قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في…
{قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } الأعراف 128 - 129
عقد كثير من الناس آمالاً عريضة على تغير الأحوال بعد أوسلو، حتى كانت الصدمة، فأدركوا أنهم كالمستجير بعمرو يوم كربته، أي كالمستجير من الرمضاء بالنار، وكأنما تبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، بل السيئ بالأسوأ.
ولم تكدْ تمضي بضع سنين حتى ضاق الناس بالواقع ذرعاً، فقد كنا في احتلال ، فوقعنا تحت وطأة شركاء متشاكسين من الأجهزة المسماة بالأمنية، تلك التي لا يستطيع العديد من البشر أن يعد أسماءها إلا إذا كان قد اكتوى بلظاها حين كان ينفلت من جهاز ليتخطفه الآخر، فيهوي به في مكان سحيق.
ولما لاحت بادرة الخلاص في شرارة الانتفاضة الثانية لم يتردد معظم الخلق أن ينخرطوا فيها بأنفسهم، وأبنائهم ، وما يملكون، حتى أكرمنا ربنا ، وبارك في تضحياتنا، فنصركم وأنتم أذلة، لتكون آية للناس، ولعلكم تشكرون.
وفي إطار رغبة نفر أوسلو في التهدئة مع العدو، ولو من طرف واحد، كانت الاستجابة المشروطة بإجراء إصلاحات داخلية، وعقد انتخابات بلدية وبرلمانية، وقد انتهزها الناس ليتخلصوا ممن طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، وكانت صناديق الاقتراع سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد.
ومع تباشير الفجر الجديد في برلمان وحكومة ينتشلاننا من ورم الواسطة والرشوة والمحسوبية، كانت حركات الغريق على غير هدى أو رشاد، مرة في الضربة الأخيرة للمجلس التشريعي الراحل، وأخرى في الوظائف والترقيات والتسكين، وثالثة في فوضى الأمن والتخريب ، ورابعة في استفراغ الميزانية والزعم بانتفاء ما يسع رواتب جيوش الموظفين، ثم كانت الخامسة في التلكؤ في مفاوضات المشاركة في الحكومة لاستنفاد الوقت، عسى أن تسقط مساعي تشكيلها بالعجز، وليس آخراً ما يتنفس عن التواطؤ في إغلاق المعابر، وتجويع الناس، أو حتى في مسرحية نقل سعدات ورفاقه من أيدي الأمريكان والبريطان إلى قبضة الصهاينة.
إن مجئ الحكومة الجديدة لن يوقف مسلسل المؤامرة، ولسوف يتكشف منها ما يدع الحليم حيراناً، إذ ليس سهلاً لقارون أن يتجرع نضوب مصادر الثروة التي أمست بديلاً عن الثورة ، فضلاً عن أن يخضع للمساءلة والمحاسبة التي تخسف به وبداره الأرض، فتصبح حصيداً كأن لم تغنَ بالأمس، أو هشيماً تذروه الرياح.
لكن الذي نجزم به أن عجلة التغيير قد انطلقت ، وأن دولاب الإصلاح قد دار، وأن العقبة الكؤود قد امتلكنا العزيمة لاقتحامها، ولن نكلّ -إن شاء الله- عن المجاهدة في الله، حتى يحق الحق، ويقطع دابر المفسدين، ولو كره المجرمون.
لذلك رأيت أن أستدعي مشهداً من التاريخ، وأسجل تجربة قال الله عز وجل فيها {نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } القصص 3
وقد أخبرنا هنا في الأعراف أن الملأ من قوم فرعون قد لاموه على تباطؤه في مواجهة الصحوة الإيمانية ، وأغروه بقمعهم حين وصفوا سيدنا موسى والذين آمنوا بأنهم يفسدون في الأرض، ويذرون فرعون وآلهته ،فانتفخت اوادجه ،واعلن عزمه على احياء سنته الأولى فيهم فيقتل ابناءهم ،ويستحيي نساءهم ،ثم اخذه الغرور ،فاخبر انهم في قبضته ،وانه وملأه فوقهم قاهرون.
