ضيق الخيارات الإسرائيلية بمواجهة الصواريخ الفلسطينية

ضيق الخيارات الإسرائيلية بمواجهة الصواريخ الفلسطينية

حسين عطوي
2006-02-08

صحيفة الوطن القطرية يبدو المشهد في فلسطين المحتلة يتجه نحو مرحلة جديدة من اشتداد وتأجيج الصراع يجري فيها اختبار جديد لقدرة كل طرف على التحمل والصمود ذلك أن هذه المرحلة ستكون كما…

صحيفة الوطن القطرية

يبدو المشهد في فلسطين المحتلة يتجه نحو مرحلة جديدة من اشتداد وتأجيج الصراع يجري فيها اختبار جديد لقدرة كل طرف على التحمل والصمود. ذلك أن هذه المرحلة ستكون. كما يتوقع. أكثر عنفاً وتدميراً وإرهاباً من قبل "إسرائيل" التي تسعى إلى رسم سقف لطموحات الشعب الفلسطيني. بينما ينتظر أن يكون رد المقاومة أشد وأقوى من السابق. لفرض معادلة توازن رعب. على غرار المعادلة التي حققتها المقاومة في جنوب لبنان. تتمكن عبرها من خلق وقائع جديدة تجعل القادة الإسرائيليين يضطرون إلى التراجع لخطوات أخرى عن أحلامهم. وما يسمى بالخطوط الحمراء التي رسمها سابقاً لأي تسوية للصراع.

والأسئلة التي تطرح في هذا الإطار هي

- ما هي المؤشرات والمعطيات التي تؤشر على اتجاه الصراع في هذا المنحى؟

- هل ستتمكن المقاومة الفلسطينية من فرض معادلة من توازن الرعب على غرار ما حصل في جنوب لبنان؟

- أم أن ذلك سيكون صعب المنال؟

تشير المعطيات السياسية والوقائع الميدانية إلى أن "إسرائيل" وكذلك المقاومة قد أكملتا الاستعداد للدخول في جولة جديدة من التصعيد. اتفاق التهدئة الذي ضبط الصراع ضمن سقف منخفض طوال الشهور الماضية استنفد أغراضه إسرائيلياً وفلسطينياً على حد سواء.

فـ"إسرائيل" كانت تريد من الاتفاق خلق أجواء مواتية لتنفيذ انسحابها من قطاع غزة يظهر أنه لم يتم تحت نار المقاومة وإنما جاء في إطار خطة إسرائيلية للضغط على السلطة الفلسطينية من أجل وضع حد للمقاومة أو تفجير حرب أهلية فلسطينية. غير أن "إسرائيل" شعرت أن هذا الانسحاب لم يؤد إلى تحقيق أي من هذه الأهداف بل هناك خطر يواجهها وهو استمرار تهديد صواريخ المقاومة لمدينة عسقلان وسديروت. وأن هناك خوفاً إسرائيلياً من نشوء معادلة توازن رعب ما يؤدي إلى إحباط مخطط شارون من وراء خطة فك الارتباط التي أرادها أن تكون محطة لفصل قطاع غزة عن مجريات الصراع في الضفة الغربية وإخراجه كلياً من دائرة الفعل والتأثير ليسهل عليه تنفيذ مشروعه للاستيلاء على أكثر من 50% من أراضي الضفة وفرض رؤيته للحل النهائي.

والأمر الذي بات يقلق القيادتين السياسية والعسكرية الإسرائيلية هو الخشية من أن نجاح صواريخ المقاومة الفلسطينية في ضرب مواقع استراتيجية نفطية وكهربائية في محيط مدينة عسقلان سوف يؤكد السيناريو الأسود الذي رسمه معارضو خطة الفصل. كما تسود خشية فعلية من أن نجاحاً كهذا يقود إلى تقييد حركة الجيش الإسرائيلي وقدرته في حال نشوء معادلة توازن رعب أو الردع المتبادل. ولمنع نشوء هذه المعادلة اتخذت "إسرائيل" خطوات ميدانية تذكر بخطواتها التي اتخذتها في جنوب لبنان وهي

إقامة منطقة أمنية عازلة في شمال وجنوب قطاع غزة لمنع المقاومة من إطلاق صواريخها منها وبالتالي الحيلولة دون وصول هذه الصواريخ إلى مدن عسقلان وسديروت وغيرهما.

تهديد الشعب الفلسطيني. وخصوصاً القاطنين في قطاع غزة. بقطع الكهرباء وتدمير البنى التحتية والطرد وإعادة الاحتلال .. الخ إذا ما تكرر إطلاق الصواريخ.

توسيع نطاق الاغتيالات والعمليات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

أما فلسطينياً فتعتبر حركات المقاومة أن اتفاق التهدئة بات مؤخراً ينفذ من جانب واحد. فـ"إسرائيل" لم تتوقف عن الاستمرار في سياسة الاغتيالات والاعتقالات فيما هي لم تقدم على تنفيذ شروط الاتفاق لناحية إطلاق المعتقلين والانسحاب من المدن ووقف الاستيطان وبناء جدار الفصل العنصري.

بالمقابل فإن "إسرائيل" بعد الانسحاب من غزة تعمل للهروب من أي استحقاق للتسليم بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني عبر السعي إلى فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية والعمل على تنفيذ مخطط تهويد كامل القدس وقضم أكبر مساحة من أراضي الضفة وصولاً إلى فرض تسوية استسلامية على هذه القاعدة.

