نتيجتان إستراتيجيتان لعدوان صيف 2014 "العصف المأكول"

د. محمد رمضان الأغا
2015-02-16

تسارعت وتيرة الحروب على غزة مقارنة بتلك الوتيرة التي كانت سائدة منذ عام فمنذ عام م أصبحت الحروب بمعدل حرب كل سنتين وكان لذلك سببان رئيسان أولهما الفشل الذريع لنهج المفاوضات حيث…

تسارعت وتيرة الحروب على غزة مقارنة بتلك الوتيرة التي كانت سائدة منذ عام 1948، فمنذ عام 2006-2014 م أصبحت الحروب بمعدل حرب كل سنتين، وكان لذلك سببان رئيسان أولهما: الفشل الذريع لنهج المفاوضات حيث لم يعد لدى شعبنا إيمان بذلك، وثانيهما: الانحياز الأمريكي المطلق لأعدائنا، ومنذ 2006 شنت دولة الاحتلال ثلاث حروب متتالية على قطاع غزة كانت آخرها حرب "العصف المأكول" في صيف 2014. ولعل أهم ما ميز هذه الحرب عن غيرها هو طول المدة الزمنية مقارنة بغيرها من الحروب؛ ولعل السبب الرئيس في ذلك هو البيئة الإقليمية التي تشكلت قبل وخلال الحرب، والتي أعلنت عداءها الصريح للمقاومة في سابقة تاريخية، ولعل هذا ما أعطى الحرب زخماً مختلفاً عن سابقاتها، حيث استمرت عملية عض الأصابع من اليوم الأول للحرب حتى اليوم الأخير. وقد كان السبب في هذه المقدمة هو التمهيد لعملية استنتاج النتائج الإستراتيجية لهذه الحرب:

1-حماس لاعب إقليمي بوزن إستراتيجي:
حيث أخطأت الاستخبارات الصهيونية وغيرها في تقدير قوة حماس، خصوصاً بعد تشديد الحصار وتشكيل الحكومة وإغلاق الأنفاق؛ الأمر الذي أعطى انطباعاً أن حماس في أوج لحظات ضعفها؛ وأن مسألة هزيمتها ليست إلا مجرد وقت؛ ولذلك كانت التوصية الاستخبارية بشن الحرب للتسريع في انهيارها وتغيير المعادلة الإستراتيجية في المنطقة، ولقد فوجئ الجميع بمفاجآت حماس أثناء الحرب سواء على مستوى التكتيك أو الإستراتيجية، فمفاجآت استخدام أسلحة إستراتيجية جديدة كالأنفاق والبحر وصواريخ محلية بمدى أطول مما أسفر عن إغلاق المطار وترحيل مستوطني المستوطنات المحيطة بالقطاع باستخدام الهاون؛ كل ذلك كان سلاحاً ونتائج أربكت حسابات العدو؛ وجعله يعيد تقييم الأداء خصوصاً بعد فشله في الحرب البرية ومواجهته -حسب اعترافه- نوعاً جديداً من المقاتلين الذين يواجهون الدبابات بطريقة لم تخطر على بال الصهاينة من حيث الشجاعة والجرأة في اقتحام أهوال الحرب، ويبدو أن خطة حماس العسكرية حاولت الضرب بشدة على الإستراتيجيات العسكرية الصهيونية مما أفقد العدو توازنه ؛ مثل نقل جزء من المعركة إلى داخل الكيان سواء عن طريق الأنفاق أو البحر؛ حيث كانت كل مخططات العدو في حروبه السابقة خوض المعركة خارج حدود "دولته"؛ واستخدام إستراتيجيات المفاجأة والمبادرة والمبادأة وهي الإستراتيجيات التي كان العدو الصهيوني يكسب بها حروبه خصوصاً في الضربة الأولى والخاطفة التي تشل أعصاب الجيش المقابل تماماً.

إن استخدام العدو الصهيوني لمعظم قوته وقواته في هذه الحرب وبقصف إستراتيجي قدره إستراتيجيون بأنه يفوق ثماني قنابل نووية، كتلك التي ألقتها أمريكا على هيروشيما مع نهاية الحرب العالمية الثانية؛ دون تحقيق أهدافه؛ في فترة زمنية تجاوزت أقصى تقديراتهم الاستخبارية والعسكرية؛ كل ذلك أجبر العدو على التسليم بالهزيمة من خلال عدم قدرته على هزيمة غزة ومقاتليها وجبهتها الداخلية التي أبدت تماسكاً عالياً وربما لم يسبق له مثيل.

