إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون الدخان إن الحصار الاقتصادي الذي ازدادت وتيرته علينا بعد تبوء الحكومة الشرعية الجديدة مقاعدها ليس بدعا في…
"إنا كاشفو العذاب قليلاً، إنكم عائدون، يوم نبطش البطشة الكبرى ، إنا منتقمون" الدخان (15- 16)
إن الحصار الاقتصادي الذي ازدادت وتيرته علينا بعد تبوء الحكومة الشرعية الجديدة مقاعدها ليس بدعا في التاريخ، وليس خارجاً عن سنن الله في صناعة عباده المؤمنين على عينه، واصطفائهم لنفسه تبارك وتعالى، فقد أقسم ليبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وفيه من البشارة ما يشير إلى أن هذا الابتلاء شئ يسير، إذ لم يكن الابتلاء بالخوف والجوع ، ولكن بشئ قليل منه ، كما يوحي به التعبير، لذلك فإن جوعنا لن يطول ، وقد اجتمع من المال لدى الجامعة العربية الشئ الكثير، وهو أكبر مما يجري الإعلان عنه، حتى لا تقع بعض الأنظمة في الحرج، ولا زال الباب مفتوحاً للتبرعات الشعبية، والمساهمات الرسمية، خاصة وأن رحلة وزير الخارجية لا زالت في مباديها.وأعتقد أن الرهان على فشل هذه الحكومة من خلال العجز عن توفير الميزانية المطلوبة قد باء بالخيبة، وهذا ما يفسّر التعجيل بالتصعيد في سياسة كسر العظام في موضوع الصلاحيات، حيث تريد رئاسة السلطة أن تستأثر بالكثير منها، لا سيما فيما يعطيه القانون الأساسي للحكومة ، لعل هذه التجربة تختنق وتفشل، ويندم الشعب على الثقة التي وضعها في غير موضعها، أو منحها لغير مستحقيها، كما يتوهمون.
أما هاتان الآيتان فقد نزلتا تذييلاً لمقطع من سورة الدخان، يتحدث عما عاقب به ربنا الجبار قريشاً استجابة لدعاء نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، ذلك أن حصاراً اقتصادياً واجتماعياً قد ضربته قريش على بني هاشم وبني المطلب، حين انحازوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في شعْب أبي طالب، حتى لا تتمكن قريش من قتله، ذلك أن هجرة كثير من الصحابة إلى الحبشة، وما شكّله من إيجاد قاعدة احتياطية للإسلام، بالإضافة إلى إسلام حمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب، مع فشوّ الإسلام في القبائل، جعل قريشاً تتوجس خيفة من المستقبل، فأحبت أن تئد هذا الخطر، وتقرر أن تقتل هذا النبي، ولكن حيل بينهم وبين ما يشتهون، فكان قرار المقاطعة والحصار الذي أكلوا فيه جلود الأنعام، وأوراق الشجر، ولم يكن يصلهم شيء من الميرة إلا سراً، ومن اكتشف أمره كان يتعرض لإيذاء شديد ، لذلك فقد كان بعض الرافضين للحصار يوقر بعيراً بالأقوات ، حتى إذا اقترب من الشِّعب ضربه وانصرف، فلا يدري إلا الله من صاحب تلك الصدقة، ولكن الأشهر الحرم كانت فرصة للتزود ، لولا أن قريشاً كانت تغلي عليهم في الأسعار ، حتى يعود أحدهم إلى بيته عاجزاً عن شراء ما يعيلهم، وقد كان بكاء الصغار يسمع من وراء الشعب من شدة الجوع.فلما طال الحصار، واشتدت المقاطعة ، إلا أن يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل، رفع يديه إلى السماء، ودعا قائلاً عليه الصلاة والسلام "اللهم أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف" فاستجاب له ربه، فأخذهم بالسنين، ونقص الثمرات ، كما أخذ بها آل فرعون من قبل، فأصابهم الجهد، ونزلت بهم المخمصة حتى ليخيل إلى أحدهم أن دخاناً ينبعث من السماء، وإن هو إلا ضعف البصر من الجوع.
وكما فزع الفراعنة إلى موسى عليه السلام لما وقع عليهم الرجز أن يدعو ربه لرفعه، وقد أقسموا إن حصل ذلك، وتغير حالهم، لنؤمنن لك، ولنرسلن معك بني إسرائيل، كذلك بعثت قريش بأبي سفيان، ليتوسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يكشف عنهم العذاب، وأنه إذا فعل فلسوف يؤمنون به، فقد اضطروا إلى أكل الميتة والجلود.
