يذكر كاتبوا سيرة ياسر عرفات أمنون كابليوك وغيره أنه وفي خريف العام وبعد توقيع اتفاق أوسلو وفي فترة تلكؤ إسرائيل وتصريحات رابين آنذاك التي كانت تقول لا يوجد هناك مواعيد مقدسة دخل…
يذكر كاتبوا سيرة ياسر عرفات (أمنون كابليوك.. وغيره)، أنه وفي خريف العام 1993، وبعد توقيع اتفاق أوسلو، وفي فترة تلكؤ "إسرائيل"، وتصريحات رابين آنذاك، التي كانت تقول لا يوجد هناك مواعيد مقدسة! دخل ياسر عرفات في حالة من الاكتئاب الشديد، لدرجة حدوث نوبات من البكاء المرير، التي شهد على أحدها يوسي غينوسار (ضابط الاتصال الشخصي بين رابين وعرفات).
ويبدو أن عرفات دخل في حالات تأزم نفسي وعصبي متعددة طيلة سني أوسلو من 1993-2000 ، وكانت قمتها في كامب ديفيد عندما باح عرفات أن وطأة وثقل الأيام التي قضاها في كامب ديفيد كانت أشد عليه من حصار بيروت!!
والجميع يعلم اليوم، أن عرفات وقلة من السياسيين الفلسطينيين من مدرسة أوسلو، من أهمهم مروان البرغوثي، كانوا قد عزموا أمرهم على الذهاب لحدث مثل انتفاضة الأقصى، بهدف التحرر من مرارة أوسلو وقيوده وانسداداته. وذلك في سبيل البحث عن خيارات أخرى غير خيار التفاوض. ومثَّل الذهاب لانتفاضة الأقصى ثم الاستمرار بها انقلاباً ولو صامتاً على نهج التفاوض الاستراتيجي.
كما كلف الذهاب في خيار الانتفاضة عرفات حياته الشخصية، وأخذ من البرغوثي حريته الشخصية، ومن الشعب الفلسطيني قياداته وزهرة شبابه وآلاف حكايات المآسي، في كل بيت وزاوية. وكان من الشعارات التي تم رفعها في بداية انتفاضة الأقصى، والتي مثَّلها تيار مروان البرغوثي، تلك التي تتحدث عن ضرورة تعديل شروط التفاوض، وشعار انتفاضة مع مفاوضات.
ولكن بعد اقتحام الدبابات الإسرائيلية لمناطق "أ" في ربيع 2002 ارتفع صوت الأوسلويين الأقحاح، وأخذوا يتعاطون بفكرة عزل عرفات، وبدأوا يبحثون عن مخارج "أوسلوية" لتخليص الحالة الفلسطينية من ورطة انتفاضة الأقصى، التي علق بها الفلسطينيون حسب تصورهم.
ومنذ ذلك اليوم حدثت الكثير من الخضّات داخل حركة فتح، بسبب الخلاف السياسي حول هذه المسألة بالتحديد، مثل ( اختراع منصب رئيس الوزراء، وزير للداخلية، وزير للمالية، وزارة أبو مازن الأولى، احتكاك دحلان مع أبو عمار في صيف 2004، تعاقب تشكيل الوزارات والأزمات الحكومية المتعاقبة، ملفات الفساد /الإسمنت، انتخابات البلديات، كتلة المستقبل..).
ومع وفاة أبو عمار، ومجيء أبو مازن، وعدم حدوث أي تطور على الملف التفاوضي، نكتشف أن المشكلة ليست كما كان الإسرائيليون وحلفاؤهم يقولون بسبب شخصية أبو عمار، بل أن السياسية الإسرائيلية اختطت مع مشروع شارون بالخروج من غزة، سياسة العمل من طرف واحد، دون أي اعتبار للطرف الفلسطيني. ولكن يبدو أن معسكر أوسلو الفلسطيني لا يريد التوقف لأخذ الدروس والعبر، من مجمل أحداث سني الانتفاضة السابقة، والتي يمكن أن نلخصها بالتساؤلات الجوهرية التالية
- ماذا يعني سياسياً قرار حبس عرفات في المقاطعة، ثم التهديد بقتله، ثم الإقدام على سمه، وهو الموقِّع الفلسطيني على اتفاق أوسلو؟؟ ولماذا لم تُحدث حادثة مقتل عرفات أي رد فعل سياسي من قبل السلطة الفلسطينية؟؟ ألا يترتب أي فعل سياسي على قيام العدو بسم زعيم الفلسطينيين، والموقع على كل الاتفاقيات؟؟
- ماذا يعني سياسياً توقف "إسرائيل" عن فعل التفاوض، واعتناقها لعقيدة الإجراء من طرف واحد، في ظل وجود أبو مازن وغياب عرفات؟؟
نطرح هذه الأسئلة الجوهرية لأن البعض في فترة الدعاية الانتخابية أراد أن يقنعنا أن أوسلو لا تزال حية ترزق، وأن التفاوض هو الخط الاستراتيجي الذي لا رجعة عنه. من قال أن التفاوض بالضرورة هو الذي يرسم العلاقة النهائية بين الأعداء؟؟ لم يقل لنا التاريخ أن ذلك هو القاعدة.
