجدي المشفوع بالجهد المخلص والنية الصادقة كفيل بإزاحة الهموم والغموم عن أجوائنا، وتوحيد رايتنا الوطنية تحت أهداف قادرة على حماية لحمتنا الفلسطينية واختراق الحصار وتفكيكه، وتفعيل قضايانا الوطنية في مواجهة الاستهداف الخارجي.
إن قضيتنا ليست مع الداخل الفلسطيني مهما حاول البعض استدراجنا لذلك، بل هي مع العدو الإسرائيلي الذي يتربص بنا ليل نهار.. وعلى هذا، يجب أن يتم ضبط إيقاعات بوصلة الأمن الفلسطيني.
* – المستشار السياسي لرئيس الوزراء الفلسطيني