د أحمد محمد بحر لأول مرة في تاريخنا المعاصر تجري انتخابات توصف بالنزاهة والشفافية ويشهد لها بذلك العدو قبل الصديق إنها انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني التي تم إجراؤها في م…
د. أحمد محمد بحر
لأول مرَّة في تاريخنا المعاصر تجري انتخابات توصف بالنزاهة والشفافية ويشهد لها بذلك العدو قبل الصديق، إنها انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني التي تم إجراؤها في 25/1/2006م بنجاح وبدرجة امتياز، بل إنها كانت مفخرة للشعب الفلسطيني، إنها العرس الفلسطيني الديمقراطي التي أثبتت للعالم أننا شعب حضاري قادر على بناء وطنه ورص صفوفه رغم أنها جرت في ظروف الاحتلال الصهيوني البالغة الصعوبة إلا أنها أعطت النموذج الحي للممارسة الديمقراطية الحقة.
لقد اختار شعبنا برنامج قائمة التغيير والإصلاح والذي يدعو إلى المحافظة على الثوابت الفلسطينية وتعزيز الوحدة الوطنية وحماية مشروع المقاومة وإنهاء الفساد الإداري والمالي وإرساء قواعد العدالة والمساواة وسيادة القانون حتى يعيش الناس في أمن وأمان واطمئنان، ومع ذلك فقد جاءت ردَّات الفعل الأمريكية والأوروبية والصهيونية تجاه الفوز الكبير لحماس بصورة جنونية أفقدتهم صوابهم فأسرعوا بالإعلان عن وقف كافة المساعدات إذا لم تعلن حماس نبذ العنف والاعتراف بإسرائيل، والالتزام بالاتفاقيات الموقعة واللجوء إلى المفاوضات كأسلوب وحيد من أجل نيل الحقوق كما يزعمون.
إن الناظر لمجريات ما يسمى بعملية السلام ومنذ انعقاد مؤتمر مدريد عام 1991م ومروراً باتفاقية أوسلو وتنت وميتشل وأخيراً خارطة الطريق يرى أن الفلسطينيين لم يجنوا منها شيئاً يذكر، بل ازداد التوغل الصهيوني إلى عمق الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، فعلى سبيل المثال في عام 1991م كان هناك أقل من مائة ألف مستوطن يهودي في أراضي الضفة أما اليوم فقد بلغ عدد المستوطنين 260 ألفاً، و 200 ألف في مدينة القدس الشرقية.
لقد كان من ثمرة تلك الاتفاقيات أن اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بدولة إسرائيل وتنازلت عن أكثر من 75% من الأراضي الفلسطينية، وتغيير ميثاق منظمة التحرير بحيث شطب البند الذي يدعو إلى الكفاح المسلح لتحرير فلسطين ومع ذلك فهل اعترفت إسرائيل بالسلطة ؟ بالطبع لم تعترف بل إنها لم تعترف بوجود شريك فلسطيني في عملية السلام فكان الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب. كما وُعد الفلسطينيون بإعطائهم دولة في الضفة وغزة بعد خمس سنين فاحتلت الضفة والقطاع من جديد وزاد بناء المستوطنات وأقاموا الجدار العنصري واستمروا في بنائه رغم قرار محكمة لاهي الدولية بوقف البناء. وأخيراً حاصروا ياسر عرفات رحمه الله في المقاطعة ثم قتلوه بالسم، ثم جاء السيد محمود عباس رئيساً للسلطة ببرنامج التسوية فماذا قدَّم الإسرائيليون له !! إنهم لا يبغون من كل الاتفاقيات إلا حماية أمنهم والقضاء على المقاومة وفي نفس الوقت يريدون من الضحية أن تعترف بوجودهم، ولذا فإن محاولة الضغط على حماس لكي تعترف بإسرائيل مسألة مرفوضة لأن حماس التي قدَّمت الشهداء والأسرى والجرحى وشاركت مع أبناء شعبها في دحر الاحتلال عن أرض غزة لن تخضع للضغوط والإملاءات الأمريكية، فالاحتلال الذي اغتصب الأرض وشرد أهلها ودنس مقدساتها لا شرعية لوجوده ولا اعتراف به ما دام جاثماً فوق أرضنا ومن حقنا أن ندافع عن أنفسنا وهذا ما كفلته الشرائع السماوية والقوانين الدولية. فحماس لن تبدل ولن تغير برنامجها الذي انتخبت عليه وستظل محافظة على الثوابت حتى تحرير فلسطين كل فلسطين، وستظل وفية لدماء الشهداء ولن تعترف بشرعية المحتل.
