لم يكن تداعي قادة الدول العربية بعد شهرين من هزيمة حزيران النكسة إلى اجتماع القمة في دورتها الرابعة في العاصمة السودانية الخرطوم بتاريخ من أغسطس عام وقد اشتهر هذا المؤتمر بأبرز…
لم يكن تداعي قادة الدول العربية بعد شهرين من هزيمة حزيران (النكسة) إلى اجتماع القمة في دورتها الرابعة في العاصمة السودانية الخرطوم بتاريخ 29 من أغسطس عام 1967، وقد اشتهر هذا المؤتمر بأبرز ما توجت به القمة "اللاءات الثلاثة.. لا صلح، ولا اعتراف، ولا تفاوض مع العدو الصهيوني"، وهي بالتأكيد ما كانت تعكسه من قوة إصرار الشارع العربي على التمسك بالثوابت وبكامل الحقوق.
غير أن تلك اللاءات أخفت في جوهرها الرغبة في كسر تلك المحرمات الثلاث وقد قيدتها بعبارة: "قبل أن يعود الحق لأصحابه".
وفي هذا المؤتمر كان لا يخفى قوة حضور الوفد الفلسطيني وتأثيره على الصيغة المتمثلة باللاءات آنفة الذكر، الذى كان برئاسة أحمد الشقيري وعضوية سعيد السبع وشفيق الحوت.
وبالعودة إلى تلك اللاءات تحددت العلاقة على المستوى الرسمي العلني على أقل تقدير مع الكيان العبري لمرحلة طويلة من الصراع، غير أنّ النزوع نحو تخليد العروش الموروثة أو تثبيت أركان الجمهوريات المنقوصة للسيادة التي إذا ما انتهى عهد بائد ابتدأ منها عهد مبيد.
فكان لا بد لهذه الكيانات المتهالكة الاندفاع نحو البقاء على قيد الحياة وهذا- في تقديرهم- لا يمرّ إلا عبر استرضاء من ظنّوه يمتلك بيده 99% من أوراق اللعب في المنطقة (ساكن البيت الأبيض)، وإنّ استرضاء الأخير (العم سام) لن يكون إلا بإرضاء اللقيطة (إسرائيل)، بهذه المعادلة التي أصبحت قانوناً محفوظة للعمل الدبلوماسي العربي يتوارثها من يعتلي العروش أو تصير إليه كراسيّ الحُكم في بلاد العُرب.
(2)
فلم يكن السادات الأول في سبق مغازلة اللقيطة وإن كان الأظهر بعد حرب كان المأمول منها التحرير للأرض ولكنها أوقفت عند نقطة لا تزيد عن تحريك هذا المسار الذي قيدته لاءات الخرطوم وقد انتظروا أن تأتيهم اللقيطة تقدم لهم الأرض التي قضمتها في ست ساعات قرباناً لصلحهم والسلام..
لقد كانت خطوة السادات سابقة فقط من حيث علانيّتها وجُرأتها؛ لهتك بذلك ستار الممانعة الخادع، يوم قفز من غير مقدمات ليُلقي خطاباً في بيت العنكبوت (الكنيست) في 20 نوفمبر 1977، وفي خطابه أظهر المكنون بشكل جلي عندما شدد (السادات) في خطابه.. "على أنّ فكرة السلام بينه وبين (إسرائيل) ليست جديدة"،
فينطلق بعدها السادات في خطوات متسارعة فكان توقيع معاهدة في 17 سبتمبر 1978 مع (بيجين) بعد 12 يوماً من المفاوضات في منتجع كامب ديفيد الرئاسي في ولاية ميريلاند القريب من عاصمة الولايات المتحدة واشنطن وقد سميت باسم المنتجع الذي وقعت فيه.
وعلى إثر هذا التوقيع المذل في كامب ديفيد؛ قام العراق على وجه السرعة بعقد قمة لجامعة الدول العربية في بغداد في 2 نوفمبر 1978، رفضت اتفاقية كامب ديفيد، وقررت نقل مقر الجامعة العربية من مصر، وتعليق عضوية مصر ومقاطعتها، وشاركت بهذه القمة (10) دول عربية ومنظمة التحرير الفلسطينية وعرفت هذه القمة باسم (جبهة الرفض).
واستمر السادات في مساره فوقّع في 26 مارس 1979 ومع الكيان على معاهدة السلام (المصرية الإسرائيلية) التي محورها الأساس إنهاء حالة الحرب وإقامة علاقات ودية بين مصر والكيان، وانسحاب الكيان من سيناء.
وتضمنت الاتفاقية أيضا ضمان عبور سفن الكيان قناة السويس، واعتبار مضيق تيران وخليج العقبة ممرات مائية دولية..
(3)
وجاء الموقف العربي الرسمي في قمة تونس العادية 20 نوفمبر 1979، وكانّه لازال ممسكاً بلاءاته الثلاث، حيث أكدت على تطبيق المقاطعة على مصر التي جاءت في مؤتمر بغداد.
