غزة والمقاومة ..حصار وانتصار

د.عصام شاور
2015-01-19

في عام كانت الانتخابات التشريعية الثانية وحازت حماس على الأغلبية وشكل ذلك صدمة للصهيونية ولجهات أخرى معادية للحركة حركة حماس رفضت الاعتراف بالكيان الصهيوني فبدأ الحصار الاقتصادي…

في عام 2006 كانت الانتخابات التشريعية الثانية، وحازت حماس على الأغلبية، وشكل ذلك صدمة للصهيونية ولجهات أخرى معادية للحركة
حركة حماس رفضت الاعتراف بالكيان الصهيوني، فبدأ الحصار الاقتصادي والسياسي على الحكومة الفلسطينية بالتوازي مع الصراع في غزة بين فتح وحركة حماس
الرهان على إخضاع حماس، فشل وأصاب اليأس الأطراف الُمحاصرة لغزة
لم يكن يعلم سكان قطاع غزة ولا الشعب الفلسطيني بأن الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية، ستكون منعطفاً حاداً في القضية الفلسطينية وحياة السكان في القطاع وما ينتظرهم من معاناة وبطولات وحروب وانتصارات وحصار وتحديات، لم يشهد لها التاريخ الحاضر مثيلاً.
ففي عام 2006 كانت الانتخابات التشريعية الثانية، وحازت حماس على الأغلبية، مما شكل صدمة لأطراف عديدة؛ للعدو الصهيوني ولبعض الأنظمة العربية المعادية للحركة، وكذلك لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي فقدت بشكل تلقائي صفتها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.
حماس شكلت الحكومة منفردة  بعدما رفضت باقي الفصائل المشاركة فيها، حينها أعلن المجتمع الغربي عدم اعترافه بالحكومة الجديدة إلا بشروط، منها: الاعتراف بـ«إسرائيل»، ولكن حركة حماس رفضت الشروط، فبدأ الحصار الاقتصادي والسياسي على الحكومة الفلسطينية بالتوازي مع الصراع في غزة بين فتح وحركة حماس انتهى بالانقسام في يونيو 2007، وفرضت حركة حماس سيطرتها الكاملة على قطاع غزة، فأعلن الرئيس محمود عباس إقالة حكومة إسماعيل هنية، وتشكيل حكومة في الضفة الغربية برئاسة الدكتور سلام فياض. ولكن حكومة هنية استمرت في إدارة قطاع غزة رافضة الإقالة، وتم فرض حصار كامل على القطاع، من أجل إخضاع حركة حماس لشروط الرباعية الدولية.
< العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في الثامن من يوليو 2014 ما هو إلا حلقة من حلقات مخطط متكامل، من أجل تحقيق أهداف مشتركة توافقت عليها أطراف إقليمية ودولية, للقضاء سياسياً وجماهيرياً على جماعة الإخوان المسلمين في الوطن العربي
> العدو الإسرائيلي, أعتقد أن حركة حماس تعيش أسوأ لحظاتها، وان الفرصة سانحة للقضاء على قوتها العسكرية, فوجه ضربته لقطاع غزة ولحركة حماس في عملية «الجرف الصامد»، ولكن حماس واجهته بالعصف المأكول
مع حصار قطاع غزة بدأت المعاناة الحقيقية لسكانه، وهي المرة الأولى التي يحاصر فيها قرابة 2 مليون من البشر، بسبب ممارستهم للديمقراطية واختيارهم من يمثلهم، ولا يمكن لبشر أن يعرف ما الذي يعنيه الحصار والمعاناة الإنسانية التي عاشها شعبنا. ولكن يكفي أن نعرف، أن مئات المرضى لقوا حتفهم بسبب نقص الدواء أو توقف الأجهزة الطبية بسبب الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، أو انتشار الأمراض الخطيرة التي حلت بالأطفال بسبب قلة التغذية والحليب، فضلاً عن زيادة معدلات البطالة والفقر وحرمان الآلاف من إكمال دراستهم في الخارج أو فقدانهم لأعمالهم بسبب منعهم من السفر. وكذلك انهيار البنى التحتية، نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية وتوقف المصانع وأعمال البناء وتعطيل الحياة بشكل حاد، حتى أصبحت الحياة في قطاع غزة أشبه بالجحيم.
