لقد اختار الناس حماس رغم التهديدات الإسرائيلية والأميركية والأوروبية التي هددتهم بقطع أرزاقهم والإيذاء في حياتهم ومن الواضح أيضا أن ثمة من يراهن على فشل حماس في التصدي لمهام الحكم…
لقد اختار الناس " حماس " رغم التهديدات الإسرائيلية والأميركية والأوروبية التي هددتهم بقطع أرزاقهم والإيذاء في حياتهم ، ومن الواضح أيضا أن ثمة من يراهن على فشل " حماس " في التصدي لمهام الحكم والإدارة والسلطة ، متوقعا أن لا يكون سواه الأقدر على جلب المال وتحشيد الدعم الدولي لمواقف وحقوق قضيتنا الفلسطينية ، ولكنه للأسف لا يريد الاعتراف أن منهج التسوية قد سقط وان إسرائيل ليس لديها ما تعطيه ، بل أنها تصادر الأرض وترسم الحدود وتسرق كل الأحلام الفلسطينية ، ولذا لن يكون التفاوض سوى إقامة علاقات عامة القصد منها التغطية على مخططات العزل الإسرائيلية الرامية لتجريدنا من أية دولة ممكنة ، وبرأينا أن الشعب بحسه الفطري كان متفوقا على السياسيين الذين أشبعوه أكاذيب عن أحلام أوسلو ، فإذا به مشاريع واحتكارات شخصية لم ينل منها إلا بمقدار نفاقه ، ولذا كان العقاب الشعبي والانتخابي انقلاباً جدياً على حقبة الفساد والتسوية وحداً فاصلاً بين الصدق والكذب ، الذين لا يريدون الاعتراف بهذه الحقائق يظنون أن كل ذلك كان برنامجا سياسيا وان " حماس " بالمقابل لا تملك برنامجا سياسيا يجاري العالم ويتعامل معها بضعف يستجدي قوت عياله ، ويزيد من إشكال ظنونهم الاعتقاد أن برنامج المقاومة المقابل والفائز هو عدمية سياسية لن يحترمها الأعداء وسيفشل أصحابها في تامين الخبز للشعب الفلسطيني ، والظن - وبعض الظن إثم - أن الشعب الفلسطيني الذي ضحى كما لم يضح شعب في الدنيا هو رهينة لإرضاء الغرب والشرق باستجداء مائه وخبزه وحياته .
سيقول قائل أن تلك شعارات لاتسمن ولا تغني من جوع ، وهذه للأسف تورط في المادية تتنكر اليوم للمفردات المبدأ والكرامة التي تناسها الكثير من الناس في العولمة الحديثة التي تتحدث فقط بلغة الأرقام فقراً أو غنىً ، ولكن هذا لا يعني أن" حماس "ستطعم الناس شعارات بل عليها بل هو واجبها أن تجد الحلول الواقعية لإمكانية انقطاع الدعم الدولي الذي يثبت اليوم انه لم يكن بتاتا لخدمة الشعب الفلسطيني بل هو لشراء الصمت والذمم وبقاء التسوية والتخفيف ما أمكن من التدين والمقاومة في هذا الشعب الأصيل.
والمطلوب بالمقابل من الشعب الفلسطيني أن يعذر " حماس " وان يحتمل ضيقاً في عيشه إن نفذت الاتحاد الأوروبي والاميركان تهديداته بقطع المساعدات ، مقابل البحث عن بدائل عربية وإسلامية تغنيه عن مال ملوث يساوم ويبتز ، ورغم أن تحليلنا يستبعد هذا الخيار نظرا للانعكاسات الجدية التي سيذوقها الاحتلال جراء شغب العاطلين ، إلا انه خيار قائم يستوجب من " حماس " مكاشفة الناس به ، ونحن كذلك على ثقة أن " حماس " التي تدير بنجاح العشرات من المؤسسات الخيرية ، واستطاعت أن تجلب الملايين للشعب الفلسطيني قادرة أن تتدبر المال للشعب الفلسطيني بالحد الذي يؤمن لهم الكرامة ويبقيهم صامدين في معيشتهم ، فان نجحت " حماس " في تحدي المال هذا كانت قادرة دون شك على تجاوز الضغوط التي تساومها الآن على ما يسمى " المرونة " بمبادئها ومنطلقاتها السياسية لان أي تمييع لهذه المواقف سيعني بالضرورة نجاح لأعدائها بترويضها في ورطة ومغانم السلطة ، بل أنها ستفقد احترامهم أيضا .