لقد استطاعت المقاومة النجاح على المستوى الخارجي أيضاً وهو ما يسمى بالدبلوماسية الشعبية، حيث خرجت الملايين في معظم مدن العالم انتصاراً لغزة واحتجاجاً على صمت دولهم والمجتمع الدولي في حرب أقل ما يقال عنها إنها غير متكافئة في كل جوانبها؛ تشنها دولة مارقة على قطاع صغير محاصر لمدة ثماني سنوات ونيف.

2-تشكّل محور نتنياهو الإستراتيجي مع بعض دول الإقليم
لم يفاجئ نتنياهو مستمعيه وهو يعلن أثناء الحرب أن هناك حلفاً إقليمياً إستراتيجياً قد تبلور (صيف 2014)، حيث إن كل المؤشرات الميدانية في الإقليم كانت تؤكد ذلك؛ أهمها الصمت الإقليمي على استفراد "إسرائيل" بغزة يعززه صمت دولي وأممي يسوده بعض كلمات خجولة أحياناً؛ يضاف إلى ذلك إحكام الحصار على غزة بطريقة لم يسبق لها مثيل لا تهدف إلى هزيمة المقاومة فحسب؛ بل تهدف إلى كسر صمود وإرادة الشعب الفلسطيني الذي لم يستسلم على مدار ثمانية عقود ونيف من المقاومة، وهي في حالة مد ثوري أخلاقي وقلما مرت بحالة جزر؛ وهو الأمر الذي أربك كل حسابات الأعداء الذين يدركون أن المقاومة الفلسطينية هي الحصن الأخير الذي تلوذ به الأمة العربية والإسلامية في سبيل استمرار وجودها بفاعلية حضارية وتاريخية وسياسية وبوزن إستراتيجي من النوع الثقيل؛ المعتمد على الموقع الجيوسياسي والجيوإستراتيجي والثقل الديموغرافي الذي يصل وزن الشباب فيه إلى ما يربو عن 60% عكس المجتمعات الغربية التي تعاني فقراً في وزن الموارد الشبابية؛ مضافاً إليها عائد الموارد سواء المتجدد منها أم غير المتجدد في تراكمية تتفوق بثقلها الإستراتيجي على أي أمة أخرى من الأمم التي تتأهب في وقتنا الحالي لنيل موقع في قيادة عالم يتحول من القطبية الأحادية إلى عالم متعدد الأقطاب والذي تعمل أمريكا بكل ما أوتيت من قوة على منع حدوثه.

إن المتحالفين الإقليميين مع (إسرائيل) ربما لا يدركون أنهم مستهدفون من قبلها كما هي المقاومة؛ بل وأكثر استهدافاً؛ من حيث تسخير مواردهم البشرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية لخدمة "الأعداء" وهو ربما ما سيطلق عليه خلال سنوات أو عقود ب"الجيل العاشر" من الحروب أو حول ذلك. وإن الهدف الأكبر والإستراتيجي لهذا الحلف الإقليمي هو حرب تستهدف وجود الأمة في قلبها الحيوي والإستراتيجي في سبيل محو هويتها الحضارية والتاريخية وهي المعركة الخاسرة دائماً كما يحدثنا التاريخ بكل صراحة وأمانة ولكنها مسألة وقت ربما قد آن وقت غروبها.

لا ريب؛ فإن الانقسام الفلسطيني وبرغم المصالحة قد انعكس على الوضع الإقليمي وحالة الاستقطاب التي سادته وخصوصاً خلال فترتي الثورات العربية والثورات المضادة، فهناك ثلاثة تيارات فلسطينية أولها تيار حماس الذي قاد المقاومة بتأييد بعض دول الإقليم وهناك تيار دحلان الذي اصطف مع دول إقليمية وقفت موقفاً عدائياً من المقاومة، والتيار الثالث هو تيار عباس الذي كان يصارع حماس ودحلان وهو أكثر الأطراف مأزومية؛ لكونه قد فقد غزة ويرفض بلا مبررات إعادتها بعد المصالحة وتشكيل الحكومة وفَقَد جزءاً من تنظيم فتح إضافة إلى فشله في مفاوضات استمرت عشرين عاماً.

وعليه فإن خارطة التحالفات الإقليمية والإستراتيجية في المنطقة بعد حرب صيف 2014 هي انعكاس نسبي لخارطة الحالة السياسية الفلسطينية على سبيل المثال لا الحصر؛ آخذين بعين الاعتبار الحالة المعقدة التي يحياها الإقليم منذ عدة عقود سياسياً وإستراتيجياً كمخرج أساس من مخرجات تفاعلات القضية الفلسطينية بكل مكوناتها وتفاصيلها الكبيرة والدقيقة؛ وكما يقولون فإن تلاقي المتناقضات يخلق حالة من التوازن ليس فقط في الفيزياء والكيمياء؛ بل في السياسات والإستراتيجيات أيضاً.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026