الاغترار بالكثرة يجلب العثرة، وثبات القلة يمحو الهزيمة والذلة

الاغترار بالكثرة يجلب العثرة، وثبات القلة يمحو الهزيمة والذلة

د.يونس الاسطل
2006-02-02

ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين م أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء…

وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ، مَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" التوبة (25 -27)

من حسن الطالع أن يتزامن العام الهجري الجديد 1427 هـ مع هجرة الشعب الفلسطيني إلى الله، ذلك أن نتائج الانتخابات النيابية قد ميزت بين من كانت هجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها ، كما جاء في الصحيحين ، فأما الفريق الأول فهجرته إلى الله ورسوله ، وأما الثاني فهجرته إلى ما هاجر إليه، ولن ينال منه إلا ما كتب له، حتى لو ركض في هذه الدنيا ركض الوحش في البرية، وأما الأولون فالمرجو أن يكونوا ممن آتاهم الله ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، والله يحب المحسنين، وقد قال ربنا تبارك وتعالى في ذلك {وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } النحل41

غير أن نتائج الانتخابات جاءت فوق ما يتوقع أكثر الناس، فمن كان يظن أن تحصد الحركة الإسلامية وأنصارها الأربعة قريبا من ثمانين مقعداً، من قبل أن يجري العبث في الإحصاءات ، فيذهب مقعدان منها، ولا زال القوم يبيتون أن يجتروا مهزلة البلديات الثلاث في غزة، حيث كان ملف الطعونات في بعضها يناهز ألف صفحة، جرى جمعها في أيام معدودة، وهو ما يعني أن أصحاب الدفينة هم الذين يعرفون ما يزورون ، والله يكتب ما يبيتون، والعاقبة كما قال "ألاَ سَاء ما يَزِرُون" النحل (25)

وقد أردت بهذه الآيات التي تتحدث عن غزوة حنين أن أحذر من أن يأخذنا العجب بكثرة نوابنا الفائزين ، فيخدش ذلك توكلنا على الله رب العالمين، فلا تغني عنا كثرتنا شيئاً، خاصة في ظل الوجوم الذي يخيم على العالمين، والهجوم الذي يتوعدنا به البعداء، وقليل من الأقرباء ، لعلهم يغلبون.

إن قصة هذه الغزوة تتلخص في أن هوازن قد نظرت إلى مكة بعد أن فتحها ، والعفو عن أهلها، قد دخل أهلها في دين الله أفواجاً، وهذا خطر يتهدد ثقيفاً وما حولها، ولابد من الإغارة على مكة، وكسر شوكة الإسلام، لعلهم يتغدون بنا قبل أن نتعشى بهم، فلما وصلت أنباء حشودهم بوادي حنين أعلن النبي صلى الله عليه وسلم النفير، فزحف إليهم في اثني عشر ألف مقاتل، منهم ألفان من الطلقاء، والبقية هم جيش الفتح، ولما كانت جموع هوازن لا تزيد على أربعة آلاف ، فقد اغتر بعض الناس، لا سيما حدثاء الإسلام ببلوغنا ثلاثة أضعافهم، فقالوا لن نغلب اليوم من قلة، وغفلوا عن أن النصر من عند الله العزيز الحكيم، وأنه إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده!؟ وقد كان فوزنا في الدوائر ثلاثة أضعاف الأخوة في فتح، لقد كمن رماة هوازن على جانبي الطريق عند مضيق بين جبلين ، حتى إذا توسطناهم تناوشتنا السهام، فارتبكت صفوفنا، وولى أكثر الناس الأدبار، وصاروا يتخيلون الخطر من كل مكان، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، غير أن رسولنا وقائدنا عليه الصلاة والسلام كان يقاتل وهو يرتجز " انا النبي لا كذب ،انا ابن عبد المطلب " ،وقد ثبت معه قلة لا يناهزون المائة ،وبعض الروايات تحزرهم بثمانين ،وقد امر نبينا عمه العباس -كان جهوري الصوت - ان ينادي في ادبار الصحابة يا اهل الشجرة ،يا اصحاب سورة البقرة ،فرجع اليه اكثرهم ،ولكن بعد ان رجحت الكفة ،وصار كثير من القتلى مجندلين ،وطائفة من الاسرى مقرنين في الاغلال

