بعد 5 أعوام ما زلنا أمضى عزمًا وأقوى إرادة

أمين أبو راشد
2015-06-02

ونحن نعيش في ظلال الذكرى الخامسة للاعتداء على أسطول الحرية الأول وقتل عشرة من المتضامنين على متنه يسير الأسطول الثالث في هذه الأثناء باتجاه غزة كسرا لحصارها البحري وتأكيدا لحقها…

ونحن نعيش في ظلال الذكرى الخامسة للاعتداء على أسطول الحرية الأول، وقتل عشرة من المتضامنين على متنه؛ يسيرُ الأسطول الثالث في هذه الأثناء باتجاه غزة كسرًا لحصارها البحري، وتأكيدًا لحقها في ميناء وممر مائيين يربطانها بالعالم الخارجي.
لقد مرت خمس سنوات سريعًا، وكان لذلك الأسطول صداه الكبير ونجاحاته المتعددة، لقد ساهم بشكلٍ أو بآخر بتخفيف الحصار عن قطاع غزة، ولفت أنظار جميع العالم إلى تلك البقعة الصغيرة المحاصرة منذ تسعة أعوام، إلى جانب أنه كشف الوجه الحقيقي لسلطات الاحتلال الإسرائيلي عندما اعتدت على المتضامنين الأجانب العزل إلا من إنسانيتهم.
تأتي هذه الذكرى ونحن أمضى عزمًا وأقوى إرادة على مواصلة طريق هؤلاء الشهداء الذين ارتقوا على متن السفينة التركية (مافي مرمرة)؛ لنرسل رسالة لكل من حاول إعاقة سير الأسطول مفادها أننا سنبقى في كل ميدان ندافعُ عن المظلومين ونحمل همهم وقضيتهم.
لقد كانت مشاركتي في الأسطول الأول تجربة فريدة من نوعها، بما واكبته من أحداث وردود أفعال، وتأثير فريد جعل العالم أجمع يتحرّك من أجل قضية تعمّد المجتمع الدولي الرسمي تجاهلها، إنها "أسطول الحرية"، إنها حصار غزة، إنها الإنسانية والحرية بكل معانيهما.
جاء المتضامنون على متن السفينة من كل أنحاء العالم في مشهدٍ غير مسبوق، متحدين الاحتلال وحاملين أرواحهم على أكفهم، صحيح أنهم لم يدخلوا غزة بفعل هجمات الاحتلال الإسرائيلي على السفينة، لكنهم أدخلوا حصار غزة كل الأروقة، ولفتوا أنظار العالم أجمع إلى معاناة 1.8 مليون فلسطيني داخل القطاع.
كان أسطول الحرية الأول الأكبر من حيث عدد المشاركين والسفن المنضمة إليه من نحو 32 دولة، إذ بعث بإشاراتٍ عميقة التأثير وفائقة الدلالة في مشهدٍ إنساني متكامل للتضامن مع المحاصرين في قطاع غزة، ومع التحديات الكثيرة والكبيرة وضوح الهدف كان دافعًا لتجاوز العقبات.
مع ساعات الفجر الأولى يوم الإثنين الحادي والثلاثين من أيار (مايو) _وهو يوم حُفر بدماء شهداء الأسطول وجرحاه_ أقدمت القوات البحرية الإسرائيلية تساندها مروحيات حربية على تنفيذ عملية الاستيلاء على السفن، إذ كان واضحًا تعمّدهم إيقاع شهداء وجرحى في صفوف المئات من المتضامنين على متن السفن، وكان مشهودًا للمتضامنين أنهم أبدوا صلابة وثباتًا كبيرين، في أثناء خطف السفن، وفي أثناء التحقيق معهم في ميناء أسدود، ولدى وصولنا إلى سجن بئر السبع في جنوب فلسطين المحتلة سنة 1948م.
في أثناء وجودي في الزنزانة بسجن بئر السبع مع ثلاثة متضامنين آخرين أطلقنا فكرة "أسطول الحرية 2" من داخل السجون الإسرائيلية، فمنذ اللحظة الأولى لاعتقال المئات من المتضامنين الذين كانوا على متن السفن بدأنا التفكير بإعادة المحاولة من جديد.

لقد كان الأسطول زلزالًا إنسانيًّا ضرب أصقاع الدنيا، لم تبق جهة رسمية أو منظمة حقوقية أو إنسانية إلا وعبرت عن إدانتها للمجزرة الإسرائيلية بحق سفن الأسطول الدولي الإنساني، إذ عمل أسطول الحرية كمعول أحدث تصدعًا في جدار الحصار، وكان أول التشققات هذه إعلان الاحتلال "تخفيف الحصار"، مع أن هذا القرار هدفه الالتفاف على الضغوط الدولية.
وينطلق هذه الأيام أسطول الحرية الثالث في ظل توقعات لاستخدام الاحتلال الإسرائيلي العنف في مواجهة النشطاء على متنه، خاصةً بعد اعتدائه على الأسطول الأول في محاولة منه لمنع وصول المساعدات إلى قطاع غزة، وهو ما يستوجب وقوف المجتمع الدولي وقفة جادة، والضغط على السلطات الإسرائيلية من أجل وضع حد للانتهاكات المستمرة بحق النشطاء الدوليين الذين يحاولون كسر حصار غزة، الذي يدخل عامه العاشر في حزيران (يونيو) القادم.
إن الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة طيلة هذه السنوات يتنافى هو والتزامات سلطات الاحتلال الإسرائيلي بموجب القوانين والاتفاقيات الدولية، إذ حمّلت اتفاقية جنيف الرابعة (1949م) الكيان العبري الذي وقعها مسؤولية أمن ورفاهية المواطنين الذين يعيشون في الأراضي التي تقع تحت احتلاله.
حصار قطاع غزة يمثل عقابًا جماعيًّا للسكان الموجودين فيه، ومخالفة للمادة الـ(33) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي نصت على أنه "لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصيًّا، وتحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب".
نتمنى أن تكون هذه الذكرى الخامسة للاعتداء على أسطول الحرية الأول بداية النهاية لهذا الحصار الظالم على قطاع غزة، وأن يتحرك المجتمع الدولي ومنظماته فعليًّا من أجل كسره وإنهاء معاناة السكان المحاصرين للسنة التاسعة على التوالي.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026