لطالما شاركت الصحابية أسماء بنت يزيد تلك الحرقة على مكانة المرأة التي شكتها لرسول الله صل الله عليه و سلم و هي ترى افضلية ظاهرية للرجال في كل مواطن العز و التضحية مع انه بعثة بدين…
لطالما شاركتُ الصحابية أسماء بنت يزيد تلك الحرقة على مكانة المرأة التي شكتها لرسول الله صل الله عليه و سلم و هي ترى افضلية ظاهرية للرجال في كل مواطن العز و التضحية مع انه بُعثة بدين الاسلام للرجال و النساء على حد سواء الى أن أفهمها طبيعة الادوار و التشاركية التامة في الأجر.
و لقد كان بالامكان لامتعاضي ان يتجدد في العصر الحالي لولا ظهور أمثلة نسائية أحسنت فهم مقاصد النزول و التنزيل القرآني و تراكمية تجربة النساء في السيرة و عصور الخلافة.
و من هذه الامثلة الساطعة المرابطات في الأقصى اللواتي وصلن الحاضر بالماضي المجيد و قدمن نموذجا متفوقا التحم بالعصور الزاهرة فلم تعد أم عمارة ولا ام حرام ولا اسماء ولا خولة ولا سمية مجرد صفحات انقضت و انما عادت ارواحهن و ادوارهن لتحيا في أجساد معاصرة تثبت ان الشهداء لا يموتون ابدا بل يبقون اية حية متجددة في كل عصر توجد به خامة بشرية قابلة للتشكل في قوالب العظماء.
إن النموذج لا يمكن ان يصنع دون فهم فالقدوات لا تنبت نبتا فجائيا و ليست هوائية دون جذور و انما تصنع على عين الله في محطات تزكية و تمحيص حتى اذا اكتمل الاعداد جاءت لحظة اطلاق البطل و البطلة في مواقف امتحان لكل ما سبق.
لقد أنزل الله اية عظيمة في القرآن لاصحاب و صاحبات الفهم و هي "و ليس الذكر كالأنثى" و الغريب ان عصور الانحطاط الفكري للمسلمين كانت تسوقها في معرض تفضيل الذكر و ضعف الانثى، بينما غُيّب المعنى الأهم فما يلحق بحرف التشبيه و هو في هذه الحالة الانثى هو الذي يعطى المكانة و التميز و الثناء و يعضد ذلك تفسير الزمخشري للاية اذ يقول: و الله يقول لامرأة عمران ان الأنثى التي وُهبت لك خير من الذكر الذي طلبت، و هبة الله لا تكون الا في موقع الرفعة و التفضيل و حسن النعمة و كمال الأداء، و الله سبحانه لم يكرم بهذا مريم ابنة عمران فقط بل كانت الرسالة لحفيداتها و للأمة جميعا أن سيكون للنساء في هذا المكان خصوصا بصمة و دور ستفضل فيه الرجال، و لن يغني الرجال عن دورها و قد تحقق ذلك قديما، فكانت مريم الأم بوابة الانطلاق للمعجزة عيسى عليه السلام فما كان له ان يقوم بدورها، و لا ان تقوم هي بدوره و انما تكامل لا تنافس و شقائقية لا شقاق.
