جاء قرار محكمة مصرية بعد حركة حماس منظمة إرهابية ليضيف إلى طين نظام القاهرة بلة خسارة الملف الفلسطيني والإطاحة بالعلاقات التاريخية الوثيقة بين الشعبين الفلسطيني والمصري المعروف…
جاء قرار محكمة مصرية بعدّ حركة حماس "منظمة إرهابية" ليضيف إلى طين نظام القاهرة "بلة" خسارة الملف الفلسطيني، والإطاحة بالعلاقات التاريخية الوثيقة بين الشعبين الفلسطيني والمصري المعروف بمناصرته للقضية الفلسطينية.
قرار المحكمة المصرية عدّ حركة حماس "منظمة إرهابية" سينعكس سلبًا على قطاع غزة وعلى مصر في آن معًا، وسيلقي بظلاله على الملفات التي ترعاها القاهرة.
رفضت حماس القرار، ووصفته في بيان رسمي بأنه "صادم" و"خطير جدًّا"، ويمثل تحولًا في العلاقة المصرية الفلسطينية، ودأبت الحركة على نفي أي علاقة لذراعها العسكرية بتنفيذ أي هجمات داخل الأراضي المصرية، وأكدت باستمرار أن سلاحها لا توجهه إلا إلى "الاحتلال الإسرائيلي"، لكن للسياسة في مصر حسابات أخرى.
لا تريد حماس أن تتأزم علاقتها مع الدول العربية، خاصة مع مصر، وهي تسعى جاهدة لتحسين علاقتها مع النظام الحالي في مصر، ولكن هذا القرار جاء صادمًا للحركة، ومربكًا للعلاقات الفلسطينية المصرية.
قد يكون للقرار تداعيات سلبية على قرابة مليوني فلسطيني في قطاع غزة، يعيشون في ظل حصار خانق، وإغلاق للمنفذ البري الوحيد، وعلى هذا إن من الحكمة تخفيف آثار هذا القرار عبر اتصالات إقليمية مع دول المنطقة لتدارك آثار القرار، وقد يكون له تداعيات خطيرة على قطاع غزة، وقد يلقي بظلاله على المشهد الحياتي واليومي لسكان قطاع غزة، ويزيد من آلام الحصار المفروض عليهم؛ فمعبر رفح ربما يتواصل إغلاقه، ما يعني تفاقم معاناة المواطنين، واشتداد الحصار؛ لأن المعبر هو متنفس القطاع ومنفذه البري الوحيد إلى الخارج.
إذ دأبت السلطات المصرية على إغلاق معبر رفح الواصل بين قطاع غزة ومصر بصورة شبه كاملة، وتفتحه فقط لسفر الحالات الإنسانية، وذلك منذ عزل الرئيس المصري محمد مرسي في تموز (يوليو) 2013م، وما أعقبه من هجمات استهدفت مقار أمنية في شبه جزيرة سيناء المتاخمة للحدود.
رعاية مصر للملفات الفلسطينية ستتأثر، خاصة أن حركة حماس تمثل جزءًا فاعلًا في تلك الملفات، إذ تلعب مصر دورًا رئيسًا في ملف المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس، كما تقوم بدور الوسيط بين الاحتلال وحماس، إذ رعت نهاية آب (أغسطس) من العام الماضي اتفاقًا لوقف إطلاق النار بينهما، أنهى حربًا على القطاع دامت 51 يومًا.
لا يمكن في هذا السياق إغفال أن قرار المحكمة المصرية جاء عقب حملات التحريض التي تشنها بعض وسائل الإعلام المصري تجاه حركة حماس وغزة؛ فعلاقة حماس مع مصر توترت بدرجة كبيرة عقب عزل الرئيس محمد مرسي في الثالث من تموز (يوليو) 2013م، إذ اتهمتها وسائل إعلام مصرية مقربة من السلطات بالضلوع في هجمات وتفجيرات إرهابية تستهدف سيناء، وهو ما تنفيه الحركة باستمرار، ولا تمتلك السلطات المصرية أي دليل دامغ عليه.
وشددت السلطات المصرية من إجراءاتها الأمنية على حدودها مع قطاع غزة، حيث طالت تلك الإجراءات حركة الأنفاق المنتشرة على طول الحدود المشتركة، مع إغلاق معبر رفح البري وفتحه استثنائيًّا على فترات متباعدة للحالات الإنسانية.
في 28 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي بدأت الأجهزة الأمنية بمصر المرحلة الأولى من عملية إخلاء منطقة الشريط الحدودي مع قطاع غزة، بعمق 500 متر، حيث أخلت 680 منزلًا، وقررت في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي زيادة مساحة "المنطقة العازلة" من 500 متر إلى كيلو متر، بحسب ما نشرته وكالة الأنباء الرسمية المصرية في حينه.
هناك خشية حقيقية في قطاع غزة الآن مع استعار التحريض الإعلامي ضد حركة حماس، ووصول تأثيره إلى القضاء المصري؛ أن يصار إلى ضرب قطاع غزة، على غرار ما جرى في درنة الليبية، بذريعة الحرب على "الإرهاب".
كانت "حماس" تتحفظ على أي مواجهة مع مصر، وإن كانت إعلامية، لكن الحكم القضائي المصري وما يبدو أنه تحذيرات وصلت إليها من أطراف مختلفة دفعاها إلى التصريح علانية، ومهاجمة نظام عبد الفتاح السيسي وقضائه.
لقد أصبحت مصر مع هذا الخلاف الجديد مع الحركة الفلسطينية الأكبر، وذات التأثير الواسع سياسيًّا وعسكريًّا؛ تتخلى شيئًا فشيئًا عن أوراق مهمة كانت بيدها حتى وقت قريب، وتنزع أسلحتها بأيديها، بعدما كانت "حماس" وغزة مدخل مصر إلى النفوذ في الخارج.
بيد أن نافذة الأمل لا تزال مفتوحة _على ما يبدو_ لتطويق "السعار الإعلامي والقضائي" المصري، فالمخابرات المصرية وجهت بطريقة غير مباشرة رسالة إلى "حماس"، أنّ قرار المحكمة ليس ملزمًا للحكومة المصرية والمخابرات، لكنّ الحركة طالبت بإلغاء القرار، وإعلان ذلك علنًا قبل أن تتخذ أي خطوة تهدئة تجاه ما تراه أكبر "مؤامرة" تحاك ضدها.
والمتحدث باسم "حماس" سامي أبو زهري صرح علنًا أنه مهما بلغ حجم التحالف الإسرائيلي مع النظام المصري فسيبقى الاحتلال الإسرائيلي هو العدو الحقيقي لشعوب المنطقة، وذلك بعدما ظهرت نشوة الارتياح الإسرائيلي للقرار القضائي المصري.
كانت حركة حماس _وستبقى_ حركة مقاومة لم تغير وجهتها، ولا أهدافها ولا إستراتيجيتها، ويكفي أنها دافعت عن شعبها وقضيته الوطنية، وخاضت ثلاث حروب دفاعًا عن شعبها وأمتها وكرامة العرب والأمن القومي العربي، وقرار محكمة مصرية "موتورة" ومتأثرة بالتحريض الإعلامي لن يغير من هذه الحقيقة، ولن ينجح في التأثير على متانة العلاقات بين الشعبين الفلسطيني والمصري.