وقد كان الموقفان متشابهين، فأما آل فرعون فقد نكثوا وعدهم، ونقضوا عهدهم ، فكانت القاصمة، وأغرقناهم في اليمّ والمؤمنون ينظرون، واما قريش فرفع الله عزوجل عنهم العذاب قليلا ،فعادوا الى المكر بنبيه ،ليثبتوه ،او يقتلوه ،او يخرجوه ،فكانت البطشة الكبرى يوم بدر ،اذا اسستطعنا ونحن اذلة إن نجندل سبعين من صناديدهم ،وان ناسر سبعين اخرين من ملئهم ،وكذلك اخذ ربك اذا اخذ القرى وهي ظالمة ان اخذه اليم شديد .
اقراوا مصداق ذلك في هذه الاية
"فارتقب يوم تاتي السماء بدخان مبين .يغشى الناس ،هذا عذاب اليم .ربنا اكشف عنا العذاب ،انا مؤمنون .انى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين .ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون انا كاشفوا العذاب قليلا ،انكم عائدون .يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون " الدخان 10-16ولا عجب ان يتناول السياق بعد ذلك نبا موسى وفرعون بالحق ،ما آل اليه مصير فرعون وجنوده ،انهم جند مغرقون
لذلك فقد نصت سورة الانفال او سورة بدر ،او القتال كما يقال ،على ان ما حاق بقريش في الول زحف كان كداب ال فرعون والذين من قبلهم كذبوا بايات ربهم فاهلكناهم بذنوبهم واغرقنا ال فرعون وكل كانوا ظالمين وكان اعظم حصار اقتصادري على بني اسرائيل ان ضرب عليهم فرعون الرق ،فلم يعودوا يملكون شيئا وكانوا خدما عند الاسياد الفراعين بما يترك لهم من فضلات الموائد ،الا من حفنة قليلة كقارون الذي كان من قوم موسى فبغى عليهم وقد رضي فرعون ان تتعامل معه ومع امثاله من دون بني اسرائيل لانهم اذنابه وسياطه التي اذل بها قومهم تماما كما يفعل الصهاينة في ايامنا النحسات هذه حيث يقولون هؤلاء لا نعترف بهم ،واولئك هم الذين نرضى عنهم ممن يرمون المقاومة بالنعوت البذيئة ولقد صدق من قال شتان بين من يذهب الى تل الربيع ليقتل ويقتل ،وبين من يذهب الى هناك ليعربد ويسكر .
إن غرضي من الوقوف مع ايات الدخان ان اؤكد ان الذين يجوعون الشعب الفلسطيني لولو كانوا من ابنائه الباغين عليه ،لن يفلتوا من داب ال فرعون والذين من قبلهم ،ولا من سنة الله في قريش والذين من بعدهم ،حيث سيؤخذون لا محالة بالجوع والجهد ،ولسوف يتظاهرون يوما بالايمان ،حتى اذا تحسنت احوالهم عادوا يمكرون ،ما يمكرون الا بانفسهم وما يشعرون ولسوف تاخذهم البطشة الكبرى فما يبدل القول لدى ربنا وما هو بظلام للعبيد ،ولا يحيق المكر السيء الا باهله ،واعتقد إن السعي لافشال الحكومة من خلال التمرد وتكريس الفلتان ،والابقاء على الزعرنة والتجسس ،والرغبة في بقاء الاختلاس والمحسوبية ،مع ما يصاحبه من الرذائل الاخلاقية ،كل اولئك هو الذي يعجل بتلك النهاية المحتومة ،ولكن اكثرهم لا يعلمون انهم الى حتفهم يوفضون
اننا نتسائل باستهجان ما الذي يحمل القوم على رفض فكرة حلف الفضول بين الفصائل العسكرية المختلفة ،لتكون رداءا للشرطة التي وقفت عاجزة بضع سنين حتى عن فض نزاع بين عشيرتين او تفريق تمرد لبعض المسلحين الذين اعتادوا ابتزاز الحكومة السابقة ،باحتلال احد المباني او قطع بعض الطرق للحصول على بعض الوظائف ...ما الذي يضيرهم من ارهاب العابثين لنامن من خوف
إن الذي اميل اليه ان المختبئين وراء القانون او المتدثرين بالصلاحيات ،يخشون لو استتب الامن ورسخت اقدام الحكومة ان تفتح الملفات المخزية في مناحي الحياة المختلفة ولن ينجو منها الامن رحم ربك ،لذلك فهم يستميتون لافشالنا ،والعودة الى السنوات العجاف وليهنأ المحتلون ،ولكن الذي اجزم به غير حانث إن شاء الله ان عجلة الاصلاح ماضية ،وان خطى التغيير والتحرير ستدوس كل محاولات التمرير والتزوير وان الله على كل شيء قدير