نبيل محمود السهلي على مدار سنوات الصراع العربي الاسرائيلي أثبتت الحقائق أن اسرائيل هي دولة الارهاب المنظم فباتت اسس السياسة لدى قادتها الاغتيال والمجازر وتدمير المنازل وجرف الاراضي…
نبيل محمود السهلي*
على مدار سنوات الصراع العربي الاسرائيلي، أثبتت الحقائق أن اسرائيل هي دولة الارهاب المنظم، فباتت اسس السياسة لدى قادتها الاغتيال والمجازر وتدمير المنازل وجرف الاراضي، وكان مخيم جنين عنوانا لمجزرة، فقبل اربع سنوات خلت أيقظ مخيم جنين في الذاكرة الحية شريطاً طويلاً من التراجيديا الفلسطينية التي تكررت فصولاً منذ وعد بلفور حتى اللحظة الراهنة، عبر ثنائيةفريدة في التاريخ الانساني المعاصر، نكبة وصعود، صمود وبقاء، مقاومة واستمرارية، وتحول مخيم جنين بصموده الاسطوري قبل سقوطه في العاشر من نيسان 2002 الى علامة مضيئة في التاريخ الفلسطيني.
إثر نكبة عام 1948، اضطرت أسر عديدة من قرى الساحل الفلسطيني وخاصة حيفا الى التوجه تحت وطأة المجازر الصهيونية شرقاً الى مدينة الشهداء جنين، حيث استشهد المجاهد العربي الكبير عز الدين القسام دفاعاً عن عروبة فلسطين في نهاية عام 1935. ومنذ عام النكبة بقيت أنظار اللاجئين في جنين مصوبة باتجاه قراهم الوادعة على بعد أربعين كيلو متراً من الغرب. و في عام 1953 أنشأت وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" مخيم جنين من الجهة الغربية لمدينة الشهداء على مساحة تقدر بنحو 272 دونماً. اضافة الى تسعة عشرة مخيماً في مناطق الضفة الفلسطينية الأخرى. وبفعل الزيادة الطبيعية التي تتعدى أربعة في المائة سنوياً ارتفع مجموع اللاجئين في المخيم ليصل الى (13361) لاجئاً فلسطينياً في عام1999. ثم ارتفع الى (16500) لاجئاً فلسطينياً في عام 2006. وأصبحت مساحة المخيم تصل الى (480) دونماً، أي حوالي أقل من نصف كيلو متر مربع. يشكل الأطفال دون الخامسة عشر من العمر نحو (50) في المائة من إجمالي سكان مخيم جنين أي نحو (8250) طفلاً فلسطينياً، الأمر الذي أدى الى رفع معدلات الإعالة بين قوة العمل في المخيم لتصل الى مستويات عالية مقارنة بباقي تجمعات الفلسطينيين. وتعمل النسبة الكبيرة من قوة العمل في المخيم الصامد بالأعمال المهنية المختلفة في مدينة جنين، كما تعمل نسبة لا بأس بها في قطاع الزراعة، حيث تشتهر مدينة جنين القسام بمزروعاتها المختلفـــة. وتشكل الإناث نصف المجتمع الفلسطيني في مخيم جنين، و يلاحظ أن نسبة مشاركتهن في النشاط الاقتصادي قليلة مقارنة بالتجمعات الفلسطينية الأخرى في الضفة الغربية، التي تضم عشرين مخيماً تديرها وكالة "الأونروا". ومرد ذلك الى التركيبة الاجتماعية الخاصة. وأصبح مخيم جنين يتبوأ المرتبة الثالثة من حيث المساحة هناك بعد مخيمي عقبة جبر وعين السلطان. وفي هذا السياق يذكر أن مساحة مخيمات الضفة قد وصلت الى نحو (20) ألف دونماً تمثل نحو (31) في المائة من مساحة المخيمات التي تديرها الأونروا والبالغ عددها (59) مخيماً في كل من ســورية والأردن ولبنان والضفة وقطاع غزة. تعود أصول غالبية اللاجئين الفلسطينيين في مخيم جنين الصمود الى قرى قضاء حيفا وعين غزال وجبع وعين حوض والطنطورة وغيرها من قرى عروس الساحل الفلسطيني. شارك أهل المخيم في كافة المناسبات الوطنية. كما انخرط العديد منهم في فصائل العمل الوطني الفلسطيني منذ بداية الستينات وقدموا عشرات الشهداء خلال الفترة المذكورة. ومنذ انطلاقة انتفاضة الأقصى قدم مخيم جنين عشرات الشهداء، حيث أصبح يطلق عليه اسم مخيم الشـهداء. ومع بدء هجوم الجيش الاسرائيلي على مخيم جنين في 29/3/2002 برز اسم مخيم جنين الى الأمام على أنه مخيم الصمود والأسطورة، حيث لم تتمكن الدبابات الاسرائيلية من إخضاع المدافعين عن المخيم، فأصبح كل فرد منهم مشروع بطولة. وكانت الشهيدة إلهام الدسوقي (42 عاماً) رمزاً لتلك الأسطورة، حيث اقتحمت تجمع لجنود الاحتلال حاولوا اقتحام منزلها فقتل جنديان وجرح سبعة جنود آخرين. وقد اعترف رئيس أركان الجيش الصهيوني آنذاك ووزير الحرب الحالي موفاز بصمود مخيم جنين وبسقوط ثلاثة عشر قتيلاً إسرائيليا وعشرات الجرحى على أبواب المخيم. وقد كان لإرادة أهالي المخيم في الثبات بالغ الأثر في صمودهم وتحطيم كبرياء آلة الحرب العسكرية على أبواب المخيم الصغير بمساحته الكبير بأهله.
* كاتب وباحث فلسطيني يقيم في دمشق "موقع أمين".