بدءا من وصفه لعملية جهادية ب الحقيرة والاكتفاء بوصف الصاروخ الصهيوني الذي قتل الطفل الفلسطيني بسنواته الأربعة وأمه وجدته ب الأمر المؤسف ومرورا بطلبه التحقيق مع السيد سامي أبو…
بدءاً من وصفه لعملية جهادية بـ"الحقيرة" والاكتفاء بوصف الصاروخ الصهيوني الذي قتل الطفل الفلسطيني بسنواته الأربعة وأمه وجدته بـ"الأمر المؤسف"، ومروراً بطلبه التحقيق مع السيد سامي أبو زهري بتهمة تهريب مبلغ مالي متواضع ومخصص لأسر شهداء وأسرى في سجون العدو وانتهاء بدعوته الصريحة والشفافة إلى استفتاء الفلسطينيين على أن فلسطين أرضهم أو ليست أرضهم، وأنهم مع المقاومة في جهادها البطولي أو إلقاء السلاح والاعتراف بالعدو، وهل هم مع التحرير المرحلي أو الشامل لترابهم الوطني أو مع التنازل عن كل شبر فيه من القدس إلى الناصرة ومن الخليل إلى بيت لحم ومن حيفا إلى نابلس ومن يافا إلى غزة ومن اللد والرملة إلى جنين وطولكرم.
هذه المواقف الثلاثة تضع أي فلسطيني عربي وأي عربي وأي مسلم أمام فصل جديد في الصراع العربي - الصهيوني لم يمر على الشعب الفلسطيني وأمتيه العربية والإسلامية أخطر منه من أول مؤتمر صهيوني ومروراً بوعد بلفور وانتهاء بنكبة فلسطين ووصولاً إلى هذا العداء الأمريكي - الأوروبي على هذا البلد العربي أرضاً وخبز أطفال وحليبا ودواء مرضى وسقوف بيوت. وقضية خطيرة كقضية الاستفتاء لم تعد تحتمل الصبر أو المجاملة أو إعادة النقاط إلى الحروف، والإعلان بكل إيمان والتزام وشجاعة أن الخيارين المطروحين على الفلسطينيين مرفوضان، إذ لا خيار بين الاعتراف بالعدو والقبول بالتفريط وبين رفض هذا الاعتراف والإصرار على الجهاد والمقاومة.
لم تذكر لنا كتب التاريخ ولا صراع الشعوب والأمم من أجل كرامتها شيئاً مماثلاً لهذا الاستفتاء، ولا أدري ما الذي كان لدى الرئاسة الفلسطينية وقيادات فتح المحيطة بها وهي تفكر مثل هذا التفكير وتتوصل إلى دعوة لاستفتاء الفلسطينيين على وطنهم وعلى إسلامهم ومسيحيتهم وعروبتهم، وكلها مستهدفة من الصليبية الجديدة المعادية للإسلام وللمسيحية ومن الصهيونية الصليبية المتحالفة في خندق واحد ضد كل ما هو إسلامي أو عربي.
لقد وصف الرئيس محمود عباس العملية الجهادية في تل أبيب بالعمل الحقير، ووصف حجم الأسلحة التي أعلنت الحكومة عن إدخالها من قبل حماس إلى الأردن بالحجم المذهل والمخيف، ولا ندري ما إذا كان في وسع أي منصف أن يجد وصفاً يقترب من هذه الأوصاف ليطلقه على استفتاء لم تجرؤ الصهيونية ولم تجرؤ الولايات المتحدة ولم تجرؤ أوروبا على مجرد التفكير به، في ظل عشرات القرارات الدولية والبيانات السياسية التي لا تنكر الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ولكنها تقف واضعة العقبات أمام كل إمكانية لتنفيذ قرار واحد منها بدءاً من قرار التقسيم وشروط الجمعية العامة للأم المتحدة على اعترافها بالكيان الصهيوني مروراً بقرار العودة والقرارين (242) و(338)، و انتهاء بخارطة الطريق المرسومة على سفح رملي في صحراء الرفض العربية والإسلامية.
ونتساءل هل اقتراح الرئيس محمود عباس مجرد زلة لسان كما كان الأمر بالنسبة لوصفه الجهاد بالعمل الحقير؟ الأمر المؤكد أن الإجابة هي النفي، فما أن أعلن عن هذا الاستفتاء حتى ملأت قيادات فتح التي هزمها الشعب في الانتخابات التشريعية كل الشاشات الفضائية والأرضية وكل الصفحات الأولى من الصحف، معتبرة الأمر خروجاً عما تعتبره مأزق نجاح حماس ومأزق فشل فتح.