ولكن ما كادت عشر سنوات تمضي على مؤتمر الخرطوم الذي أكد فيه المؤتمرون: توحيد الجهود السياسية على الصعيد الدولي والدبلوماسي لإزالة آثار العدوان, وضمان انسحاب قوات العدوان الصهيوني من الأراضي (العربية) التي كانت احتلتها منذ عدوان 5 حزيران.
على أن يتم ذلك في إطار المبادئ الرئيسية التي يمكن للدول العربية الالتزام بها، أي "لا سلام مع (إسرائيل)، لا اعتراف بـ(إسرائيل)، لا مفاوضات معها"، والإصرار على أحقية الشعب الفلسطيني ببلاده، حتى كانت الزيارة وخطاب السادات في الكنيست وما تلا ذلك..!
وبعد عشر سنوات أخرى كانت قد قضت على قرار المقاطعة في تونس 1979 إذ بالجامعة العربية ورئاستها تعود للقاهرة في 1989 وهي مذعنة، ولم تعد مصر عن مسارها، بل العرب تداعوا جميعاً إلى هذا المسار المرسوم والمصير المحتوم.
فأحسن الشاعر العراقي أحمد مطر في تصويره الفني لهذه الحالة من الممانعة العربية بمستواها الرسمي، بل أظهرت عبقرية هذا الشاعر العربي بقدرته على استشراف مستقبل تلك الزعامات.. في قصيدته الشهيرة (الثور.. والحظيرة).
الثور فرّ من حظيرة البقر، الثور فر، فثارت العجول في الحظيرة، تبكي فرار قائد المسيرة، وشكلت على الأثر، محكمة ومؤتمر، فقائل قال: قضاء وقدر، وقائل: لقد كفر، وقائل: إلى سقـر، وبعضهم قال: امنحوه فرصة أخيرة، لعله يعود للحظيرة؛ وفي ختام المؤتمر، تقاسموا مربطه، وجمدوا شعيره، وبعد عام وقعت حادثة مثيرة، لم يرجع الثور، ولكن ذهبت وراءه الحظيرة..!
(4)
لكن ماذا وبعد أن تقادم العهد على هذه الوثيقة ومضى عليها ما يقترب كثيراً من النصف قرنٍ، وإيمان الأنظمة العربية يتعزز ويتأكد أكثر وأكثر بالسلام بلا مقابل غير الكلام والكلام فقط على موائد اللئام فانطلقت مبادرات وحوارات ومفاوضات من لدن كامب ديفيد إلى مدريد وأوسلو ووادي عربة وخارطة الطريق وواي ريفر وأنابولس.. ولازالت تتعاقب الاتفاقيات والاتفاقات والتفاهمات ولم تعد الأرض العربية ولم يعد المسجد الأقصى إلى عروبيته وقد أمعنت فيه أنياب التهويد من كل جانب..؟!
أما على صعيد الشعوب فإنّه العداء الذي لازال في ازدياد مضطرد في الاتجاه المعاكس لأنظمة التبعية الحاكمة إلا قليلاً منها..
لذلك؛ لم يفلحوا إلى اليوم ولن يفلحوا – إن شاء الله- في اختراق جدار الوعي العربي ذي العمق الحضاري الإسلامي أو تجاوز الحاجز النفسي والاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي لدى الشعوب المؤمنة بقدسية قضيتها فلسطين وعدالتها، بل زاد ذلك من اتساع الفجوة بين المستويات الرسمية ونخبها المدجنة مع الجماهير التي تهتف بقوة بالحرية لكل الأرض العربية.
فما ابتداه السادات علانية لم يكن الأول لهذا المسار التطبيعي، وما انتهى به عشقي لم يكن الأخير في تقديرنا غير أن إيمان الشعوب العربية سيحول دون ما يطمعون به..
فإذا كانت المبادرة العربية التي أقرها مؤتمر القمة في بيروت 2002 لم تساوِ الحبر التي كُتب به- كما عبر بذلك الهالك شارون رئيس وزراء الاحتلال- فإنّها وفي المقابل حيث الشعوب المؤمنة فهي لا تساوي الورق الذي خُطت عليه تلك المهاترة، وقد تجاوزها الزمن وداستها أقدام طلائع التحرير..
(5)
فاليوم قد أخذت الشعوب قرارها فهي من تقرر مصيرها وتقف عند مسئولياتها، فهي من تواجه لتجهض المشاريع الآتية من المجهول ولا مجهول حقيقة، فالربيع العربي الذي لم يبتدئ من تونس فقد سبق به شعبنا الفلسطيني من خلال انتفاضاته المتتالية، ولم ينته قطعاً بثورة الشعب التركي في مواجهة آلة الانقلاب الهمجية مسيرة ستمضي لتعود الأمة العربية لمجدها الأول وريادتها كمكون اساس في أمة الإسلام بكل أعرقها وعرقياتها ومذاهبها..