لماذا الآن يا حكومة فلسطين !!

لماذا الآن يا حكومة فلسطين !!

د. محمد الريفي
2006-06-06

أ د محمد اسحق الريفي قالوا إن حماس حققت فوزا مشرفا في لحظة تاريخية غير مشرفة ورغم صحة وصف هذه العبارة لواقعنا المظلم إلا أنها تنطوي على التنصل من المسؤولية تجاه القضية الفلسطينية…

أ.د. محمد اسحق الريفي *

قالوا إن حماس حققت فوزاً مشرفاً في لحظة تاريخية غير مشرفة، ورغم صحة وصف هذه العبارة لواقعنا المظلم، إلا أنها تنطوي على التنصل من المسؤولية تجاه القضية الفلسطينية، ببعديها القومي والإسلامي، وتبرير ذلك بضعف أمتنا وعدم مناسبة الوقت لصعود حماس ووصولها إلى الحكم.  وإذا كانت أوضاع أمتنا في تقهقر مستمر فمتى يا ترى يحين الوقت لتحقق شعوبنا طموحاتها وتشكل أنظمة الحكم التي تحمل همومها وتعبر عن تطلعاتها !!

إن الحكومة الفلسطينية، التي اختارها الشعب رغم تهديد أعدائه وتلويحهم له بالحصار والتجويع، لم تكن مخطئة عندما أتت في زمن الردة والهوان والتقاعس عن أداء الواجب في التصدي لأعداء أمتنا، وما كان لها أن تختار وقت مجيئها، وما كان شعبنا الفلسطيني غافلاً عن المؤامرات التي يحيكها أرباب الظلم والطغيان ضده عندما عبر عن خياره بطريقة حضارية مشرفة متحدياً بذلك أعتى دول الأرض وأكثرها شراً واستكباراً.

لقد اختار شعبنا الفلسطيني أنسب اللحظات لانتخاب حكومته ليحمي بها خياره الاستراتيجي متوجاً بها الإنجازات العظيمة التي حققتها المقاومة بعد أن تبين له عدم اهتمام سلطة أوسلو بحماية شعبنا من جرائم الاحتلال وهمجيته وأخذت، بدلاً من ذلك، تخرب مجتمعنا الفلسطيني وتزيده معاناة وتكرس تبعيته للاحتلال الصهيوني، ولذلك فقد آن الأوان ليخلع شعبنا الشوكة الأخيرة التي زرعتها اتفاقية أوسلو في جسمه فأثقلت كاهله وفتت في عضده ونخرت اقتصاده حتى أضطر أن يأكل بأرضه وحقوقه متسولاً على اللئام الظالمين، وحق لشعبنا أن يختار، في الوقت المناسب، من يقوده بحق إلى تحقيق عزته وكرامته ويصحح مسيرة نضاله ويعبر عن آماله وآلامه؛ وقد فعل.

ومما يؤسف له أن أصحاب المزايدات المغرضة، ودعاة الرضوخ إلى ضغوط الأعداء والاستسلام للواقع السيئ، يزعمون أن فوز حماس ووصولها إلى الحكم جعلها عاجزة عن المقاومة وأفقدها فعاليتها السياسية، وهذه دعاية كاذبة يشيعها المرجفون بقصد تثبيط همة شعبنا وإحباط نضاله وإضعاف صموده أمام الضغوط الدولية والحصار التجويعي الظالم المفروض عليه، فتعزيز المقاومة يقتضي إصلاح الوضع الداخلي، ووضع حد لممارسات المفسدين والمأجورين، ورفض كل اتفاقيات الاستسلام المهينة، ووقف مسلسل التنازل عن حقوقنا والتفريط بأرضنا.

وبفوز حماس وتشكيلها حكومتها الشرعية تجاوزت المقاومة الفلسطينية محاولات إخراجها من إطار الشرعية الفلسطينية والهجوم عليها وتفكيك فصائلها ونزع سلاحها، كما أنها سلمت من مطاردة الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي كانت تلاحقها وتمنعها من أداء واجباتها وتطوير قدراتها، ولم يعد قادة المقاومة والمجاهدون والمقاومون عرضة للاعتقال والتعذيب في سجون السلطة، كما كان يحدث في عهد سلطة أوسلو المنصرم، لقد بدأت المقاومة تأخذ أبعاداً وأشكالاً جديدة وتنمو كماً ونوعاً وتستقطب المزيد من شرفاء شعبنا المجاهدين، وعلى هؤلاء المرجفين أن يتصورا مآل أمر فصائل المقاومة لو لم تنخرط حماس في العملية السياسية أو خسرت الانتخابات التشريعية!!

