محررو وفاء الأحرار ما بين الأمل والألم والانتظار

فؤاد الخفش
2015-08-13

لا أعلم أني تأثرت بقضية كقضية هؤلاء المحررين في صفقة وفاء الأحرار الذين أعاد الاحتلال اعتقالهم في انقلاب واضح على ما تم التوقيع عليه من اتفاقية قضت بالإفراج عنهم وعودتهم للضفة…

لا أعلم أني تأثرت بقضية كقضية هؤلاء المحررين في صفقة "وفاء الأحرار"، الذين أعاد الاحتلال اعتقالهم في انقلاب واضح على ما تم التوقيع عليه من اتفاقية قضت بالإفراج عنهم وعودتهم للضفة الغربية مقابل الإفراج عن جندي مأسور لدى المقاومة تمت في 18/10/2011.

منذ اللحظة الأولى لاعتقال هؤلاء الرجال الذين أمضوا سنوات طويلة في سجون الاحتلال أكبرها كانت لعميد الأسرى الفلسطينيين والعرب نائل البرغوثي, وأقلها لأسير أمضى ما يزيد عن العشرة أعوام من حكمه السابق المؤبد (مدى الحياة) , شعرت أن الأمر لن يكون بالهين وتابعت ما صرح به الاحتلال من نيته إعادة الأحكام السابقة لهؤلاء الأسرى .

نفذ الاحتلال ما صرح به من تهديدات ووعيد، وهنا يجب أن أقول لم يكن ال60ـ أسيرا الذين أعاد الاحتلال اعتقالهم بعد عملية الخليل التي نفذتها بها المقاومة وأدت لأسر ثلاثة مستوطنين في مدينة الخليل هم أول المعتقلين فقد سبق ذلك اعتقال هناء الشلبي ومنى قعدان وكذلك سامر العيساوي وأيمن الشراونة وابو حجله أيمن داود وغيرهم.

ومع اللحظات الأولى للاعتقال أعلن الاحتلال أنه سيعيد لهم الأحكام السابقة ولكن اضرابهم الطويل عن الطعام أدى إلى الإبعاد للبعض والافراج عن البعض, بمعنى أدق أن الاحتلال وقبل الحملة الكبيرة كان ينوي أن يعيد الأحكام لمن اعتقله من الصفقة.

لن أتحدث عن المحاكم والمحاكمات وما قمنا به من إجراءات قانونيه والتعامل مع أكبر المحامين في الداخل المحتل فهذا اجراء قانوني شبه روتيني رغم أن الجهد الذي بذل (جبار) بكل ما تعني الكلمة من معنى، ولكني سأتحدث عن حالات إنسانية ومشاعر استمعت لها من العائلات كانت تصيبني بكثير من الأحيان بالاحباط الشديد.

هؤلاء الأسرى بغالبيتهم أشخاص ابتعدوا عن أسرهم عقود وخرجوا لواقع متغير عن الذي تركوه، منهم من لم يمسك بيده هاتف نقال, وغيره لم يقد سيارة, وآخر لا يعرف ما هو "الفيس بوك"، خرج هؤلاء بنفس مفتوحة للحياة تواقة للحرية, محبة للمجتمع, اندمجوا بسرعة كبيرة في المجتمع ، تزوجوا وفتحوا بيوت وأنجبوا فكان (الطفل) الذي بداخل هذا الاسير يلعب مع الطفل الذي أنجب بطريقة تشير لمدى إنسانية وعظم هؤلاء الرجال.

كانت الابتسامة التي فارقتهم عقود لا تختفي عن وجوههم تارة بحفاوة تقديرهم من المجتمع وتارة أخرى لما حباهم الله به من نعم بعد سجن طويل, فتزوجوا وفتحوا بيوتهم التي كانت مغلقة وفعلوا أمور كانت تبدو لهم كأنها شبه مستحيلة ولكنه فضل الله ونعمه.

دفع ويدفع هؤلاء الذين أعاد الاحتلال اعتقالهم وأعاد لهم جميعا الأحكام السابقة ثمنا باهظا، اذ يستخدمهم المحتل كرهينة سياسية, وطريقة يبتز بها المقاومة, ولكنه قدرهم وقدر كل حر يعيش على هذه الأرض.

قال لي بعضهم يوما أن هذا الاعتقال الثاني أصعب ألف مرة من الاعتقال الأول! فبعد أن تذوقنا الحرية عدنا للسجن, وبعد ان كونّا بيوتا وأسر وعائلات عدنا لحياة السجن ، صعب للغاية الانتقال من حال لحال ، صحيح أن الايمان بقدر الله موجود, ولكنها النفوس التي تتوق للاستقرار والراحة التي يحاول دوما الاحتلال حرمان الأسرى منها.

الأمل بفرج قريب لا يفارق الأسرى وعائلاتهم علما أن لوثة الشائعات لا تلبث بين الفينة والأخرى بتحديد موعد للافراج عنهم تؤلمهم وتؤلم عائلاتهم.

كل ما أعرفه أن وعدا أطلقته المقاومة أن لا حديث عن صفقات إلا بالافراج عنهم كمقدمة للافراج عن هؤلاء (الرهائن),ويبقى الأمل بعد الله على هذه الوعود معقود، ولكن الوقت والزمان لا يستطيع تحديده إنسان كائنا من كان وأن معرفتنا بعدونا تفرض علينا التفاؤل الحذر دوما.

وإلى أن تأتي تلك الساعة التي تعانق بها أرواح هؤلاء المأسورة قبل أجسادهم، نسأل الله أن يطوي بعدهم وأن يلم شملهم , وأن تعود البسمة لترتسم على وجوههم ليعودوا لبيوتهم وأطفالهم وزوجاتهم وأحبابهم، وعسى أن يكون ذلك اليوم قريبا.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026