لذلك لم يعد من مصلحة الشعب الفلسطيني وقوى المقاومة الاستمرار باتفاق التهدئة وبات من الضروري الرد على هذه السياسة الإسرائيلية وفي هذا الإطار يمكن إدراج استئناف العمليات الاستشهادية في الأراضي المحتلة عام 48 وكذلك إطلاق الصواريخ من قطاع غزة باتجاه عسقلان وسديروت.

إن ما تقدم يظهر أن المواجهة التي بدأت مؤشراتها في الاشتداد سوف تتركز على نقطة أساسية وهي محاولة "إسرائيل" منع المقاومة الفلسطينية من رسم معادلة من توازن الرعب أو الردع المتبادل وبالتالي تكريس فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية. غير أن نجاح أو فشل "إسرائيل" في ذلك يقودنا للتوقف أمام جدوى الخطوات والسياسات التي ستعتمدها ومدى قدرتها على تحقيق هذا.

من المعروف أن السياسة الإسرائيلية تستهدف خلق واقع من المعاناة الفلسطينية تضغط على حركات المقاومة لوقف إطلاق الصواريخ وعملياتها من قطاع غزة من خلال الرد على أي عملية بقصف مدفعي للمناطق الفلسطينية. لكن هذه السياسة الإسرائيلية كانت سائدة وقائمة طوال سنوات الاحتلال التي سبقت انسحابه من قطاع غزة ولم تمنع المقاومة من الاستمرار ومواصلة عملياتها وإطلاق الصواريخ ما اضطر جيش الاحتلال إلى الانسحاب من جانب واحد ودون قيد أو شرط.

ولهذا فإن ما اتخذته "إسرائيل" من إجراءات لمواجهة صواريخ المقاومة يعبر عن المأزق الإسرائيلي الجديد وضيق الخيارات الإسرائيلية في مواجهة المقاومة. وفي ذات الوقت يظهر مدى العجز الذي وصلت إليه القوة الإسرائيلية.

فالتهديد بقطع الكهرباء أو المياه عن قطاع غزة إذا ما تضررت بنى تحتية إسرائيلية حيوية من جراء الصواريخ الفلسطينية يستهدف القول للشعب الفلسطيني بأنه سيدفع الثمن وسوف يعيش أياماً صعبة إذا هو لم يلجأ إلى الضغط على حركات المقاومة لوقف إطلاق الصواريخ وعملياتها العسكرية. إلا أن هذا الثمن. عدا عن كونه ليس جديداً ولم يؤد في السابق إلى جعل الشعب الفلسطيني يرضخ له ويتخلى عن المقاومة. سيدفعه الإسرائيلي أيضاً لأن المقاومة تمكنت كما أعلنت من تطوير مدى صواريخها وبالتالي قدرتها على الضرب في العمق الإسرائيلي ما يعني سقوطاً جديداً لمحاولات توفير الأمن للإسرائيليين وعودة إلى المسار السابق من الاستنزاف وانعدام الأمن والشعور بالخوف والهلع إلى جانب أن المقاومة باتت تملك إمكانية ضرب منشآت حيوية نفطية وكهربائية إسرائيلية الأمر الذي يشير إلى أن الاستنزاف والثمن سيكون متبادلاً ويضع الأمور في سياق معركة عض أصابع ينتصر فيها من لا يصرخ أولاً ويعجز عن الصمود. لكن التجربة الماضية برهنت أن الشعب الفلسطيني ومقاومته يملكان قدرة أكبر على الصمود من الإسرائيلي. وتبدو مؤشرات ذلك منذ بداية المواجهة الجديدة حيث ذكر مراسلون عسكريون إسرائيليون أن المدفعية الإسرائيلية التي تقصف طوال الوقت تقريباً المناطق غير المأهولة في قطاع غزة صارت بدورها تشكل عبئاً على المواطنين الإسرائيليين في المستوطنات المجاورة في وقت أن القصف المدفعي الإسرائيلي لم يعد يرهب الفلسطينيين بل بات يخيف الإسرائيليين. كما قال المعلق العسكري في التليفزيون الإسرائيلي.

إلى جانب ذلك فإن اتخاذ "إسرائيل" إجراءات عقابية ضد الفلسطينيين سوف يقود إلى التفاهم حول حركات المقاومة. فيما يحصل العكس على الجانب الإسرائيلي حيث إن العمليات الاستشهادية وإطلاق الصواريخ على المستوطنات والمنشآت الحيوية سوف يقود إلى شرخ بين القيادة الإسرائيلية والإسرائيليين الذين يضغطون لوضع حد لهذا التهور الأمني.

وهذه النتيجة برهنت عليها التجربة الماضية في المواجهة في قطاع غزة وجنوب لبنان.

وإذا ما أخذنا إلى جانب ذلك إعلان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي دان حلوتس بأنه لن يفكر أبداً في إعادة الجيش إلى شوارع غزة نستطيع أن نرى مدى المأزق الإسرائيلي في المواجهة الجديدة المصحوب بضيق الخيارات. الأمر الذي سيقود حكماً إلى استعار الصراع الداخلي الإسرائيلي حول جدوى الاستمرار في السياسة الأمنية في مواجهة الفلسطينيين وبالتالي ارتفاع الأصوات التي تطالب بإيجاد حل سياسي للصراع والذي يستحيل طبعاً ما لم يجر التسليم بالمطالب المشروعة للشعب الفلسطيني.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026