مع نبأ الاعتداء على المسجد الأقصى المبارك وعاصفة الاستيطان الهوجاء المستمرة في القدس بدأنا نسمع كالعادة بيانات الشجب والاستنكار سواء في الساحة الفلسطينية أو الساحة العربية وهو…
مع نبأ الاعتداء على المسجد الأقصى المبارك وعاصفة الاستيطان الهوجاء المستمرة في القدس بدأنا نسمع كالعادة بيانات الشجب والاستنكار، سواء في الساحة الفلسطينية أو الساحة العربية، وهو تكرار ممل لردود فعل ثبت على مدى سنوات طويلة عجزها عن إلزام سلطات الاحتلال بالتوقف عن تنفيذ مخططاتها، أو أن تدفع المجتمع الدولي للتحرك بشكل جدي للضغط عليها كي تجبر فعليا على إيقاف تنفيذ مخططاتها في المدينة المقدسة.
الاستيطان لم يتوقف ومخطط تهويد مدينة القدس ماضٍ بلا هوادة بالاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأراضي الفلسطينية، وطرد أكبر قدر ممكن من الفلسطينيين المقدسيين؛ في سبيل بناء المزيد والمزيد من الوحدات الاستيطانية وجلب مستوطنين جدد لإسكانهم بدل المقدسيين، مع كل ما يعنيه ذلك من انتهاك فظ للقانون الدولي وللشرعية الدولية.
ليس هذا فحسب بل إن هذه المخططات الاستيطانية السريعة ما هي إلا خطوة على طريق جعل القدس يهودية بامتياز، حيث تم من جديد المصادقة على بناء آلاف الوحدات السكنية على أراض فلسطينية في المدينة. فبالأمس شرعت قوات الاحتلال بهدم قرية "بوابة القدس" المقامة احتجاجا على مخطط توطين البدو في أراضي المواطنين شرقي القدس ومخطط (E 1 ) الاستيطاني؛ للمرة الثانية على التوالي وصادرت ممتلكاتها.
فأين هم من يعتبرون أنفسهم حماة المسجد الأقصى والقدس؟ فلو ناديت لأسمعت حيا ولكن لاحياه لمن تنادي! إن هذا الصمت والسكوت الدولي المطبق يشعل الضوء الأحمر أمام عدد من الأسئلة الموجهة للعرب والمسلمين وقبلهم للفلسطينيين: ألم يحن الوقت أن نستبدل بأسلوب رد الفعل السلبي رد فعل إيجابيا مؤثرا وفاعلا من شأنه أن يحرك المجتمع الدولي ، ومن شأنه أن يدفع دولة الاحتلال للتفكير مليا قبل أن تعلن عن هدم المسجد الأقصى واستيلائها على مدينة القدس بالكامل؟!.
دون أدنى شك يمثل هذا العجز وهذا الصمت والاكتفاء"بالردح" الإعلامي غير المجدي والبيانات الإنشائية التي تملأ الفضائيات عوامل مشجعة للاحتلال على المضي قدما، ما دام أننا ندفن رؤوسنا في الرمال ونواصل التمسك بآليات رد فعل ضعيفة وسقيمة وعقيمة.
فقد حان الوقت كي يتحرك العالم العربي والإسلامي دفاعا عن القدس بعد أن وجهت دولة الاحتلال ضربة قاضية لما يسمى بـ "عملية السلام"، وبعد أن أعلنت بوضوح عن نواياها في تهويد القدس وفي المساس بالمقدسات فيها التي بات الوصول إليها محظورا على الغالبية العظمى من أبناء شعبنا، فيما تسمح سلطات الاحتلال لجنودها ومستوطنيها ومتطرفيها بالوصول إلى ساحات المسجد الأقصى والعبث به.
أما المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة وأوروبا واللجنة الرباعية الدولية، فقد حان الوقت أن تدرك جميعها أن ما ترتكبه دولة الاحتلال إنما يدفع المنطقة نحو انفجار جديد، ويهدد الأمن والسلم العالميين ويضرب بالشرعية الدولية عرض الحائط، لذا فإن المطلوب الآن تحرك جدي وجوهري في مختلف المحافل الدولية، لإفهام دولة الاحتلال أن عليها أن تتوقف عن تهويد مدينة القدس وأن احتلالها غير الشرعي يجب أن ينتهي.
أما على المستوى الفلسطيني، فالأمر أكثر غرابة؛ لعدم إدراكنا لما يخطط ويحاك ضدنا من دولة الاحتلال التي تلهينا بوعود وهمية ومفاوضات بلا نهاية ودولة مؤجلة إلى إشعار آخر وتنسيق أمني لأبعد الحدود، والأمر الأكثر غرابة هو أننا نمر في حالة انقسام مريرة في هذا الوقت بالذات الذي نحن أحوج فيه لأن نكون موحدين وهنا أتساءل لمصلحة من القيل والقال وقطع الأرزاق والأعمال واتهام بعضنا بالباطل والكذب وإلصاق تهم وأقاويل لم ينزل الله بها من سلطان؟.
فالاحتلال يعيش أسعد أيامه؛ فلم يكن يوما يحلم بهذا الوضع الذي يشهده شعبنا المنقسم، فلم يكن الاحتلال يحلم أبدا بمثل هذه الأيام التي يشاهدنا فيها ونحن نكيد لبعضنا البعض. لقد بات مطلوبا الآن من كل القوى السياسية الفلسطينية المسارعة إلى إنهاء الانقسام، والبحث بشكل جدي عن الوسائل الكفيلة بمواجهة هذا التحدي الاستيطاني السرطاني الخطير، ومطالبة العالمين العربي والإسلامي والقوى الدولية باتخاذ موقف جاد لوقف تهويد مدينة القدس وإنقاذ المسجد الأقصى من الهدم الوشيك.