خيارات حماس الدبلوماسية

خيارات حماس الدبلوماسية

د. ناجي شراب
2006-03-14

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر زيارة وفد حماس إلى موسكو ليست بروتوكولية ولا تقرأ من باب التهنئة بل هي رسالة فضل المجتمع الدولي أن يوصلها إلى حماس عبر موسكو حفاظا على مواقفهم…

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر

زيارة وفد حماس إلى موسكو ليست بروتوكولية ،ولا تقرأ من باب التهنئة ، بل هي رسالة فضل المجتمع الدولي أن يوصلها إلى حماس عبر موسكو حفاظا على مواقفهم المعلنة بعدم الاعتراف بحماس ، ومضمون هذه الرسالة مطالبة حماس أن تلتزم بالشروط التي وضعتها الرباعية بعيدا عن الربط بإلزام أو مطالبة إسرائيل باتخاذ مواقف متبادلة ، الولايات المتحدة الأمريكية ومعها أوربا لا تتعامل بهكذا سياسة ألآن ، السؤال كيف ستتصرف حماس دوليا ؟

أذكر هنا للإجابة على السؤال بتعريف السياسة بأنها فن إدارة التناقضات ، أو فن إدارة المستحيل الممكن . هذا التعريف ينطبق على . ولعل قبل الولوج عن الخيارات الدبلوماسية ألأكثر مواءمة وفعالية مع معطيات المرحلة الجديدة ، أن نحدد الإطار السياسي الذي في سياقه ستمارس حماس خياراتها الدبلوماسية والمدركات التي تفرض توجيه أو خيار معين .

وأول هذه المدركات أن مجرد الحديث عن الخيار الدبلوماسي هو التفكير في تفعيل دور الدبلوماسية ومن ثم المفاوضات باعتبارها أداتها الرئيسة بعيدا عن العمل العسكري ، أو بكيفية توظيف البعد المقاوم في دعم وتفعيل الأداة الدبلوماسية .

وثاني المدركات أن هناك واقعا دبلوماسياً فلسطينيا في بعديه المؤسساتي والسياسي ، قد يحتاج الأمر إلى قدر من المراجعة والتطوير ، لكن لا يمكن تجاوزه أو استبداله ، كأن نعيد مفاهيم ومصطلحات قديمه مثل كلمة عدو في خطابنا الدبلوماسي . وثالث هذه المدركات أن هناك مجموعة من الاتفاقات والالتزامات الدولية الموقعة مع السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية ، وبصرف النظر عن عدم التزام إسرائيل ، وازدواجية المعايير الدولية ، إلا أن الواقع الفلسطيني يقوم على أهمية الالتزام بهذه الاتفاقات ، لأن أحد استراتيجياتنا المحورية هي إحياء المرجعيات الدولية وتفعيل الشرعية الدولية ومطالبة الدول بالتقيد بهذه المرجعيات وتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والسياسية . ويرتبط بهذا الإدراك أهمية العودة من جديد إلى إحياء المرجعيات الدولية وقرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية .

وخامس المدركات عدم التقليل من أهمية وفعالية المتغير الدولي في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي ، وان لا ننسى أن القضية الفلسطينية في نشؤها وتطورها وحتى في إمكانية تسويتها ترتبط بشكل مباشر بمدى فعالية البعد الدولي في هذا الصراع ، ومدى قدرتنا على تغيير قواعد اللعبة الدولية لصالحنا . التفكير هنا يتطلب التركيز على تفعيل وإحياء دورها من خلال العمل على أكثر من دائرة بدءا بالدائرة العربية والإسلامية مع إدراك المصالح الوطنية لهذه الدول والابتعاد عن سياسات الوعود والتوقعات وسياسات المحاور ، وأن ندرك أننا جزء صغير في منظومة دولية معقده ومتشابكة تحكمها لغة القوة والمصلحة  ، لكن يمكن أن يكون لنا دور فاعل فيها . وهنا يمكن أن نلجأ إلى سياسة الكل والشرعية الإقليمية بعيدا عن التمحور في مواقف ضيقة ، أقصد توسيع نطاق المسؤولية العربية والإسلامية التي قد تشكل مخرجا مريحا .

وسادس المدركات أن نتفهم أولويات الأجندة الدولية ، ومن خلالها يمكن أن نفعل مطالبنا الوطنية ، وأن ندرك أن قضية السلام عموما والقضية الفلسطينية  لم تعد تحتل أولوية قصوى في هذه الأجندة ، لكن المهم هنا الربط بين أولويات السياسة الدولية ومعنا منها ، عملية الربط هذه تشكل أحد الخيارات الهامة التي يمكن أن نعتمد عليها في هذه المرحلة المصيرية من تطورنا السياسي . ومن القضايا التي ينبغي أن نتعامل مها بكل عقلانية إبعاد أي صفة للإرهاب عن أساليبنا الشرعية في المقاومة ، وأهمية الاستمرار في عملية البناء الديموقراطي باعتبارها أحد الخيارات الأخرى التي يمكن أن نعتمد عليها وننتهجها ، بمعنى أن نعرف دورنا في هذه الأجندة الدولية واربط بين تحقيقها والإيفاء بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني .

ومن الادراكات الأخرى الهامة عدم التقليل من أساليب المقاومة الشعبية وتفعيل دور الدبلوماسية المدنية ، وهنا يبرز أهمية تنشيط دور مؤسسات المجتمع المدني الدولية ، لما لها من تأثير في مراكز صنع القرار في دولها ، وسابع هذه المدركات تفعيل دور الجالية الفلسطينية في الخارج بما لا يخرج عن إطار الشرعية فيها ، وكذا الجاليات العربية والإسلامية وأيضا الهيئات والجماعات المساندة والداعمة للموقف الفلسطيني ، بشرط إبراز الجانب الايجابي فيه ، وإبراز الجانب الإحتلالي الإسرائيلي ، وسياسات التمييز والحصار والتجويع التي تتنافى مع مبادئ القانون الدولي الإنساني .

وفى ظني أن النجاح في هذه السياسات يتوقف على إدراك وعدم تجاهل المتغير الفلسطيني الداخلي ، وأهمية إرساء نظام ديموقراطي حقيقي ، وانتهاج سياسات عقلانية بعيده عن الغوغائية ، والتركيز بصفة أساسية على العنصر البشرى وكيفية تنمية قدراته وتوفير البيئة الآمنة له . وتفعيل عمليات الإصلاح الداخلي وبناء جهاز إداري وحكومي قادر على الاستجابة لمتطلبات الحياة اليومية المتزايدة ، وزيادة فعالية الأجهزة الأمنية وإضفاء الصفة المدنية والاجتماعية على عملها ، وكل هذا من خلال إرساء سيادة القانون وانتهاج سياسات حازمه قبل تفاقم الأمور  تحولها إلى مؤشرات الحرب الأهلية .

لا شك أن المرحلة الحالية تحمل صعوبات كثير في الداخل والخارج ، إلا أن الخروج منها ومواجهتها ليس صعبا إذا ما انتهجنا خيارات قائمه وليس العودة إلى الوراء ، إستراتيجية تجمع مرونة التكتيك وصرامة الإستراتيجية ، مع توفر أساس داخلي وإقليمي ودولي داعم ومساند ، والخطوة الأولى تبدأ من عندنا .

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026