فما كان من سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام الا أن نصح قومه أن يتسلحوا بالاستعانة بالله ،والتفويض اليه ،وان يصبروا على ما عساه ينزل بهم من الاذى ،فان الارض لله يورثها من يشاء من عباده ،وما فرعون وقومه ،وكل طواغيت الارض الا مجرد نزلاء فيها ومتى شاء ربنا أن يكنسهم منها فلا راد لقضائه ،ولا معقب لحكمه ،فلا تياسوا من تداول الايام بين الناس ،والعاقبة للمتقين بالنصر والتمكين .
غير أن بني اسرائيل كانوا في عجلة من امرهم ،فقالوا لموسى (اوذينا من قبل أن تاتينا ومن بعد ما جئتنا ) فلم يتغير الحال ،عبودية واضطهاد قبل مبعثك ،والهوان على حاله بعد مبعثك ،وكانهم يقولون اين نصر الله والفتح الذي وعدتنا ؟! فاجابهم عليه السلام " عسى ربكم أن يهلك عدوكم ،ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون"وهي بشارة بالعاقبة والمصير ،وان تراخى الى حين ،ثم كان الاذن بالهجرة الى الارض المباركة ،بان يسري بعباد الله ،فيضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا يخاف دركا ولا يخشى ثم اغرق فرعون وجنوده وهم ينظرون فاخرجهم بذلك من جنات وعيون ،وكنوز ومقام كريم ،كذلك واورثناها بني اسرائيل .وقد حذر سيدنا موسى عليه السلام قومه ،فاخبر أن الاستخلاف في الارض ابتلاء واختبار ،لينظر كيف تعملون ،ويرى هل تفسدون ام تصلحون؟ وهل تتقمصون منهج فرعون ام تكونون من المتقين الجديرين باستمرار التمكين ؟ وكأن سيدنا موسى كان يحس من جبلة بني اسرائيل انهم سياتي عليه يوم يمارسون فيه التقتيل والقهر ولم يطل ذلك اليوم ،فهم الذين قتلوا انبياءهم سفها وكفرا وظلوا عبر التاريخ يقتلون الذين يامرون بالقسط من الناس ،ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ،ولا يدينون دين الحق ،فباؤوا بغضب على غضب ،وتاذن ربك ليبعثن عليهم الى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ،ويوم القيامة يردون الى اشد العذاب
إن الغرض من تدوين هذا المقال أن يطمئن شعبنا الفلسطيني المسلم الى العاقبة ،فالارض لله ،وليست للصهاينة ولا لزبائن اوسلو ، وهو مستخلفكم فيها بجهادكم وتقواكم ،ولكنكم ستواجهون كثيرا من الاذى بعد قيام الحكومة ،كما من قبل ،وربما يجتر الكثيرون ما قاله الاولون ،حين لا يرون تحسنا سريعا في الامن او الاقتصاد ( اوذينا من قبل أن تاتينا ،ومن بعد ما جئتنا ) وسنظل نؤكد (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ،ويستخلفكم في الارض ،فينظر كيف تعلمون )
اننا جد متفائلين أن يكون تحصيل المال مقدورا عليه ،باسهام اخواننا في الشعوب العربية والاسلامية ،ثم بالاكتفاء الذاتي حين يعالج التسيب الاداري والمالي ،وتقوم مشاريع انتاجية تستوعب الايدي العاملة ،وتوجد اكتفاء داخليا ،ومن خلال الاحتكاك المباشر مع الناس سيتحول معظم الانقياء من التلوث الامني والاخلاقي والمالي ،ليكونوا سيوفا مع الحكومة على المفسدين ،وسيجد اصحاب العراقيل الذين يظنون انكم مفسدون في الارض انفسهم مضطرين أن يطاطئوا رؤوسهم لرياح الاصلاح والتغيير ،او يفروا من الحساب حتى حين ،ولن نزال بخير ما بقينا مستعينين بالله وصابرين ،وما بقي فينا كتائب القسام والمقاومة شوكة في اعين المتربصين ،ثم ما بقي الاكفاء من الاقوياء الامناء هم الذين يقودون فان خير من استأجرت القوي الامين .