ماذا بعد عامين من حرب ضروس؟

عبد الله العقاد
2016-07-12

لم تكن الحرب التي اشتعل فتيلها في صيف م غير حلقة في سلسلة امتدت طويلا لتحاصر آمال وتطلعات شعبنا إلى الحرية وتقرير مصيره على أرضه الفلسطينية التي هجر من منها قبل أن تحتل بقيتها في…

(1)
لم تكن الحرب التي اشتعل فتيلها في صيف 2014م غير حلقة في سلسلة امتدت طويلًا لتحاصر آمال وتطلعات شعبنا إلى الحرية وتقرير مصيره على أرضه الفلسطينية، التي هُجّر من 78% منها قبل أن تحتل بقيتها في حرب حزيران 67.
ولكنّ تلك الحرب التي شنت تحت اسم عملية "الجرف الصامد" _حسب التسمية الرسمية لهذه الحرب من جانب من أشعلها_ كانت الأقسى والأطول في حروب الكيان، إذ استمرت ما يزيد على خمسين يومًا، واستخدمت فيها كل القطاعات الحربية للكيان، وجُربت فيها أعتى أنواع الأسلحة المدمرة، من صواريخ موجهة وقنابل ذكية، وتلبدت السماء بكل أنواع الطيران الحربي المسير والمأهول، وشاركت المدمرات البحرية في قصف المناطق المأهولة بالسكان دون تمييز، ودخل المعركة بعد أسبوع من اندلاعها نخب الجيش من سلاح المدرعات والمشاة.
(2)
غير أنّ المقاومة استبسلت لتواجه هذا العدوان البشع في معركة أسمتها "العصف المأكول" التي شهدت ملاحم بطولية في أكثر من صعيد، وكشفت حجم الإعداد وتفوقه على الحصار المطبق.
فقد أظهرت المقاومة الفلسطينية حالة ثبات وتوازن وضبط لإيقاع العمل العسكري لما أوتيت به من قوة، وما أعدته من أسبابها، وما أجادته من أساليبها، فيما يتعلق منها بتكتيك تحييد القوة الباطشة للاحتلال، وإفقاد القوة الباغية عنصر المباغتة والمفاجأة، أو الإضعاف من تأثيره والحد منه، وفيما يتعلق من تكتيكات المواجهة والتوجيه لأسباب القوة في الضغط على المعتدي ومراغمته، ولاسيما جبهته الداخلية المتخمة بالخوف وانتظار السيئ والمسيء لها.
وفي هذا الصعيد وجهت المقاومة أجيالًا من المقذوفات الصاروخية المتعددة المُصنّع منها والمهرّب إليها، وهذا ما أربك حسابات قادة العدوان ومجلسهم الوزاري المصغر (كابينيت)، في الوقت الذي أحدثت فيه حالة الهروب والإجلاء لسكان مناطق ما يسمى "غلاف غزة" ضغطًا غير مسبوق على مُركّب قيادة الحرب السياسية الميدانية.
وهذا ما كشفه تقرير مراقب الدولة أخيرًا بوصفه إدارة العدو للحرب بـ"الفاشلة"، في الوقت الذي يشهد فيه _وإن بمفهوم المخالفة_ بقوة إرادة المقاومة والشعب الفلسطيني، وما أنتجه من صور في إرادة التحدي لمواجهة العدوان بكل أشكاله وأساليبه.
(3)
هذا إضافة إلى ما كان من مواجهة شرسة في ميادين المواجهة المباشرة والالتحام من نقطة صفر في أكثر من جبهة.
فالشجاعية التي تصدرت المشهد بعد تعثر فرقة النخبة للجيش الصهيوني (غولاني) شهدت ملحمة بطولية بعد أن أطبقت المقاومة في القوة المتقدمة لتقتل وتجرح قادة هذه الفرقة وتأسر.
الأمر الذي جعل قادة العدوان في حالة من الجنون فصبّوا النيران بكثافة كبيرة جدًّا على كل ما هو في حي الشجاعية من إنسان وبنيان.