لذلك لم يكن بوسع شعبنا أن يضيع مزيداً من الوقت في التعويل على المجتمع الدولي الظالم الذي حذر شعبنا من اختيار حماس حكومة له، بينما لا يتوانى الكيان الصهيوني لحظة واحدة عن تهويد أرضنا والاستيلاء عليها ولا يكف أبداً عن ممارساته الإجرامية والهمجية ضد شعبنا.  وليس بوسع الحكومة التي انتخبها شعبنا إلا أن ترفض الرضوخ لإملاءات أعداء أمتنا والانسياق وراء دعوات الاستسلام التي تروجها أدوات الهيمنة الأمريكية وعملاؤها في مجتمعاتنا، فهذا هو دورها ولا يمكنها أن تسير في النفق المظلم الذي دفعت سلطة أوسلو شعبنا للسير فيه لتنهار قواه أمام إرهاب الاحتلال ومكره.

أما على المستوى العربي، فكان قدر الحكومة الفلسطينية أن تأتي في وقت تحالفت فيه الأنظمة العربية الحاكمة مع الإدارة الأمريكية فأخذت ترعى أمن الكيان الصهيوني ومصالحه تقرباً لإمبراطورية الشر والاستكبار وطاعة لها.  لقد جاءت الحكومة الفلسطينية في وقت اتخذ فيه الانهزاميون والمتوسلون من النظام الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، إلهاً لهم يعبدونه من دون الله عز وجل، فأخذ الكثيرون، ممن انتسبوا زوراً إلى أمتنا، يسبحون بحمد ذلك النظام الخرب وينصاعون لأوامره وكأنه على كل شيء قدير!!

جاءت حماس في وقت استمرأت فيه أنظمتنا احتلال جيوش الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من الدول الغربية لبلادنا وارتكابها المجازر البشعة بحق شعوبنا وأصبح القتل والتخريب والتدمير شيئاً عادياً لا يثير غضب حاكم أو محكوم.

لقد جاءت الحكومة الفلسطينية لتكشف الستار عما أخفاه أعداء أمتنا الغربيون والصهاينة وعملاؤهم من سعيهم لقهر شعوبنا واستعبادها ونهب ثرواتها واحتلال أوطانها، كما أنها كشفت تواطؤ كثير من مثقفي أمتنا ومفكريها وقادتها وانشغالهم بإنجاز بنود الأجندة الأمريكية الهادفة إلى إذابة ثقافتنا ومحاصرة ديننا، وكشفت كذلك تواطؤ الأنظمة العربية المنهمكة في عقد الصفقات الاقتصادية والعسكرية والأمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية سامحة لها بإقامة قواعدها العسكرية ومطاراتها الحربية ومقرات قيادة قواتها لتدير من خلالها معركتها ضد شعوبنا فتسحق كرامتنا وتنجز مخططها الخبيث.

لقد أظهر فوز حماس مدى ضعف أمتنا وتخاذل شعوبها وتواطؤ حكامها وتقصير علمائها كما أظهر  مدى خطورة الدور الذي يقوم به بعض أبناء جلدتنا من العملاء والمتواطئين والإعلاميين والسياسيين في نشر الدسائس والخلافات وإشعال الفتن بين شرائح المجتمع، وتمزيق الشعوب وتخديرها وتضليلها، وترويج الدعوات الهدامة والثقافة المعادية الدخيلة.

لقد تبجح كثير من هؤلاء المرجفين بالدعوة إلى إقصاء الإسلام عن حياة الناس وعن الحكم مخالفين بذلك توجه معظم أبناء أمتنا ومعارضين لنبض الشارع العربي والإسلامي الذي سئم الاستبداد ومل الفساد وتاق إلى نيل حريته وكرامته الإنسانية، لقد أظهر فوز حماس مدى إجرام هؤلاء في حق أمتنا وشدة عدائهم لديننا الحنيف، كما أن فوزها حرر وعي شعوبنا من أسر أفكار عملاء العولمة (الأمركة) السوداوية وكشف زيف دعواتهم الهدامة وجريمة قيامهم بترويج عولمة المال والأمن والفقر والخراب لتصبح شعوبنا في قبضة أكابر مجرمي هذا العالم.

