انهيار النظرية الأمنية الصهيونية

عبد الستار قاسم
2014-09-17

في الرابع عشر من أغسطس آب من عام توقفت الحرب الصهيونية على لبنان ولم يوقفه الكيان منة أو صدقة لكنها فوجئت بحجم الخسائر التي منيت بها وفوجئت بالقدرات التكتيكية العسكرية لدى حزب…

 في الرابع عشر من أغسطس/آب من عام 2006 توقفت الحرب الصهيونية على لبنان، ولم يوقفه الكيان منّة أو صدقة، لكنها فوجئت بحجم الخسائر التي منيت بها، وفوجئت بالقدرات التكتيكية العسكرية لدى حزب الله. أيقن الكيان أن حربها تلك لم تكن نزهة، وأن إمكانية إحراز نصر غير واردة، فلملمت جنودها وما تبقى من دباباتها ووافقت على وقف إطلاق النار.
ثم تتالى الخذلان الصهيوني عام 2008/2009 في الحرب على غزة، وتكرر في غزة أيضا عام 2012، وها هو يتكرر الآن في يوليو/تموز وأغسطس/آب 2014. الكيان العسكرية لم تعد كما كانت، ومعاركها السهلة الميسرة لن تعود، انقلبت الأمور بالنسبة للكيان ، وأصبح الفشل عنوان مغامراتها العسكرية.
اختط الكيان لنفسها منذ عام 1948 نظرية أمنية، وعملت على تطبيقها، وحققت وفقها الكثير من الإنجازات العسكرية، وألحقت بالعرب عددا من الهزائم أدت في النهاية إلى خضوع أغلب العرب لها، وتطبيع العلاقات معها، وإقامة علاقات دبلوماسية وتجارية واقتصادية معها. ووصل الحد ببعض العرب إلى التعاون الأمني معها ومن ضمنهم فلسطينيون.
اعترفت السلطة بالكيان وارتضوا بالتطبيع والتنسيق الأمني معها، لكن معارك الكيان ضد المقاومة العربية سواء في جنوب لبنان أو جنوب فلسطين تلقي ظلالا ثقيلة على نظرية الأمن الصهيونية بحيث أنها غدت بلا جدوى، ومدمرة الأركان والأسس.