وهكذا كانت المواجهة أبية في خان يونس حيث شهدت منطقة الزنة ملحمة بطولية أجبرت القوة المتوغلة من لواء المظليين على التراجع، وهي تترك آلاتها المدّمرة في ميدان المواجهة، لتعيد الكرة باستخدام سلاح الطيران والمدفعية فيما سميت "الأرض المحروقة"، فيعود المعتدون من جديد إلى منطقة عبسان التي كانت فيها المقاومة قد أعدت لهم ما لم يكن في الحسبان، ليتفاجأ العدو بكمين محكم.
فما إن استقرت قيادة القوة المقتحمة في العيادة الطبية هناك؛ حتى أصبحوا خبرًا عاجلًا يتصدر وكالات الأنباء (عيادة الموت).
وكذلك سجلت الشمال في بيت حانون مواجهة بطولية وهي تتصدى لفرقة (ناحال)، وتوقعها في كمائن الموت، وقد كشفت التسجيلات الحية التي أفرج عنها الرقيب العسكري شيئًا من هذه البطولات.
أما المواجهة التي كانت فارقة في توقيتها (قبل دخول وقت التهدئة بقليل) فكانت لما تدخلت قوة مشاة مدعومة بسلاح الهندسة والمدرعات شرق رفح، فإذا الأرض تتفتق عن مجاهدين يوقعون تلك القوة في شراك لم يفلت منه أحد منها دون أن ينال منه، ويسجلون أسر ضابط ليفعل ما سمي قانون "هنيبعل" (قتل الآسر والمأسور).
هذا القانون (التكتيك) القتالي يكشف دموية الكيان ووحشية جيشه، إذ تأكد في هذه الحرب انعدام أية معايير أخلاقية تضبط سلوكه العسكري، بل هي عصابات مجرمة خارجة عن القانون الإنساني.
(4)
نعم، فقد كانت المقاومة أكثر جاهزية في أعظم عمليتين: الأولى منها كانت باستخدام سلاح جديد عبر البحر (الضفادع البشرية)، واقتحام هذه الوحدة الفدائية موقع (زيكيم) البحري العسكري، بتنسيق مع المدفعية التي أمطرته بوابل من القذائف الصاروخية تزامن هو والاقتحام.
وقد حاول العدو جاهدًا أن يتكتم على هذه المعركة ونتائجها، غير أن المقاومة أجبرته على الاعتراف أمام ما كشفته أذرعها المعلوماتية من حقائق مسجلة كشفت تفاصيلها أخيرًا، غير أن جوانب أخرى سوف تكشفها الأيام.
أما العملية الثانية فقد كانت اقتحام موقع (ناحل عوز) المحصن وقتل الجنود من نقطة صفر، وعودة المقاومين بسلام في عملية بطولية موثقة بالصوت والصورة الحية، لتكشف حالة الجبن والهلع التي أصابت قوات الاحتلال المدججة بالسلاح النوعي الذي فقد معناه أمام جرأة وقوة وعزيمة المقاومة الفلسطينية الباسلة.
وبين تينك العمليتين النوعيتين عمليات أخرى سجلتها المقاومة في منطقة "أبو مطبق" (كوسوفيم) في الوسطى، و"قزدرة" المقاومين في عودتهم بعد عملية بطولية نوعية، وأيضًا ما كان في عملية كرم أبو سالم وما أسمته المقاومة استطلاع بالقوة في رفح.
غير أن السلاح النوعي الذي استخدمته المقاومة كان سلاح الأنفاق الذي باغتت به العدو في أكثر من جبهة، وهو ما عجز الاحتلال عن مواجهته، بل حاول أن يحصر كل أهداف الحرب في تدميره فقط ولم يستطع ذلك.
(5)
أجل، كان العدوان مباغتًا وشرسًا ومدعومًا من أطراف كثيرة، ولكنّ المقاومة كانت جاهزة ومتوازنة ومبادرة وفاعلة، أجبرت المنتظرين جثوها على التساوق معها بصورة أو أخرى؛ فلا يزال بعد عامين أمل شعبنا في التحرير والعودة كبيرًا، ما دام سلاحه مملوكًا له وبأيدي أبطاله الشجعان.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026