الأمر المؤسف هو هذا الصمت العربي المريب على اقتراح الاستفتاء الذي كان يفترض أن تتصدى له عواصم النظام العربي من المحيط إلى الخليج، وإذا كانت النتيجة المتوقعة لمثل هذا الاستفتاء أن تكون خروجاً على مألوف الاستفتاءات الرئاسية العربية، فإن 90% أو 80% أو 70% أو 51% صوتوا بالموافقة على أن الأراضي الفلسطينية المغتصبة عام 1948 هي أرض صهيونية وأن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 هي أرض إسرائيلية وأننا موافقون على القبول بأقل مما يعرضه العدو علينا وهو لا يعرض شيئاً، فهل يقول لنا أحد ما إذا كان سيفتح حدوده أمام ملايين الفلسطينيين الموجودين تحت الاغتصاب والاحتلال منذ عام 1948 وعام 1967 والادعاء بالقدرة على إغلاق الأبواب في وجوههم.؟
لقد بدأ الحوار الفلسطيني - الفلسطيني قبل أيام وكانت الكلمة الأولى هي هذا الحقل من الألغام الذي دفعت الرئاسة الفلسطينية الشعب الفلسطيني إلى دخوله تحت عنوان ديمقراطي مدان، إذ لا أحد يستفتى على عقيدته أو على انتمائه لوطنه، أو على أصغر حبة تراب في هذا الوطن أو على شهدائه أو على الدم الفلسطيني الطاهر الذي سال أنهاراً مباركة في اربع نواحي من فلسطين، ولو قدم استفتاء مثل هذا في الخمسينات والستينات وحتى في السبعينات لتداعى القادة العرب إلى قمة غاضبة، وقد تداعوا إلى قمة عاجلة وغاضبة بسبب سرقة ماء نهر الأردن، فكيف والمطلوب الان تسليم كل فلسطين للعدو والاقرار بأنه وطن اليهود التاريخي لهم فيه كل شبر من المسجد الأقصى إلى الحرم الإبراهيمي ومن كنيسة القيامة إلى كنيسة المهد.
اعترف بأن اقتراح الاستفتاء لم يبق ورقة واحدة غير مفتوحة أمام الشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية، وأن المسألة لم تعد فوز حماس وفشل فتح، وأن القضية لم تعد قضية أشخاص وقيادات وكوادر، بل باتت قضية وجود وطن أو إنكار وجوده، خاصة وأن الكثيرين قد اقتنعوا بأن هذه المؤامرة متعددة الأطراف على حركة المقاومة الإسلامية، لن تحقق هدفاً من أهدافها، وأن ظهور عضو في منظمة التحرير الفلسطينية وأعضاء من القيادات الأمنية يدعون واشنطن والعوالم الأوروبية إلى الوقوف معهم لإسقاط حكومة حماس بل وتصفية حركة حماس كلها، يضع أمامنا النموذج العراقي بكل تفاصيله وبكل الهزائم المتتالية على سجناء المنطقة الخضراء وسط الحراسة الأمريكية وبكل انكشاف الأوراق بعد عام واحد من الغزو والاحتلال.
تظل اسئلة يستطيع المراقب أن يقرأها على وجوه الناس وفوق شفاههم بل ويسمعها مدوية دون خوف؛ لماذا تركوا الصهيونية العنصرية وتعربشوا الإسلام السمح؟ ولماذا تركوا أولمرت وتعربشوا خالد مشعل؟ ولماذا أداروا ظهورهم للديمقراطية ووقفوا في الصف المعادي لديمقراطية البنادق؟ لماذا تركوا الموساد وتعربشوا القوة الأمنية التي شكلتها الحكومة لحماية المواطنين من القتلة واللصوص والمنحرفين؟ لماذا تركوا جيش الدفاع الصهيوني وإرهابه ومجازره وتعربشوا كتائب القسام وجهادها وإيمانها وطهارتها؟ وأخيراً لماذا تركوا الشعار الصهيوني "حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل" وتعربشوا حدود حماس وكوادرها والشعب الفلسطيني الواثق بها وقرروا أن يحاصروا هذا الشعب بالجوع ويتركوه للمرض ويحرموا أطفاله من الحليب؟!
اللهم لا حول ولا قوة إلا بالله.