والغريب أن من يدعون الحكومة الفلسطينية إلى الرضوخ والاستسلام ويظهرون أنفسهم أمامها بمظهر الناصح والمخلص الأمين والغيور على مصالح شعبنا وأمتنا هم من لهم الدور الأكبر في إضعاف أمتنا وإذلالها وتمكين أعدائها منها والنيل من عزتنا وكرامتنا، فحق للحكومة الفلسطينية الراشدة ألا تذعن لغي هؤلاء المرجفين وضلالهم، وحق لها أن تكشف سوءاتهم وثقافتهم الانهزامية وتوجهاتهم الضلالية.

أما على المستوى العالمي، فقد جاء فوز حماس في اللحظة التي اشتدت فيها الهجمة الأنجلوأمريكية الصهيونية على أمتنا وأصبحت بلادنا وشعوبنا وثرواتنا على أجندة الأمم التي تتداعى علينا كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، في هذه اللحظة المؤلمة كانت الحكومة الفلسطينية بمثابة نواة لمشروع إسلامي عالمي يتصدى للمخطط الصهيوني الصليبي الذي يستهدف ديننا وأوطاننا وشعوبنا، ولكن هل من معتبر .. وهل من يعقل!!

ولا عجب أن تأتي حكومة المقاومة الإسلامية في فلسطين مع تصاعد المقاومة الوطنية والإسلامية في العراق وأفغانستان ضد الاحتلال والعدوان لتبث الأمل في النفوس وتنير الدرب أمام المجاهدين وترسم لهم طريق النصر والتحرير، لقد نجحت المقاومة الإسلامية في فلسطين في دحر الاحتلال عن المغتصبات ورفض كل اتفاقيات الذل والعار وإبطالها وأرست بتضحيات قادتها ومجاهديها وإصرارهم وثباتهم معالم النهضة واستعادة جزءاً من الحقوق بعد دحر المعتدين.

ولا غرابة أن تأتي الحكومة الفلسطينية الإسلامية عندما بدأت الخطط والبرامج الأمريكية الرامية إلى طمس معالم هويتنا الثقافية وإقصاء الإسلام عن حياتنا تؤتي ثمارها الخبيثة فأخذت المحطات الفضائية العربية اللغة الأمريكية التوجه مأخذاً عظيماً في تخدير شعوبنا وتضليلها، فمجيء هذه الحكومة الفلسطينية في هذا الوقت العصيب وضع النقاط على الحروف وأعاد الأمور إلى سياقها التاريخي والمنطقي وأسقط القناع ولم يعد هناك مجال لتنخدع أمتنا بأكاذيب وسائل الإعلام تلك وضلالها، ولم يعد هناك أي مبرر لتقع شعوبنا فريسة للغفلة والخداع والضلال.

وصلت حماس إلى الحكم في الوقت المناسب وما كان لها أن تجيء في غير هذا الوقت، فقد جاءت عند صعود المقاومة وبروز دورها العظيم في التصدي للهجمة الأنجلوأمريكية الصهيونية على بلادنا، جاءت لتفتح لجميع الشرفاء من أبناء أمتنا على اختلاف إمكانياتهم وقدراتهم وتوجهاتهم آفاق العمل من أجل نصرة الإسلام في وقت برهن فيه أحرار شعوبنا على استعدادهم لتقديم أرواحهم وحياتهم فداء للإسلام والأوطان.

جاءت حماس في وقت الضعف والشدة لتشحذ الهمم وتجمع الطاقات وتحشد الجهود وتجند الأحرار الغيورين لاستنهاض أمتنا والذود عن حياضها والتصدي لأعدائها، لقد فتحت حماس لأحرار أمتنا وشرفائها آفاقاً واسعة للعمل ونيل شرف التصدي لأعداء أمتنا وتغيير واقعها الأليم. فما كان للحكومة التي انتخبها شعبنا الفلسطيني أن تجيء إلا في أشد لحظات أمتنا ضعفاً وهواناً لتنقذ كرامة أمتنا ولتكون حافزاً لقيام أبنائها بواجبهم نحو أوطانهم ودينهم.

لقد حققت حماس فوزا مشرفاً لا يعرف قيمته إلا الشرفاء ولا يتخذه له دافعاً للعمل والانطلاق إلا الأحرار، أما المنهزمون الذين فقدوا ضميرهم وكرامتهم فقد فقدوا كل شيء وأصبحوا أبواقاً تروج ثقافة الهزيمة والتوسل وتبرر التذلل للولايات المتحدة والخنوع لها وطاعتها في السر والعلانية وفي المنشط والمكره .. لقد مات هؤلاء موتاً يئسوا من الحياة بعده!!

*كاتب وأستاذ جامعي فلسطيني - الجامعة الإسلامية بغزة

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026