د أحمد يوسف أحمد صحيفة الاتحاد الإماراتية منذ اكتساح حماس للانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة لم يتوقف الحديث عن تداعيات ما وصف بحق بأنه زلزال على أرض فلسطين وعلى الرغم من…
د. أحمد يوسف أحمد
صحيفة الاتحاد الإماراتية
منذ اكتساح "حماس" للانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة لم يتوقف الحديث عن تداعيات ما وصف بحق بأنه "زلزال" على أرض فلسطين، وعلى الرغم من تشعب هذه التداعيات وتعقدها، فقد كان منطقياً أن تُسلط الأضواء على تأثير فوز "حماس" على مستقبل التسوية السلمية للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.
في البدء برزت الفكرة التقليدية لابد أن يكون لفوز "حماس" أثره المدمر على عملية التسوية. ذلك أن وصولها إلى الحكم يعني انتصاراً لخط متشدد يرفع السلاح من أجل تدمير إسرائيل. فات أصحاب هذه الفكرة أنه لم تكن هناك تسوية تجري أصلاً قبل فوز "حماس" حتى تتوقف بعدها، وأن ما كان يحدث هو تحركات يعلم أطرافها- أو ربما لا يعلمون فتصبح المصيبة أعظم- أن الغرض منها هو عدم إراقة ماء الوجه، والإيهام بأن شيئاً ما يتقدم، ويمكن أن يُفضي إلى نتيجة. فاتهم أيضاً أن عدداً من المسؤولين العرب درج على الترويج لفكرة مؤداها أن "اليمين" الإسرائيلي المتشدد هو الأقدر على إنجاز التسوية. ألم تُعقد معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية مع مناحم بيجين؟ ألم يتم الانسحاب الإسرائيلي من غزة في ظل قيادة شارون؟ فلماذا عندما يصل متشددونا إلى السلطة بتفويض شعبي واضح يقولون إن تأثير ذلك على التسوية سيكون مأساوياً؟ فاتهم أخيراً نغمة الاعتدال في الخطاب السياسي لـ"حماس" أثناء الحملة الانتخابية وبعد الفوز.
في الحملة الانتخابية غابت الدعوة إلى إفشال عملية السلام وإسقاط "أوسلو" وتحريم المفاوضات وتدمير "إسرائيل" وتحرير فلسطين من النهر إلى الساحل، وحلت محل ذلك شعارات مثل "لا للتنازلات" و"نحن أقدر على إدارة المفاوضات"، وبعد الفوز تم التأكيد في خطاب "حماس" على نهج التعامل الواقعي، وعلى أن المفاوضات ليست محرمة بذاتها لأنها "وسيلة" يمكن استخدامها إن كانت ستفضي إلى شيء إيجابي وليست "خياراً استراتيجياً" ينبغي التمسك به مهما كانت الظروف، وعلى أنه لا مانع من قبول دولة فلسطينية على الأراضي التي احتلت في1967، ومن عقد هدنة طويلة الأجل مع "إسرائيل".
لكن هستيريا "إسرائيل" وأنصارها تواصلت، وتبلورت نغمات الجوقة التي أخذت تعزف نشازاً بغيضاً في شروط ثلاثة يتعين على "حماس" التسليم بها إنْ أرادت لها قبولاً من المجتمع الدولي نبذ العنف والاعتراف بـ"إسرائيل" والقبول بالالتزامات الدولية السابقة. ويحسن إمعان النظر في هذه الشروط الثلاثة ليتبين مدى الاستخفاف بحقوق الشعوب، وكذلك بدروس الخبرة الدولية الماضية في التعامل مع حركات التحرر الوطني، وتبين مدى ازدواجية المعايير فيما يقولون.
أما نبذ العنف فيعني إسقاط خيار المقاومة، أي تجريد الفلسطينيين من أهم أوراقهم، خاصة وأن "إسرائيل" على طول صراعها معهم - ومع العرب عموماً- لم تقدم تنازلاً واحداً إلا عندما أعملت القوة بكافة صورها ضدها، وأما الاعتراف بـ"إسرائيل"، فهو مطلب غريب بحق، ذلك أن التفاوض يمكن أن يفضي إلى الاعتراف، فكيف يبدأ به؟ أي بتقديم طرف لأقصى تنازل ممكن قبل بدء المفاوضات؟ ولا شك أن قليلاً من التذكر لحقائق الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي يمكن أن يكون مفيداً في هذا الخصوص· إن "إسرائيل" تحتل الآن كامل الأراضي الفلسطينية، وتمعن في السلوك الاستيطاني فيها، وبعد أن كانت قوى دولية لها اعتبارها كالولايات المتحدة ترى في هذا السلوك أمراً مناقضاً للقانون الدولي خرج علينا رئيسها في أبريل 2004 بما أعطى شرعية للاستيطان تحت ستار الواقعية، ذلك أن تفكيك الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية بدا غير واقعي لديه. هكذا فإن المطلوب الآن من "حماس" هو الاعتراف بالدولة التي لم تحتل وطنهم فحسب وإنما أعطت لنفسها حقاً غير مقيد في الاستيطان فيه، ويعني ذلك أن اعتراف "حماس" بـ"إسرائيل" الآن، ودون أية ضمانات أو شروط يساوي الاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي لأراضي فلسطين وحقها غير المشروط في الاستيطان على هذه الأراضي. لم تعترف مصر بـ"إسرائيل" إلا بعد الاتفاق على انسحابها من كامل الأراضي المحتلة في 1967 فلماذا يُطالب الفلسطينيون بما يتجاوز المنطق وأبسط قواعد اللعبة السياسية؟
أما القبول بالالتزامات الدولية السابقة، فأمر معقول، غير أن السهم هنا يجب أن يرتد إلى صدور مسدديه، فـ"إسرائيل" وليس الفلسطينيون هي من أسقط "أوسلو" وتحفظ على "خريطة الطريق"، وإذا كان من إصرار على ضرورة التمسك بالالتزامات الدولية السابقة فهي التزامات لطرفين، ولا ضير من أن تعلن "حماس" قبولها بهذه الالتزامات وتتحدى "إسرائيل" في أن تقبلها بدورها، على أن تشمل هذه الالتزامات القرارات الدولية التي تبطل كثيراً من الإجراءات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة وعلى رأسها ضم القدس الشرقية وعمليات الاستيطان.