أما بالنسبة لإعلان الرباعية وأمريكا قطع المساعدات عن السلطة بعد فوز حماس فهذا موقف يتناقض مع مفهوم الديمقراطية التي ينادون بها فقد جرت الانتخابات بطريقة سليمة لا تشوبها أي شائبة عبر الوفد المراقب برئاسة الرئيس الأسبق جيمي كارتر، فهل يجوز رفض نتائج هذه الانتخابات وهم الذين يحاولون فرض الديمقراطية في المنطقة بحجة أنها لا تمارس الديمقراطية بصورة مرضية.
إن شعبنا الذي يعيش تحت الاحتلال ويعاني من العدوان المستمر ومصادرة الأراضي والحصار وبناء الجدار والاستمرار في تهويد القدس والعمل على تفريغها من أهلها واعتقال الآلاف وتشريد الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني لهو بحاجة إلى مساعدة مادية ومعنوية من أجل الدفاع عن نفسه في مواجهة الاحتلال المجرم. فعلى أمريكا والأوروبية أن تحترم خيار الشعب الفلسطيني فبدلاً من الضغط على الضحية عليهم أن يمارسوا الضغط على الجاني القاتل الذي احتل الأرض وسفك الدماء ودنس المقدسات عليهم أن يقولوا لإسرائيل كفى !! فالمشكلة تكمن في الاحتلال وليس في حماس التي انتخبها شعبها.
إن هذا الموقف المنحاز لإسرائيل يتنافى مع مبدأ الديمقراطية وحقوق الإنسان فهل تريد الرباعية معاقبة الشعب الفلسطيني على ممارسته لحقوق الديمقراطية وإدلائه بصوته !! أم أنها تريد تقديم المساعدة من أجل شراء الذمم والابتزاز السياسي على حساب حقوق وكرامة شعبنا ، فشعبنا الذي طرد الاحتلال وقدم آلاف الشهداء والآلاف من الأسرى وعشرات الآلاف من الجرحى لا يساوم على إرادته وثوابته ووحدته.
إننا نؤمن بأن الرزق بيد الله وليس بيد أمريكا " وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ " الذاريات 22 ولدينا والحمد لله موارد زراعية وبترولية وبحرية ما يكفينا إن استغلت تلك الموارد استغلالاً حسناً بعيداً عن الاحتكار والنهب والسلب ولدينا أيضاً العمق العربي والإسلامي وأصحاب رؤوس الأموال الذين استعدوا لدعم وانعاش الاقتصاد الفلسطيني " وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ " الأعراف 96.
وأخيراً نقول إن الله سبحانه وتعالى اختار حركة حماس لتأخذ الأغلبية في البرلمان الفلسطيني وذلك لحكمة يريدها الله سبحانه وتعالى في انتصار الإسلام في فلسطين ليكون انطلاقة لحمل هذا النور للعالمين، وأحسب أن الله الذي اختار للمسلمين القتال في بدر – بعد أن كانوا قد خرجوا للقافلة – فكانت معركة حاسمة في تاريخ الإسلام سمَّاها الله بالفرقان فنصر المسلمين نصراً مؤزراً ونقلهم من حالة الاستضعاف إلى حالة القوة والمنعة " وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " الأنفال 26. لهو القادر سبحانه على نصر المؤمنين في فلسطين الذين رفعوا لواء الجهاد فقدموا آلاف الشهداء وعشرات الآلاف من الأسرى والجرحى وسيمكن لهم في الأرض لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفوا السفلى والله عزيز حكيم.