لقد شكل الانفصال عن غزة إشارة على واقعية نهج المقاومة ، وشكلت الانتخابات الشرعية السياسية لذلك ، وعلى " حماس " أن تثبت على ذلك وان تقبل تحدي السلطة دون تردد ، وان تقدم جهدها ووقتها لممارسة ذلك فان تم إعاقتها وضربها واستنزافها فلن تلام " حماس " وسيتحول غضب الناس المعبر عنه في الانتخاب إلى مقاومة شاملة سيخسر فيها المشككون بقدرة " حماس " ، ولذا على الجميع أن يحترم خيار الشعب وإراداته جدياً لا شكلياً .
وسيكون مطلوباً من " حماس " بالمقابل أن لا تنغلق على ذاتها وان تستفيد من كل القدرات المهنية والأطياف السياسية وان تطمئن الفلسطينيين أنها ستحترم حريتهم وان تقدم للشعب نموذجا إسلامياً يجمع ما بين الأصالة والتجديد وان تستفيد من ذلك من الكم الهائل من الأفكار الإسلامية التي خطت خطوات بعيدة تجاه واقع الناس ومطالبهم وحرياتهم ، وسيكون مطلوبا هنا أن تؤكد " حماس "بجلاء أنها ستحترم قواعد وشروط اللعبة الانتخابية التي أوصلتها إلى الحكم ، وان تحترم خيار الناس أياً كان ، والإدراك أن خطاب الناس في زمن الحركة مختلف عن زمن السلطة والمسئولية الجماعية ، فلكل فقه و مرحلته .
أما بخصوص العلاقة مع إسرائيل والتفاوض معها فيجب الثبات على النظرية التي تقول أن التفاوض وسيلة وليس هدفاً بحد ذاته ، والقول أن لدى " حماس " " متاحا ًشرعيا ًيمكنها من عقد هدنة طويلة مع الاحتلال دون أن تتنازل عن بوصة واحدة من فلسطين ، ولكن كل ذلك يجب أن يكون من واقع القوة لا من واقع الضعف ، وبشروط تحافظ على كرامة الشعب وحقوقه وليس مقابل فتات هنا أو هناك وحتى لاتصير الهدنة هي الأخرى هدفا ً بحد ذاتها دون استحقاقات تقابلها ، ولتعلم" حماس " أنها فازت على برنامج واضح أعلاه برنامجها المعلن وأدناه عقد القاهرة المتوافق عليه مع مجمل الفصائل الفلسطينية ، والاهم أن تدرك أن أي عدو يحترم من أعدائها القوي الثابت ، وقناعتنا هنا أن إسرائيل بعد نصر " حماس "مهيأة أكثر لتنازلات اكبر من ذي قبل وليس العكس وان ظهر التمنع فيها أوليا .
أما بخصوص مؤسسة الرئاسة التي انتخبت فمن المستوجب على الرئيس " عباس " الذي انتخب على برنامج واضح بانتصاره للتسوية أن يعادل برنامجه في ضوء نتائج التشريعي ، فلا يمكن لمؤسسة الرئاسة أن تتجاهل رغبة الشعب الجارفة في الانحياز لنهج المقاومة .
بالعموم على " حماس " أن تقبل تحدي السلطة ،وبرأينا أن لديها الكثير من الحلول الواقعية للقضايا السياسية والمالية والإدارية التي من الممكن أن يعززها استعانتها بالخبراء أصحاب الأيدي البيضاء.