تم التطرق في الجزء الأول من المقال إلى جانب مهم لكشف حقيقة الصراع والدور الاستعماري القذر الذي تقوم به الحركة الصهيونية باسم الدين اليهودي لممارسة الجرائم المستمرة في منطقتنا…
(5)
تم التطرق في الجزء الأول من المقال إلى جانب مهم لكشف حقيقة الصراع والدور الاستعماري القذر الذي تقوم به الحركة الصهيونية باسم الدين اليهودي لممارسة الجرائم المستمرة في منطقتنا الإسلامية.
ولما كانت لفلسطين من مكانة معتبرة في نفوس المسلمين في كل أصقاع الأرض، وجه الإمام البنا كامل اعتنائه بالقضية الفلسطينية وأولاها كل اهتمامه، في الوقت الذي كانت الهيئات السياسية والأحزاب منصرفة كل الانصراف عن مناصرة فلسطين مناصرة جدية؛ بحكم النعرة الوطنية الخاصة التي لم تكن قد تطورت إلى ذلك الشعور من الدفاع بحق العروبة ورابطة الإسلام، ولم يكن المتحرك لفلسطين أو نحوها من الأقطار الشقيقة إلا من الهيئات الإسلامية.
(6)
وقد تقدم الإخوان المسلمون إلى مناصرة فلسطين الثائرة المجاهدة بكل ما فيهم من قوة، ووقفوا على ذلك جهودهم مادياً وأدبياً من حيث الدعاية والخطابة والنشر وجمع المال.. إلخ. وتألفت لذلك لجان وبعثات عملت كل ما في وسعها.
وقد لاقت تلك الجهود المباركة ترحيباً طيباً من الكل الفلسطيني ومن المفتي الأكبر لفلسطين الحاج أمين الحسيني وما له من مكانة سياسية معتبرة في الساحة الفلسطينية والعربية، حيث أرسل إلى اللجنة المشكلة لدعم القضية الفلسطينية خطاباً ذكره الإمام البنا في مذكراته, وقد جاء فيه: «حُق علينا أن نشكركم بما أنتم أهله، ونقدر لكم شعوركم الفياض، وحميتكم الإسلامية حق تقديرها، ونعلمكم أن الرأي العام العربي في فلسطين قد تلقى مقرراتكم الحكيمة، ومساعيكم الحميدة بالشكر الجزيل والثناء الكثير، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكلل أعمالكم المباركة بالفوز والنجاح ويجزيكم الجزاء الأوفى على أفضالكم وشهامتكم... وثقوا أنكم بذلك تقدمون أعظم خدمة للمسلمين والعرب جميعاً الذين تهوى أفئدتهم إلى القبلة والمسجد الأقصى في هذه البلاد الصابرة المجاهدة».
(7)
وغير تلك الجهود المادية والمعنوية أظهر مقاتلو الإخوان روحاً قتالية عالية، ووطنية مثالية في الدفاع عن حصن العروبة والإسلام (فلسطين) وقد استماتوا في القتال والدفاع في جميع المواقع التي نزلوها، وذكر كامل الشريف في كتابه [الإخوان المسلمون في حرب فلسطين] ما قاله اللواء فؤاد صادق قائد الجيش في ذلك الوقت عندما سئل عن الإخوان: «كان الإخوان المسلمون جنوداً أبطالاً أدوا واجبهم كأحسن ما يكون».
فهذه حقيقة الصراع وحقيقة موقف البَنّا منه, إذ أظهر رجاله من قوة بأسٍ لا تُدانى في عصرٍ انشغل فيه الكثيرون بهمومهم الضيقة عن الهم العام بما يدمي القلوب ويفتت الأكباد، لكن من وقف عند مسؤولياته الدينية والوطنية وآمن أن الإسلام لا يرضى من أبنائه بأقل من الحرية والاستقلال، فضلاً عن السيادة وإعلان الجهاد، ولو كلفهم ذلك الدم والمال فالموت خير من هذه الحياة، حياة العبودية والرق والاستذلال!
(7)
بهذا الكلام يخط الإمام البنا لوحة مشرفة تكشف جدلية الصراع وحقيقته مع اليهود الصهاينة على أرض فلسطين.
وهو المدرك لطبيعة الخطر الجاثم على تراب فلسطين وما يخطط للأمة من القوى الاستعمارية عبر تخصيب تلك الغدة السرطانية في أقدس مكان بعد البيت الحرام والمسجد النبوي، لذلك دفع بخيرة رجاله للقتال في فلسطين.
وقد كشف المرحوم كامل الشريف الذي قاد مقاتلي الإخوان على أرض فلسطين ودون في كتابه الشهير جهاد الإخوان على أرض فلسطين يوميات الميدان ومجريات القتال، في احتفالية الذكرى المئوية لميلاد الشهيد البنا في العاصمة الأردنية عمان، أن الإمام البنا سأله في اتصال هاتفي عن الأوضاع في فلسطين، وأخبره أنه سيحضر بعد أسبوع على رأس عشرة آلاف مجاهد من الإخوان المسلمين للقتال في فلسطين، ولكن وبعد أسبوع واحد فقط استُشهد الإمام البَنّا!
(8)
فقد صدق الإمام البَنّا ربه، وقد جعل فلسطين هي المسرح الأول لجهاده، ومنها تجلت الصورة الباهرة التي كشفت عن نجاح تجربته، فقد قدم أبناؤه ورجاله أرواحهم خالصة طاهرة، على نحو أذهل القوى الغربية الاستعمارية، هذا ما ذكره أنور الجندي في كتابه [حسن البَنّا الداعية الإمام والمجدد الشهيد].
ثم قدم حياته وروحه مؤمناً بصناعة الموت وعلى النحو الذي رسمه وفهمه، فمات هذه الميتة الكريمة!