في تلك الأجواء بدأت مسيرة التحدي في قطاع غزة، وكان أولها  تفجير الجدار الحدودي بين مصر وغزة، وتدفق مئات الآلاف إلى رفح المصرية لعدة أيام،  للتزود باحتياجاتهم الإنسانية. وهنا لا بد من الإشادة بأخلاق سكان قطاع غزة، حيث لم يتم رصد أية مخالفة او إساءة لمصر، حيث كان المواطن من قطاع غزة يشتري ما يريد بماله وبسعر مضاعف ثم يعود إلى غزة ولم يتخلف أي من المقتحمين عن العودة رغم المعاناة.
الرهان على إخضاع حركة المقاومة الإسلامية حماس، فشل وأصاب اليأس الأطراف المحاصرة لغزة، وكان لا بد من زيادة الضغط على حركة حماس من وجهة نظرهم، وخاصة أن التعاطف الشعبي العالمي مع المحاصرين في قطاع غزة بدأ يتحول إلى فعاليات دولية، ومنها: قوافل المساعدات الإنسانية، وسفن كسر الحصار،  فشنت الصهيونية حربها الأولى «رصاص مصبوب» في نهاية شهر يناير 2008 واستمرت قرابة 23 يوماً و تلقت أول هزيمة لها أمام المقاومة الفلسطينية بقيادة القسام، ولم تنفذ أهدافها السياسية، التي أعلنتها آنذاك تسيبي ليفني من القاهرة، وهي إسقاط حكم حماس، وانتهت بإعلان رئيس وزراء العدو أيهود أولمرت عن وقف إطلاق النار من جانب واحد.
حركة حماس خرجت من الحرب أكثر صلابة، رغم الدمار الشديد الذي لحق بقطاع غزة، وعدد الضحايا الذي زاد عن 1400 شهيد وعشرات الآلاف من الجرحى. واستمر الصمود الفلسطيني ولجأ الفلسطينيون إلى حفر الأنفاق من أجل الحصول على احتياجاتهم و تخفيف المعاناة.
ثم كانت الحرب الثانية على قطاع غزة «عمود سحاب» في نوفمبر 2012، والتي لم تدم سوى ثمانية أيام، وخلفت المئات من الشهداء والجرحى، ولكنها اعتبرت انتصاراً للمقاومة وحركة حماس.
بعد سبعة أشهر من معركة حجارة السجيل، حصل الانقلاب على حكم الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين في مصر، فأصبحت حركة المقاومة الإسلامية حماس، الهدف التالي لأطراف عربية ودولية شاركت في إسقاط الإخوان من الحكم، باعتبار أن حركة حماس فرع من جماعة الإخوان وتحكم في منطقة عربية حتى لو كانت صغيرة بحجم قطاع غزة، ولكنها منطقة حيوية ومؤثرة، ولهذا نقول بأن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في الثامن من يوليو 2014 ما هو إلا حلقة من حلقات مخطط متكامل، من أجل تحقيق أهداف مشتركة توافقت عليها أطراف إقليمية ودولية، على رأس تلك الأهداف القضاء سياسياً وجماهيرياً على جماعة الإخوان المسلمين في الوطن العربي، وكذلك القضاء على حركة المقاومة الإسلامية حماس في فلسطين. وقد كان التخلص من حكم الإخوان واستهداف قادة الجماعة في مصر_قتلاً واعتقالاً_ مرحلة أولى من المخطط، والتي شجعت الدول المشاركة فيه على الانتقال سريعاً، إلى محاولة إسقاط حكم حماس في قطاع غزة كمرحلة ثانية.
