لكل مرحلة من مراحل العمل الثوري قانونه ومتطلب مسيره فإن تعجلنا الطريق ولم نجد في المسير فحرقنا المراحل أو تعاطينا مع المرحلة بغير متطلباتها متعجلين الثمرة قبل نضجها فأصدرنا أحكاما…
(1)
لكلٍ مرحلة من مراحل العمل الثوري قانونه ومتطلب مسيره، فإن تعجلنا الطريق ولم نَجِدُّ في المسير؛ فحرقنا المراحل أو تعاطينا مع المرحلة بغير متطلباتها متعجلين الثمرة قبل نضجها، فأصدرنا أحكاماً على غير واقعها..؛ فعندئذ لا نلوم أنفسنا أن نبقى نراوح في مكاننا تطحننا الأحداث وتغيبنا الوقائع..، وإن تقادمت بنا الأزمان غير أننا لم ولن نتقدم قيد أنملة نحو التحرير.
ومعلومٌ أنّ المراوحة في المكان لا تصبُّ إلا في صالح الاحتلال الذي يُرسّخ مع كلّ مطلع شمسٍ واقعا جديدا؛ فيحدث وقائع تمكن وجوده غير الشرعي وحضوره الطارئ، وتعزز من مواقعه على كل الصُّعد الإقليمية والدولية.
(2)
لكم أيّها الثائرون الأحرار.. إخوان مصباح- أبا العز- الأطهار، وكلّ من على ذات الشوكة عازم المسير نحو التحرير، وأنتم أيّها الصامدون الثابتون في المعتقلات وخلف القضبان.. اعلموا أن طريق التحرير لن يُنجزه السياسيون الصادقون ما لم تصنعوا بجهادكم ودمائكم قلعة منيعة تُخضع الاحتلال ليذعن لحقّنا في كل أرضنا.
فكيف ولازال يزداد تعنته وعناده؟! لمّا أُخليت الساحة من أي فعل مقاوم أمامه، ليس بقوته ولكن أقرّ أنه بدهائه أوجد قوة من الحديد والنار وجيش من المرتزقة الأشرار تحتضنهم سلطة إدارية تحاول أن تفرض ثقافة العار (التنسيق الأمني) بما أوتوا من أموال سحتٍ، وبنادق مأجورة ليفرضوها فرضاً، وكأنّها الثّابت الأوحد، والفعل المقدس الذي به يبرر الحفاظ على بقائنا..!
الثورة، الثورة.. فقط هي خلاصنا، فلو قُدّر لانتفاضة 36 وإضرابها الكبير أن تبقى دون أن يقطعها وعود الساسة المرتهنين، وقد كشفت الوثائق السرية البريطانية أن حكومة الانتداب كادت أن تستجيب لحالة الرفض الثوري للانتداب الذي يُهيئ المسرح تحقيق وعده الباطل فيغرس كياناً سياسياً نشازاً تحت اسم وطن قومي لليهود..!
وكذلك الحال لو خلّي للثوار الفلسطينيين والمتطوعين العرب دون تدخل قوات هزيلة، لم يكن ليتمدد الكيان اليهودي المصطنع أكثر مما كان قد سُلب من أرضنا قبل الحرب المزيفة، وقد تعجبون بأن كلّ ما كان تحت سيطرة العصابات لم يزد عن 7% من فلسطين..!
ولكن لما دخلت القوات الهزيلة تحت ذريعة رفض قرار التقسيم (181) فتنهي الهوزعة؛ وقد امتدت بسيطرة العصابات الصهيونية المجرمة عمّا يزيد عن 87% من الأرض الفلسطينية وأطراف أخرى من أراضٍ عربية (مزارع شبعة اللبنانية).
(3)
وكذلك- أيضاً- كان القطع لطريق التحرير في الانتفاضة الشعبية (1987) الأكبر في التاريخ الحديث، وقد ثار الشعب الفلسطيني كلّه في الأراضي المحتلة في وجه الاحتلال، بشكل أدهش العالم بقوة إصراره وعناده وتحديه آلة القمع والقتل الصهيونية، غير أنّ مسار أوسلو الذي جاء عارضاً وقد ظنّه المنخدعون بأنّه ممطر، ولم يكتشف حقيقته إلا الصادقون بأنّه عذاب مهين لشعب قدم الكثير من التضحيات لينال حريته ويقرر مصيره..
وبعد سنوات سبعٍ عجاف في القيمة الوطنية جاءت انتفاضة الأقصى بإرادة وطنية صادقة ولحمة فصائلية متراصة في الميادين لتضع الاحتلال أمام تحدٍ كبير حتى خضع مذعناً فينسحب من قطاع غزة تاركاً وراءه خرائب بيوت دمرها بيديه كانت تشكل بؤرًا للعنت والموت..
ولكنّ مسارها هي الأخرى أجهز عليها ليس بقوة العنجهية الصهيونية وما سمي بعملية السور الواقي بل قضي عليها بفعل قوات التنسيق الأمني الأجيرة وقد رهنت مصيرها بوظيفتها الأمنية البحتة خدمة مجانية للاحتلال من أناسٍ ارتضوا بأن يكونوا أجراء مأجورين.
(4)
ونحن نطوي عاماً على انطلاقة انتفاضة القدس المجيدة التي اشتعلت نيرانها نصرة للقدس ولحرائر المسجد الأقصى المبارك وقد ابتدأت من القدس ونابلس جبل النار لتحتضنها خليل الرحمن وتزيد وتيرتها وتنخفض بفعل عمليات التكالب الأمني وتبادل أدواره بين الاحتلال وأجرائهم الذين يتباهون بما يقترفون من جرائم بحق الوطن، وقد سمعنا كيف يبرر عباس ما أوردته الصحيفة الأمريكية على لسان وزير مخابراته ماجد فرج الذي يقدم قرابين الولاء بما أجهضته عصاباته الأمنية من عمليات في أشهرها الأولى وبما قامت به من ملاحقات واعتقالات..
لكنّ مصباح كان الشهيد والشاهد بأنّ الانتفاضة تعتمل في رحم الشعب فتنطلق بوتيرة جديدة من السكين والسلاح البدائي المصنع محلياً إلى السلاح الآليّ الذي يقتل ويصيب في قلب القدس وحي الشيخ جراح.. ليقول: هنا القدس وهذه سبيلها (الانتفاضة) وهذا هو الطريق (البندقية).
(5)
نعم، أيها الأحرار فإنّ الثّورات الشعبية لو قُدّر لها قيادةً واعيةً تسيّرها في اتجاهات مرحلية هادفة بحيث تخدم أهدافها المحددة، دون حرق للمراحل أو استعجال للثمرة واختطاف المواقف؛ فإنّها عندئذٍ تُحدث تغيّراتٍ جذريةٍ وعميقة لصالح الشعب.. والتاريخ خير شاهد وهو حافل بالشواهد..!
وأختم بأجمل عبارة قرأتها للإمام حسن البنّا وهو يصف أعداءنا المفسدين في الأرض (الصهاينة)، فقال: «أمة.. أعرق شعوب الأرض في المشاكسات، ولا زالت هي علة العلل، تلك هي أمة بني إسرائيل، أمة لعنت ولا تزال تلعن، وهي التي أوقدت نار الفتنة ولا زالت توقدها في أطوار حياتها، أوقدتها في الحرب العالمية الأولى والثانية، وستوقدها في الحرب العالمية الثالثة، ولكن ستكون وقودها- إن شاء الله-، فهي شر أينما حلت، وهي بلاء أينما وجدت، فبقدر ما كان الفضل في أولها، بقدر ما فيها من الشر في آخرها».