لم يفت جوقة "إسرائيل" وأنصارها أن تهدد بالعقاب حال رفض "حماس" للشروط السابقة، وبما أنها لا تملك أن تعاقب "حماس" دبلوماسياً لأن التسوية في حالة موت سريري، فإن الحديث قد انصب على عقوبات مالية دون أدنى التفات إلى الاعتبارات الإنسانية، فإذا لم تقبل "حماس" بالشروط المطلوبة سوف تُحرم من كافة المساعدات الأميركية والأوروبية على الأقل، وكذلك من عائدات الجمارك التي تُحصلها "إسرائيل" لصالح السلطة الفلسطينية على تجارتها الدولية التي تتم عبر المنافذ الإسرائيلية، وليس هذا بالأمر الهين، عندما نتذكر أن السلطة الفلسطينية بحاجة إلى مليار دولار سنوياً على الأقل لتفي باحتياجاتها الأساسية.
وإذا كان من المنطقي ألا يقدم أنصار "إسرائيل" أموالهم لدعم طرف يخالف سياستهم فقد وجب تذكيرهم بأنهم بالامتناع عن الاستمرار في دعم السلطة إنما يعاقبون شعباً قال رأيه بحرية في انتخابات ديمقراطية، وكأن الديمقراطية بدورها لابد وأن تدور نتائجها في فلك مصالحهم، ووجب تذكيرهم أيضاً بأنهم بهذا الامتناع يتجاهلون أن نتيجة الانتخابات في جزء منها رد فعل لصمتهم التام على انتهاكات حقوق شعب فلسطين، وعجزهم المطلق عن المساهمة في إعادة أبسط الحقوق إليه. أما حرمان الفلسطينيين من عائدات رسومهم الجمركية، فهي سرقة ساخرة لا تحتاج تعليقاً.
تواجه "حماس" وضعاً غير مسبوق كونها حركة تحرر وطني تتسلم السلطة في ظل الاحتلال، وتجابه بتحديات هائلة على النحو السابق بيانه، وهو وضع يمثل مأزقاً للاحتلال بأكثر مما يمثل مأزقاً لحماس، فحماس تعبر عن غالبية الشعب الفلسطيني، وتقوده في مسيرة طويلة ومعقدة من أجل استعادة حقوقه الأساسية، بينما الاحتلال مفارقة تاريخية لابد وأن تزول مهما طال الزمن، فما العمل؟
لن يضير "حماس" أن تؤكد ما سبق وأعلنته بالفعل أنه لا مانع لديها من التفاوض من حيث المبدأ، شريطة أن تكون هناك نقاط بداية سليمة، وطالما أن "إسرائيل" لن تكون مستعدة لنقاط البداية هذه، فأمام "حماس" أن تنصرف إلى إعادة ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل، مع التركيز على مبدأ المشاركة الوطنية في مواجهة التحديات الراهنة حتى وإن رفض البعض بما في ذلك "فتح"، وعلى بناء نظام ديمقراطي حقيقي، ومحاربة الفساد، وتوطيد الأمن، وإعداد الشعب الفلسطيني لمواجهة العدوانية الإسرائيلية في أي وقت من الأوقات، وإدارة حوار وطني للتوصل إلى استراتيجية للمقاومة تأخذ بأدوات متعددة غير عسكرية بالإضافة إلى النضال العسكري بطبيعة الحال، والسعي إلى بناء تحالفات عربية وإقليمية ودولية ثمة مؤشرات على أنها ممكنة، وذلك في مواجهة العدوانية اللاإنسانية من "إسرائيل" وأنصارها وبالذات في مجال تجويع الشعب الفلسطيني.
وليس هذا بالعمل الهين بطبيعة الحال. بل إني أزعم أن "حماس" تواجه واحداً من أصعب المواقف التي واجهتها حركات التحرر الوطني المعاصرة، خاصة وأن هناك أطرافاً فلسطينية وعربية وإقليمية وعالمية تعتبر نجاح "حماس" تهديداً لها، ولأن نجاح "حماس" أو فشلها ستكون له مردوداته العربية المؤثرة فقد يحسن بالنظم العربية أو بعضها على الأقل أن تساعد "حماس" على الخروج من الزاوية التي تريد "إسرائيل" وأنصارها حشرها فيها، وإلا فإن تداعيات الصمت العربي- أو التواطؤ والعياذ بالله- سوف تكون أخطر مما يظن الجميع.