من المعلوم، أن السلطة الفلسطينية لا تُقدم على أية خطوة تقاربية مع حركة حماس منذ الانقسام، إلا بمشورة وموافقة عربية لحساسية الموقف العربي منها، ومع ذلك وجدنا، أن الرئيس محمود عباس وافق على توقيع إعلان الشاطئ، وتنفيذ بنود المصالحة مع الحركة_كما هو مفترض _ في الوقت الذي أعلنت فيه دولاً عربية عن جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً، وهذا يشير إلى أن إعلان الشاطئ لم يكن إلا خطوة لنزع الصلاحيات الإدارية للحركة، بعد حل حكومة إسماعيل هنية حسب اتفاق المصالحة.
قبل إعلان الشاطئ، شدد النظام المصري حصاره على قطاع غزة سواءً بزيادة فترات إغلاق معبر رفح، أو بهدم الأنفاق التي تعتبر الشريان الرئيس لغزة والمصدر الأساسي للأموال، التي تجنيها حكومة حماس، فضلاً عن شروعه بإنشاء منطقة عازلة على طول الحدود مع قطاع غزة بعمق 500 متر ثم ازدادت الى1000 متر. وهذه الظروف وضعت حركة حماس في موقف حرج أجبرها على الموافقة على توقيع إعلان الشاطئ، وحين تشكلت حكومة الوفاق الوطني أسندت إليها مهمات محددة، مثل: رفع الحصار والبدء في إعادة الإعمار، وكذلك التحضير لانتخابات فلسطينية شاملة، إلا أن الحكومة تركت قطاع غزة على حاله، بل تركته لمواجهة أوضاع أكثر سوء ولم تتعامل الحكومة مع الوزارات في قطاع غزة. وهذا يثبت أن النوايا كانت تتجه إلى إنهاء حكم حماس في قطاع غزة، وليس إلى مصالحة تنتهي بانتخابات جديدة وصفحة جديدة.
العدو الإسرائيلي من جانبه، أعتقد أن حركة حماس تعيش أسوأ لحظاتها، وان الفرصة سانحة للقضاء على قوتها العسكرية بعد تخليها «كرها» عن قوتها السياسية وإدارتها لقطاع غزة لصالح الرئاسة الفلسطينية، فوجه ضربته لقطاع غزة ولحركة حماس في عملية «الجرف الصامد»، الذي واجهته حركة حماس بالعصف المأكول. وكان النصر حليف المقاومة الفلسطينية بقيادة كتائب عز الدين القسام، وفرضت الكتائب شروطها على «إسرائيل»، وأبرزها وقف العدوان ورفع الحصار وإعادة اعمار غزة، ثم بدأت المفاوضات غير المباشرة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي برعاية مصرية، من أجل التنفيذ.
الإنجاز الوحيد، الذي افتخر به وذكره رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو بعد هزيمته في المعركة، هو اصطفاف أطراف عربية إلى جانبه في حربه ضد المقاومة الفلسطينية دون أي توضيح، ولذلك فإن الهزيمة التي مني بها الاحتلال كانت ضربة قوية لمن تحالفوا ضد حماس، حيث فشلوا في تنفيذ المرحلة الثانية في مخططهم، ألا وهو القضاء على حركة حماس.
إن الانتصار، الذي حققته حركة المقاومة الإسلامية حماس في معركة العصف المأكول قلبت الموازين رأساً على عقب لصالح مشروع المقاومة والتيار الإسلامي في المنطقة. وأبرز تلك المتغيرات، هو قبول النظام المصري الذي يعادي الحركة استضافة قادة حماس في الوفد الفلسطيني المفاوض اثناء المعركة، وكذلك إصدار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قراراً يقضي بشطب حركة حماس من قائمة التنظيمات الإرهابية. وقد أقدمت أوروبا على تلك الخطوة اضطراراً، لأن حماس فرضت نفسها كطرف أساسي في معادلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولا يمكن للغرب أن يتعامل مع حركة إرهابية، فأجبر على شطبها من قائمة الإرهاب، وكذلك فرضت حماس نفسها على السلطة الفلسطينية حين اضطر الرئيس محمود عباس للموافقة على تبني شروط المقاومة بعد إصراره على قبول المبادرة المصرية بدون شروط.
العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة انتهى، ولكن العداء لحركة حماس من قبل الصهيونية وأطراف عربية أخرى لم ينتهي، ولذلك بذلت تلك الأطراف بعد الحرب جهوداً حتى لا تتمكن حماس من تحقيق إنجازاتها، فكانت المماطلة في رفع الحصار وتباطؤ شديد في إعادة الإعمار، وكذلك حتى يشعر سكان غزة أن الحرب لم تأتِ لهم بخير، وأن الخسائر البشرية والمادية التي تكبدوها أهدرت دون جدوى، وبالتالي سينزعون ثقتهم من حركة حماس.
الأطراف الدولية المتآمرة على حركة حماس، كانت تعتقد أن الحركة سترضخ للعبة المماطلة، ولن تلجأ إلى الرد العسكري ضد الاحتلال لعدم تنفيذه الشروط في وقتها بسبب الوضع المأساوي الذي يعيشه قطاع غزة، حيث آلاف السكان بلا مأوى، والمؤسسات الحكومية معطلة حتى المستشفيات تعيش ظروفاً صعبة والموظفون في حكومة حماس بدون رواتب. ولكن حماس تفهم اللعبة جيداً وتدرك أن «إسرائيل» تخشى الحرب أكثر من غيرها، وخاصة عند استحضار مشهد وقف الطيران المدني في كل أنحاء «إسرائيل»، والشلل الذي يصيب الحياة من شمال البلاد إلى جنوبها، والرعب الذي يحل باليهود كلما دوت صفارات الإنذار. وحماس تدرك أيضاً أن الخسائر البشرية، التي تعمد الجيش إلحاقها بالفلسطينيين لن تكون نقطة مقتل للمقاومة، ولذلك بدأت حركة حماس ترسل تحذيرات شديدة بأن عدم تنفيذ الشروط يعني تفجر الأوضاع من جديد، وقد تم إطلاق صاروخ تجاه غلاف غزة دون تبنيه من قبل المقاومة، وكذلك بدأت حماس بتقوية علاقاتها مع دول عربية وإسلامية، وترميم علاقاتها مع إيران استعداداً لأية معركة قادمة.
الجميع الآن يدرك بأن حركة حماس بكامل قوتها، وخاصة بعد الاستعراض العسكري الذي أقامته بقوات كبيرة جداً والتفاف جماهيري حاشد. وهذا يعني أن حركة حماس تعتبر استمرار الحصار ووقف الإعمار، استمراراً للعدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة، ومن حقها أن ترد عليه كما ترد على أي اعتداء عسكري إسرائيلي.
ما هو متوقع في المنظور القريب، أن تتسلم حكومة التوافق الفلسطينية معابر قطاع غزة مع «الكيان الصهيوني» ومصر، لتبدأ الصهيونية تدريجياً برفع الحصار والتسريع في إعادة الإعمار واستئناف المفاوضات غير المباشرة، من أجل تثبيت وقف إطلاق النار، وبشكل متوازي قد تبدأ مفاوضات، من أجل إبرام صفقة جديدة للإفراج عن أسرى فلسطينيين، مقابل جنود إسرائيليين وقعوا في الأسر، وترفض كتائب القسام الإدلاء بأية معلومات عنهم قبل رفع الحصار، وإحراز تقدم بخصوص باقي شروط المقاومة.
ختاماً، لا بد من التأكيد على أن معاناة غزة قربت نهايتها، وأن معركة العصف المأكول، كانت نقلة نوعية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لصالح القضية، ونقطة تحول في العمل السياسي الفلسطيني، حيث سقط الخيار السلمي والمفاوضات العبثية، وأصبحت المقاومة سنداً قوياً لأي مشروع سياسي فلسطيني، يرتكز على عدم الاعتراف بشرعية الاحتلال لأي شبر من فلسطين.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026