د أحمد محمد بحر يعتبر الإخوان المسلمون فلسطين جزءا مهما من كيان الوطن الإسلامي وقد أكد الإخوان على ذلك فقالوا وما الشعب الفلسطيني إلا أخ لنا فمن قعد عن فلسطين فقد قعد عن الله ورسوله…
د. أحمد محمد بحر
يَعتبر الإخوان المسلمون فلسطين جزءاً مهماً من كيان الوطن الإسلامي، وقد أكد الإخوان على ذلك فقالوا " وما الشعب الفلسطيني إلا أخ لنا فمن قعد عن فلسطين فقد قعد عن الله ورسوله وظاهر على الإسلام ، ومن أعانها وبذل لها وأمدها فقد انتصر لله ولرسوله ودافع عن الإسلام ". ويرى الإخوان أن الصراع مع اليهود له طبيعة خاصة ولا يجعلون من بين الوسائل الحل السلمي لأنه صراع بين الإسلام والصهيونية، وذلك نظراً لتاريخهم الأسود وطبيعتهم الخبيثة في نقض العهود والخيانة والغدر وسفك الدماء والتاريخ يشهد على ذلك في كل مراحل حياتهم حتى في حال ضعفهم فما بالك في حال قوتهم وغطرستهم. كما يعتقد الإخوان اعتقاداً جازماً بأن فلسطين جزء من العقيدة الإسلامية وأن أرضها وقف إسلامي على جميع أجيال المسلمين في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم إلى يوم القيامة لا يجوز لأحد كأئناً من كان أن يفرط أو يتنازل ولو عن جزء صغير منها، فهي ليست ملكاً للفلسطينيين العرب بل هي ملك للمسلمين جميعاً، فعلى المسلمين في كل مكان أن يساهموا عملياً في تقديم المال والدم للدفاع عنها. يقول الإمام البنا مصوراً مكانة فلسطين في نفوس الإخوان " وفلسطين تحتل في نفوسنا موضعاً روحياً قدسياً فوق المعنى الوطني المجرد إذ تهب علينا منها نسمات بيت المقدس المباركة، وبركان النبيين والصديقيين والمسيح عليه السلام وكل ذلك ينعش النفوس ويغذي الأرواح" لذا فقد عرَّف البنا الجهاد ومراحله فقال الفريضة الماضية إلى يوم القيامة. والمقصود بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية وأول مراتبه إنكار القلب وأعلاها القتال في سبيل الله وبين ذلك جهاد اللسان والقلم واليد وكلمة الحق عن السلطان الجائر. ولا تحيا الدعوة إلا بالجهاد، وبقدر سمو الدعوة وسعة أفقها تكون عظمة الجهاد في سبيلها وفخامة الثمن الذي يتطلب لتأيدها وجزالة الثواب للعاملين " فالإخوان يرون أن الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة إذا دنست أرض الإسلام، وحيث أن فلسطين مغتصبة فالجهاد فريضة مهما كلفهم من دم ومال.
ولأن لها أهميتها الإستراتيجية فهي خط الدفاع الأول عن البلاد العربية، وحلقة الوصل بين آسيا وأفريقيا، فقيام دولة اليهود في فلسطين تعتبر الخنجر المسموم لطعن الأمة العربية وتشكل خطراً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأخلاقياً على المنطقة كلها. لذا فقد آمن الإخوان بأن بناء إنسان العقيدة وإحياء فريضة الجهاد واجب في حقهم بعد أن تخلت الأمة عن هذا الواجب وابتلت بأنظمة فاسدة تدور في فلك الأعداء بل تعمل من أجل طمس معالم الجهاد في نفوس شعوبها.
لقد جاء مجدد القرن العشرين الإمام حسن البنا من أجل استنهاض الأمة وتربية الجيل وإعداده لخوض معركة التحرير في فلسطين وخاصة بعد أن سمع استعانة إخوانه المجاهدين في فلسطين ونداء الشيخ أمين الحسيني مفتي فلسطين حين قال أدركوا فلسطين قبل أن تصبح أندلساً أخرى. فتجاوب الإخوان باسم مرشدهم فكانوا أول من طرق أسماع المصريين ولفت أنظارهم إلى القضية الفلسطينية وهم أول من عرَّفوا الناس بالخطر اليهودي الذي تدعمه بريطانيا وأوروبا فشكلوا قوافل الدعوة لتجوب أنحاء مصر والعالم العربي والإسلامي لتعريف الناس بهذا التآمر على القضية الفلسطينية ومن أهم تلك الخطوات التي اتخذها الإخوان لنصرة فلسطين نلخصها فيما يلي
أولاً فضح الإنجليز وكشف تآمرهم على فلسطين والأمة العربية، فقام الإخوان بتوزيع المنشورات ضدهم كما وزعوا عشرات الآلاف من كتاب (النار والدمار في فلسطين) الذي فضح فيه المظالم التي كان الإنجليز يوقعونها بالمجاهدين الفلسطينيين وكان الكتاب يحتوي على خمسين صورة فوتوغرافية للإنجليز وهم يعذبون المجاهدين، وصورة أخرى وهم يمزقون المصحف الشريف ويدوسونه بأرجلهم وقد وزع هذا الكتاب على كل أنحاء مصر فجن جنون الإنجليز، فقامت قوة من البوليس المصري وداهمت دار الإخوان في القاهرة وصادروا النسخ الباقية وعددها 750 نسخة واقتادوا البنا إلى السجن وقد تم استجوابه من قبل وكيل النيابة على النحو التالي س- هل أنت صاحب الكتب، ج- نعم أنا صاحبها، س- ألا تعلم أن هذه الكتب تهاجم السلطات وتثير الشعب ضد دولة صديقة؟ ج- أعلم ذلك ولقد قصدت مهاجمة هذه السلطات ومهاجمة الدولة الحليفة. س- ألا تعلم أن القانون يعاقب على هذه الجريمة؟ ج- أعلم وأنا لا أمانع في إحالتي إلى القضاء لأني معترف بهذه الجريمة ومُصرٌّ عليها. ومن ثم فقد رفع التقرير إلى السفير البريطاني في مصر ليقول كلمته، وبعد أن قرأه قال لقد استطاع هذا الرجل أن يضحك عليكم، لقد وزع الكتاب وأصبح في أيدي الناس، وقد قدمتم أعظم خدمة لهذا الرجل فإذا ما قدم إلى المحكمة فإنه سيتخذ من هذه القضية وسيلة لنشر أفكاره ثم قال أطلقوا صراحه فوراً، وفعلاً فقد أطلق سراح البنا قبل أربع وعشرين ساعة.