و حديثا أخذت المرابطات في القدس و المجاهدات في فلسطين ذات الدور في اطلاق زخم المقاومة و التضحية فلولا الانوثة و استهداف الانوثة و الشرف و العرض و ما يولد ذلك من همة و نخوة و غضبة في نفوس الرجال الرجال لما كان هذا التصاعد المستمر و العزيمة و اعادة الانبثاق من بعد خذلان و الانتفاضة من بعد سبات فاستهداف الشرف و العرض في ذلك المكان المبارك المقدس تحديدا كان و سيكون و سيظل له من الاثر و الاشتعال و الوقود ما لن يكون لو استهدف جمع من الرجال، فاصابة الرجال في هذا عظيمة و ثأرهم لعرضهم لا يهدأ و هم ينزلون الشريفات العظيمات منازل محارمهن و تلك الاسئلة تقرع اذهانهم كانفجار القنبلة: أترضاه لأمك، أترضاه لزوجك، أترضاه لأختك فينطلق الشريف ليجيب بدمه لا بلسانه! لولا النساء و هذه الافضلية الربانية أكان الرد ليكون بذات العنفوان؟! نعم صدق الله "و ليس الذكر كالأنثى"
ثم يأتي جهلة يمرقون من الدين كما يمرق السهم و يقولون بقول الدين و يسوقون الأدلة بلا فهم ليتشدقوا: أعيدوا النساء الى منازلهن حتى لا يمس شرفنا و كأن المعتدي يفرق بين شارع مفتوح او بوابة مسجد او فناء منزل مغلق و لا ينتهك الخاص قبل العام؟!!!! لقد جاءت السيرة لتعالج هذه الجزئية ايضا و تزيل الحرج في قصة استشهاد سمية فجاء الوصف الدقيق لطريقة استشهادها و قد استهدفت في مكان عفتها و مع ذلك صبرها الرسول و بشرها و لم تأخذ بالرخصة كابنها و كأن في الأمر رسالة ان هذا النوع من الاستهداف للنساء سيحصل و لكن لا يجب ان يثنيهن عن الجهاد و المقاومة فالشرف هو الدين و رايته و رسالته و قتال الاعداء و الصمود لهم و الله هو الذي يرفع الذكر و يبيض الصفحات.
و انسحب التقدير و الاعلاء على دور ام عمارة في أحد و الرسول يمدحها قائلا "ما التفت يمنة و لا يسرة الا و رأيتها تقاتل دوني" رأها أصيلة في الميدان لا بديلة، رأى لها قصب السبق لا دور الاحتياط، مدح نموذجها لوحدها لا مقارنة مع الرجال، و كذلك أم حرام مجاهدة البحر خرجت من عكا و في أُذنها تتردد عبارة رسول الله و هو يقول لها أنت من الأولين، فهل كان مكان الأولين لأم حرام وحدها أم لكل من تسير بسيرها و بذا يكون الإحياء الحقيقي و المعايشة الواقعية لسيرة الرسول و صحبه.
و حتى في الأدوار الاسنادية فما من ميدان الا و قدم الدين المرأة فروت الحديث الأشهر في الامداد امرأة هي ميمونة بنت سعد عن رسول الله ليس بينها و بينه رجال رواة فكانت الحاملة الاولى لامانة التبليغ عنه للأمة و نعم ما اختار الرسول لرسالته فقد كانت على درجة من العلم و عرفت ان الاقصى دين و عقيدة فسألت عنه كأمر شرعي بكلمة أفتنا و بها أرسل الرسول رسالة خصوصية الى أتباعه من النساء ايضا عن دورهن في الانفاق المادي و في المبادرة خصوصا و هن المسؤولات عن تدبير الانفاق في المنزل و حياة الاسرة و هن الناشئات في حب الحلي من ذهب و فضة و تضحيتهن بهذه الأمور الأثيره هو جزء من جهاد النفس، و التاريخ يحفل بنساء اوقفن مال و ضياع و قصور للاقصى و خُلدت اسماؤهن من بوابة القدوة تلك هذا غير من تزوجت للأقصى من جاءها فاتحا باسم صلاح الدين و من ضحت بقيمة الجمال واهبة جمالها و جدائلها لخيول تقاتل الصليبيين، و من علمت الخلفاء كأم الدرداء الصغرى يجلس الى درسها في الأقصى عبد الملك بن مروان.
"و ليس الذكر كالأنثى" في نصرة الدين مقارنة أفضلية للنساء و ليس انتقاصا فقط لمن يفهمون من أولي الألباب أما المثبطين فما عاد مجال لسماعهم و صرخات التكبير تنطلق من الاقصى في شكل استغاثة.
أما أنت أيتها المرأة فليكن شعارك قول الرسول لام حرام "أنت من الأولين" و ميدانك كأم عمارة لا تدع موضعا إلا و يشهد لها بحسن البلاء، و من قبل قدوتك في الانبياء رضوان الله عليه اجمعين يوم قالوا "و أنا أول المسلمين" "و أنا أول المؤمنين" ليس سبقا زمانيا فحسب و لكن سبق عمل و تحفيزا للنفس على ادراك منزلة الأوائل و كأن الدين و المسؤولية ابتدأت بهم.
الدين جعلك من الأولين فيالتعس من رضيت بدرك الاسفلين
"أنت من الأولين" فلا ترضي بغير ذلك منزلة
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع