ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون…
{وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ} التوبة (58 - 59)
من الأيام الأولى لانطلاق الحملة الانتخابية شرعت الآلة المضللة تنسج الأكاذيب، وتلتقط السقطات، وتحرف الكلام عن مواضعه، وعلى سبيل المثال فقد أجاب فضيلة الشيخ سليمان أبو زيد عن سؤال حول متقاعد يتقاضى أضعاف ما كان يأخذه إبان مزاولته عمله، فأجاب بضرورة تخفيض راتب التقاعد عن الراتب الأصلي ، كما تقضي بذلك قوانين الخدمة، وكان ذلك في برنامج عبر إذاعة الأقصى بصدد سياسة قائمة التغيير والإصلاح حول العمل والعمال.
وفي اليوم التالي نزلت ألوف المنشورات تحذر من اختيار قائمة حماس، لأنهم يبيتون تخفيض رواتبكم أيها الموظفون ، ولما كان السؤال المذكور يتعلق برجل كان يعمل في جهاز أمني ، فقد أثير ذلك البهتان في أوساط المنتسبين إلى الأجهزة الأمنية ترهيباً لهم من منح أصواتهم لقائمة حماس، ولم يكد يخلو يوم من إفك أو بهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم ، ولم نكن معنيين بالانزلاق في معترك المهاترات، واكتفينا بأن نقول حسبنا الله ونعم الوكيل، وقد ظهر ذلك في نتائج الانتخابات، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فقد كانوا يمارسون دعاية لنا بشتمنا، لأن من يعرف سيرتنا وسيرتهم يزداد إيماناً وولاء لنا، ومن لا يعرفنا يبحث عنا، فيجدهم شراً مكاناً، وأضل عن سواء السبيل.
وقد اعتقدنا أن تلك الحملة التضليلية تنتهي بانتهاء موسم الاقتراع، لكن نتيجة المنافسة زادت من أوارها بعد أن نحى الشعب الفلسطيني تلك الزمرة عن التأثير في مستقبله وحاضره، فراح من تولى كبر الإفك يثير المخاوف بتخفيض الرواتب، بل قد قيل لما يسمى بالجيش الشعبي، وهو الذي عهد إليه بحماية الدفيئات الزراعية، أن مكرمة حماس ستوقف رواتبكم، فانصرفوا عن الحراسة، وافعلوا في تلك الدفيئات ما تشاؤون، وفي أيام معدودات كان التخريب والنهب يغزوها، كما غزا أكثر المرافق العامة التي خلفها المستوطنون وهم يهربون، وكان من آخر ذلك الفساد أن بركة ضخمة لتجميع مياه الأمطار، كان الصهاينة يروون منها تلك الدفيئات، قد جرى الإيعاز بتخريبها، حتى تتسلم حكومة حماس تلك المنطقة صعيداً جرزاً، ولا زال العابثون يبيتون المزيد من مظاهر الإفساد ، لعلهم يحولون دون نجاحنا في انتشال شعبنا من الحضيض الذي أوصله أولئك المفسدون إليه، بل قد يكون الإجرام قد ذهب إلى حد التخطيط للانقلاب على خيار الشعب الفلسطيني، وما الأحداث المفتعلة هنا وهناك بإطلاق النار على المجاهدين إلا إرهاصات الفتنة التي يراد أن تحول دون التئام التشريعي، أو القدرة على إجراء المشاورات لإرساء قواعد الحكومة ، حكومة التغيير والإصلاح والإنقاذ الوطني.
وإذا كان كل هذا الكم من الإفك المفترى ونحن لازلنا على الشاطئ، فكيف يكون الحال يوم نتحمل المسؤولية، وترسم أولويات الميزانية، كي لا يكون المال دولة بين الأغنياء منكم؟! إنه إذا كانوا اليوم قد سلقوكم بألسنة حداد، فإنهم في الغد ستندلع ألسنتهم إلى صدورهم تباكياً على العدالة، ونحيباً على المساواة، إلا أن يشاء الله غير ذلك.
اما هاتان الايتان فقد جاءتا في معرض فضح المنافقين الذين تخلف اكثرهم عن غزوة تبوك ،ورضوا بان يكونوا مع الخوالف من النساء والعجزة وكره الله انبعاثهم فثبطهم ،وقيل اقعدوا مع القاعدين .
انها تصفهم بسوء الاداب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما يقسم الصدقات او الغنائم ،حيث يلمزون قسمته ،ويقولون له اعدل ،فانها قسمة ما اريد بها وجه الله تعالى ،ولكنهم لو كان لهم نصيب منها فانهم سيثنون عليها ،ويرضوا بها ،بينما لو حرموا منها لاظهروا السخط العريض ،ولانكشفت اضغانهم .
وقد ورد في سبب نزولها روايات عدة اكتفي منها بما نسبه ابن كثير الى الصحيحين ان ذا الخويصرة التميمي قد حضر قسمة غنائم حنين فاعترض قائلا اعدل ،فانك لم تعدل ،فاجابه النبي صلى الله عليه وسلم "لقد خبت وخسرت ان لم اكن اعدل " ،ثم قال وقد رآه مقفيا انه يخرج من ضئضئ هذا -أي من صلبه ونسله - قوم يحقر احدكم صلاته مع صلاتهم،وصيامه مع صيامهم ،يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ،فاينما لقيتمهوهم فاقتلوهم ،فانهم شر قتلى تحت اديم السماء ".
ان المنافقين لا يلمزون المؤمنين غضا للعدل ،ولا حماسة للحق ،ولا غيرة على الدين ،انما يعيبون ذلك لفوات حظوظهم ،ولذلك ان كان لهم كفل منها صمتوا ورضوا ،واعتقدوا ان ذلك هو العدل .
ومن هنا فان الاية الثانية تتحدث عن الادب اللائق مع الله ورسوله ،وهو ما يتصف به المؤمنون المتوكلون على الله ،انه ادب النفس وادب اللسان ،وادب الايمان.
اما الاول فهو الرضا بما اتاهم الله ورسوله ،مهما كان قليلا واما ادب اللسان فهو قولهم (حسبنا الله ) أي يكفينا فضل الله وعطاؤه ،واما الثالث فهو الايمان بان الله عزوجل سيؤتينا من فضله رزقا ،وان الرسول وخلفاءه من بعده ،سيعطوننا قسما وعدلا ،لذلك فان رغبتنا تتوجه الى الله وحده ان يوفقنا لطاعته ،وان يؤتينا من الدنيا ما نستعين به على عبادته ،انفاقا في سبيل الله ،وتكافلا مع عباده.
وهنا لا بد من التنبيه الى حسن تدبير الله سبحانه وتعالى ،فان الناس اذا تخوفت من الحرمان او الظلم بفعل شائعات المرجفين والذين في قلوبهم مرض ،ثم رأوا انهم لم يظلموا ،وان احدا لم يحرم من وظيفته ،ولم يقص عن عمله ،ستنقلب الصورة ،ويزدادون ولاء لمن يعتقدون ان العدل اساس الملك ،واحد خدمة الناس من اجل الطاعات ،فاننا خير امة اخرجت للناس ،وخاصة اذا لمسوا عزوفنا عن الدنيا ،واننا نؤثر ابناء شعبنا على انفسنا ،ولو كان بنا خصاصة ،واضعف الايمان ان نحب لهم ما نحب لانفسنا ،وان ذلك هو الذي يرينا الناس يدخلون في دين الله افواجا ،وهذا من حسن تدبير الله العليم الحكيم .
ان الذين يخوفون الناس اليوم هم الذين فرضوا عليهم الجوع المصطنع ،والحرمان المبرمج،والا فما السبب في غول الاسعار ولا الاحتكار الذي يعبده الكبار صورة الصغار نفوسا ؟ وماذا يعني وجود عشرين الف وظيفة وهمية ؟ومثل ذلك من الوظائف المقنعة دون حاجة حقيقية ،الا بسبب الرشاوي الطائلة التى وقعت في ايدي القلة التى باتت تهرب ثرواتها الطائلة خارج الارض المحتلة ؟ وهل يعقل ان يكون حجم الاختلاسات في عشر سنين بالاف الملايين ؟ ثم من الذي ورطنا في اتفاقية باريس المذلة ؟ ومن الذي ربطنا باقتصاد عدونا ،بحيث يبيع لنا ما كسد من الحاجات ،وباضعاف اسعار الجيد منها ؟ من الذي كان يجلب الدواء المجاني باسم الجرحى او الاسمنت الممتاز بدعوى بناء المساكن التي دمرها الاحتلال ثم يباع للصهاينة ليبنوا به الجدار والقرى المحصنة ؟ ،ولكن حسبنا الله ،سيؤتينا الله من فضله ورسوله ،انا الى الله راغبون.