ان النداء على اهل الشجرة يذكر بيوم الحديبية ،حيث بايعوا على الثبات والموت لما اشيع ان قريشا قد اغتالت عثمان رضي الله عنه ،وقد رضي الله عنهم اذا يبايعون تحت الشجرة

واما اصحاب سورة البقرة فهم الذين يعلمون ما فيها من انباء القتال واحكامه ،لا سيما قصة طالوت ،حيث قال الذين يظنون انهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله فهزموهم باذن الله

ان نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم لما راى انفضاض الصحابة عنه دعا ربه فقال " الله انجز لي ما وعدتني "،ثم قبض قبضة من تراب ورمى بها في وجوه الذين كفروا قائلا "شاهت الوجوه "فما بقي منهم احد الا ودخل شيء من تلك القبضة في عينيه وفمه ،فانشغلوا بذلك عن القتال ،وكان ذلك من اسباب هزيمتهم ،بالاضافة الى الرعب الذي قذفه الله عزوجل في قلوبهم بفعل الملائكة التى نزلت من فورها ،حتى ان احد المشركين ليروي لبنيه انهم سمعوا صلصلة بين السماء والارض كامرار الحديد على الطست الجديد ،وذلك قول الله تعالى " ثم انزل الله سكينته على رسوله ،وعلى المؤمنين ،وانزل جنودا لم تروها ،وعذب الذين كفروا...." واما قوله " وذلك جزاء الكافرين "فهو اخبار عن ان ما نزل بهوازن سنة الهية ماضية الى يوم الدين ،فان الذين يحادون الله ورسوله اولئك في الاذلين ،كتب الله لاغلبن انا ورسلي ،ان الله قوي عزيز واما قوله سبحانه "ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء " فهو بشارة ان كثيرا ممن قاتلوكم في الدين ،سوف يسلمون ،ويصبحون اولياء حميمين ،وعندئذ يغفر الله لهم ما قد سلف ،والله غفور رحيم.

ولم يمض على هزيمة هوازن اكثر من عشرين يوما حتى اتوا مسلمين ،فخيرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ان يرد عليهم غنائمهم ،او ان يهب لهم سباياهم ،فاختاروا الثاني فرد عليهم قريبا من ستة الاف امراة وصبي .

وقد خص الطلقاء باكثر الغنائم تاليفا لقلوبهم ،وابقى زعماءهم امراء على اقوامهم ،وكان منهم مالك بن عوف النضري .

ان انتصارنا السياسي هذا جعل الكثيرين يتقاطرون الى قادة الحركة سرا او جهرا يعلنون ولاءهم للاسلام ،بل ذهب بعضهم الى تقديم دراسات جيدة لكيفية النهوض بالمجتمع في المرحلة القادمة ،كل في مجال تخصصه ،ولم نكن ندري ان الذين يكتمون ايمانهم يبلغون هذا الكم الكبير من الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات.

اننا نطمئن جميع الناس الصالحين ان فوز الحركة الاسلامية سيكون بركة عليهم في العزة والكرامة ،وفي الرزق كذلك ،ولن يكون من سياستنا التضييق على الخلق ابدا ،ولكن الاصلاح الاداري قد يقتضي توزيع الادوار ،وتبديل المواقع ،كما ان الواجب يقتضي ان يصبح الضعيف قويا حتى يؤخذ الحق له ،وان يصبح القوي ضعيفا حتى يؤخذ الحق منه ،فان العدل والقسط هو مهر قوة الاخوة ،ودوام السلطان ،وتحقيق التحرير .

والله ولي المؤمنين

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026