وحتى لا نذهب بعيداً ها هو العدو ومنذ الخروج من لبنان من طرف واحد ودون التفاوض، يستمر في نفس السياسة، فيخرج من غزة أيضاً من غير تفاوض، وهو مزمع أمره على الخروج من مناطق الضفة الغربية من طرف واحد أيضاً. إن مسألة التفاوض ينبغي أن تكون لها شروط واقعية كي تحدث، فهل من الواقعي اليوم الدخول في عملية تفاوض يمكن لها أن تأتي لنا بالحد الأدنى من الحقوق؟؟؟
نعتقد أن الانقلاب الانتخابي الذي حدث في الخارطة السياسية الفلسطينية فرصة لتعديل معادلة العلاقة بالعدو المحتل، وبدل الضغط على حماس كي تنزل إلى ما نزل إليه فرقاؤها السياسيون، ولم يفلحوا بنزولهم ذلك، فهل من المصلحة الوطنية العليا الضغط على حماس حتى تدخل في الجحور المظلمة التي دخلها فرقاؤها؟؟
وهل من المصلحة الوطنية أن يعترف الفلسطينيون عن بكرة أبيهم بـ"إسرائيل"؟؟ أليس من المصلحة الوطنية العليا، في قضية كقضية فلسطين، أن يبقى هناك طرفاً يصر باستمرار على عدم الاعتراف بالعدو، وإصراره على المطالب الفلسطينية الكاملة، بحيث يعمل هذا الطرف على ضمان خط الرجعة للكل الفلسطيني، عند حدوث الانهيارات الكبرى كما حدث بعد قمة كامب ديفيد 2000؟؟
وهنا ألا يمكن اعتبار الإسلام كأيديولوجية تعتنقها حماس، والتي تذهب إلى أن فلسطين أرض وقف إسلامي، وبالتالي يمثل طرح الإسلاميين المحافظة على سقف فلسطين الطبيعي. وهذا يمثل أكبر ضمانة للوطنية الفلسطينية، هذه الوطنية التي تعرضت منذ برامج العام 1974 إلى منزلقات وتراجعات وطعنات وتشوهات مذهلة؟؟
وبغض النظر عن المناكفات التي تستمر وكأنها دعاية انتخابية ممتدة وعابرة لمرحلة ما بعد الانتخابات، نتساءل ألا تقتضي المصلحة الوطنية العليا الشد على يد حماس، في تصليب موقفها السياسي، بدل مطالبتها بالاعتراف بـ"إسرائيل" كشرط لمشاركتها سياسياً كما حصل أثناء المداولات لتشكيل الحكومة.
فهل غدا الاعتراف بـ"إسرائيل" تاج الأمنيات وطوقاً للنجاة والتحرير وحل لمختلف القضايا المفتعلة مثل قضية الرواتب؟؟ أم القصد هو تخسير حماس فوزها الانتخابي، بالقول لها عليك بالالتزام بما ألزمنا به الشعب الفلسطيني من خلال اتفاقات أوسلو وطابا وباريس وشرم الشيخ...إلخ، وهي ذات الاتفاقيات التي كان من مآلاتها أن قتلت أبو عمار، وقتلت معه أحلام صغيرة طالما حلم بها الفلسطينيون، فهل يريد البعض إرجاعنا إلى جحور تلك الاتفاقات والتي بات العدو يدوسها صباح مساء، وتحولت إلى مهزلة ؟!