ثانياً إيماناً من البنا بالجهاد وحفاظاً على استمراريته فقد بعث شباباً من الإخوان المسلمين سنة 1935 ليقفوا بجانب إخوانهم في فلسطين بقيادة الشيخ عز الدين القسام، وقد شاركوا مشاركة حقيقية كما أوفد البنا الصاغ محمود لبيب لفض المنازعات بين منظمة النجادة والفتوة وقد وفقه الله للصلح بينهما وأصر المجاهدين في فلسطين على أن يظل بينهم ليقوم بتدريبهم وقد استجاب لهم إلا أن الإنجليز طردوه من البلاد. كما قام الإخوان بتكوين فريق لجمع السلاح والذخيرة وجمع التبرعات وفتح معسكرات التدريب استعداداً للمعركة، وقد وجه البنا المجاهد محمود عبده إلى سوريا لإقامة معسكرات التدريب هناك من أجل فلسطين.
ثالثاً تعبئة الجماهير وحشدها عبر عقد المؤتمرات وتسيير المظاهرات لنصرة فلسطين، فكان أول مؤتمر شعبي من أجل فلسطين عقد بدار الإخوان حضرته وفود شعبية ورسمية ثم كان أول مؤتمر برلماني دعا إليه الإخوان سنة 1938م حضره برلمانيون من مصر والعراق وسوريا والسودان ولبنان. وبعد قرار التقسيم في 29/11/1947 رفض الإخوان هذا القرار ودعوا الشعب المصري للتظاهر فخرج الإخوان بمظاهرة عارمة اشترك فيها الأزهر والجامعات والمعاهد والقادة والزعماء وكانت الكلمة الأخيرة لحسن البنا الذي قال كلماته المشهورة. لبيك فلسطين دماؤنا فداء فلسطين وأرواحنا للعروبة ... إنني أعلن من فوق هذا المنبر أن الإخوان المسلمين قد تبرعوا بدماء عشرة آلاف متطوع للاستشهاد في سبيل فلسطين وهم على أتم الاستعداد لتلبية ندائكم.
رابعاً عندما أعلنت بريطانيا عن سحب قواتها من فلسطين في آيار 1948 لإنهاء وجودها وتسليم اليهود لفلسطين. أدرك الإخوان أن ساعة الصفر قد حانت فأعن البنا النفير العام في جميع شعب الإخوان في مصر فتدفق المتطوعون بالآلاف من أنحاء مصر إلى المركز العام للإخوان في القاهرة ولما بدأوا بتجهيز أنفسهم للتوجه نحو المعركة فوجئوا بقرار جامعة الدول العربية بمنع دخول المتطوعين واختصار ذلك على الجيوش النظامية إلا أن الإخوان أدركوا هذه اللعبة فتقدموا للتطوع تحت إشراف الجامعة العربية فاضطرت إلى التسليم بالأمر الواقع، واختار الإخوان الضابط الشهيد أحمد عبد العزيز قائداً عاماً لمتطوعي الإخوان المسلمين في فلسطين.
وفعلاً فقد دخل الإخوان المسلمون فلسطين في مارس 1948م أي قبل دخول الجيوش العربية النظامية بشهرين، ولم يكن الإخوان المصريون وحدهم في الميدان فقد شاركهم إخوانهم في الأردن بكتيبة على رأسها مرشد الإخوان عبد اللطيف أبو قودة، وكذلك الإخوان في سوريا فقد اشتركوا بقيادة مرشدهم الدكتور مصطفى السباعين أما الإخوان في فلسطين حيث كان عدد شعبهم عشرين شعبة فقد فتحوها للتدريب والتجهيز والانطلاق وبعد هذا الاستعداد لخوض المعركة ورغم المضايقات والمؤامرات فقد اتصل حسن البنا بالملوك والرؤساء العرب قائلاً لهم خلو بيننا وبين اليهود نحن المسلمين وإذا ضاعت فلسطين منا فاشنقوني وإخواني في الميادين العامة.
وفعلاً دخلت كتائب الإخوان المعركة وكبدت اليهود خسائر في الأرواح والمعدات وكانت معركة كفار ديروم والتبة 86 وصور باهر، واستطاع الإخوان أن يحموا ظهر الجيش المصري في الانسحاب. لقد امتاز الإخوان بالشجاعة النادرة مما جعلت القائد العام للجيش المصري اللواء فؤاد صادق أن يطلب من الحكومة المصرية بالانعام بأوسمة عسكرية رفيعة على الإخوان اعترافاً بجهادهم وشجاعتهم في المعركة.