النظرية الأمنية الصهيونية

قامت النظرية الأمنية الصهيونية على عدد من القواعد والأسس ويمكن إجمالها بالتالي:
  "تتالى الخذلان الصهيوني -بعد حرب لبنان- في الحرب على غزة. الكيان العسكرية لم تعد كما كانت، ومعاركها السهلة الميسرة لن تعود، انقلبت الأمور بالنسبة للكيان ، وأصبح الفشل عنوان مغامراتها العسكرية"
أولا: اعتمد الكيان منذ البدء سياسة الاعتماد على الذات انطلاقا من أبعاد عقائدية وفكرية يهودية واردة في التوراة، وانطلاقا من تجربة اليهود التاريخية بخاصة في أوروبا وما ميزها من اضطهاد وملاحقة. تعتبر التوراة اليهود شعب الله المقدس والمختار، والذي لا يجوز له أن يتعايش مع الآخرين الغرباء وغير المقدسين أو يختلط بهم لأن في ذلك ما يمس بقدسيتهم.
ومختلف تعاليم التوراة التي بين أيدي اليهود الآن حول هذا الموضوع توصي بألا يعتمدوا على الآخرين أو يصاهروهم أو يقيموا علاقات اعتيادية معهم. وربما هذا ما يدفعهم باستمرار إلى الانعزال والانغلاق والنظر بتعالي وبصورة فوقية إلى الآخرين الذين يكرههم الرب، والذين هم الشعوب الأخرى.
أما التجربة التاريخية، فيرى حكماء صهيون ومثقفوهم وكتابهم أنهم لاقوا الاضطهاد والقتل والدمار على أيدي الغرباء، والاعتماد عليهم في النهاية يورث الفشل ويجلب المصائب.
ولهذا عمل الكيان منذ عام 1948 على الاعتماد على نفسها في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والسياسية والعسكرية والأمنية... إلخ. أسست الحركة الصهيونية للانطلاق العلمي على اعتبار أن النهوض العلمي هو أساس النهوض في مختلف المجالات فأقامت مدرسة زراعية في يافا عام 1870 لتعليم أبنائها فن الزراعة، ثم أقامت معهد رحوفوت للبحث العلمي ولم يكن له مثيل في المنطقة وذلك عام 1910، وأقامت أيضا معهد التخنيون في حيفا عام 1912، وافتتحت الجامعة العبرية عام 1925.
انطلق الكيان في أبحاثها العلمية، وركزت بداية على تطوير الزراعة على اعتبار أنها مصدر الغذاء الأول ويؤسس لإرادة سياسية مستقلة عن إرادات الآخرين الذين يملكون القمح. وانطلقت بعدها إلى تطوير قدراتها العسكرية من خلال التصنيع العسكري وتطوير التقنية العسكرية، واتجهت إلى صناعة المجوهرات، وإقامة المصانع والمعامل على اختلاف أنواعها حتى غدت من أوائل الدول المصدرة. استمرت إسرائيل بداية في الاعتماد على مساعدات مالية خارجية من الدول الغربية وعلى تبرعات أثرياء اليهود في العالم، لكن بقي هدفها التحرر من هذه المساعدات والاعتماد على نفسها حتى لا تعض أصابعها ندما في المستقبل.
ثانيا: البقاء قوة عسكرية أولى في المنطقة العربية الإسلامية بحيث تستطيع تحقيق نصر عسكري على الدول العربية والإسلامية فرادى ومجتمعة. كان الشعار الصهيوني الأمني المستمر أن بقاء إسرائيل مرتبط بقدراتها العسكرية الرادعة، ويجب أن يبقى جيشها أقوى جيش في المنطقة وقادرا على حسم المعارك بسرعة وكفاءة عالية.
وقد تبنت الولايات المتحدة الأميركية هذا الشعار وعملت على تمكين الكيان عسكريا حتى تبقى قوة عسكرية فوق التحدي. ومن هنا تولد شعار الجيش الذي لا يقهر ليكون جزءا من حرب نفسية مدعومة ميدانيا ضد العرب ومن والاهم.
لم يعتمد الكيان على مساعدات عسكرية غربية فقط وإنما عملت على تطوير السلاح الذي تحتاجه، فطورت الدبابات والطائرات المقاتلة والطائرات الإلكترونية والصواريخ والزوارق الحربية والبنادق... إلخ. وفوق ذلك قرر الكيان امتلاك أسلحة الدمار الشامل وطورت قدرات نووية كبيرة يفتقر إليها خصومها.
ثالثا: خوض المعارك الحربية في أراضي الغير، وتجنيب الكيان دائما ويلات القتال على مناطق سيطرتها. أقام الكيان جيشا كبيرا وسريعا ومسلحا بأحدث أنواع الأسلحة، وكانت حركته متميزة من بين جيوش العالم من حيث الوصول إلى أماكن التوتر والقتال، والقدرة على الحشد وتوجيه الضربات السريعة والقاضية.
ولهذا جنب الكيان تجمعاتها السكانية الكبيرة والصغيرة ويلات الحروب، وحصرت حروبها في البلدان العربية المجاورة لها، وأحيانا في بلدان عربية بعيدة عنها مثل تونس والسودان.
دمر الكيان تجمعات سكانية عربية وغزت دباباتها أراضي العرب، وهاجمت طائراتها العديد من المراكز والمؤسسات العربية، ولم تقو الجيوش العربية على الدفاع عن نفسها أو وقف الاعتداءات العسكرية الصهيونية المتكررة.
رابعا: شن حروب ناظرة تعتمد على جمع المعلومات حول العدو وقدراته العسكرية ومخازن أسلحته ومخططاته... إلخ. ولذا عمل الكيان باستمرار على توظيف عملاء وجواسيس عرب في كل البلدان العربية مع تركيز على الفلسطينيين ودول الطوق العربية. وظف الكيان عملاء لها من ضباط الجيوش العربية، وربما من الوزراء والحكام العرب، ونشرت عملاءها في المؤسسات المختلفة الأمنية والمدنية، واستطاعت أن تقف على دقائق الأمور في الساحات العربية.
  "كان العراق أول دولة عربية يغزو الكيان بالصواريخ، لكن صواريخها كانت قليلة ولم تؤثر جذريا على نظرية الكيان الأمنية، لكنها أعطت مؤشرا حول اتجاهات المستقبل. المقاومة العربية في لبنان وفلسطين كانت الأكثر تأثيرا والأكثر قوة"
شن الكيان حرب جمع معلومات شرسة وقوية وفعالة، وخاضت حروبها وهي تملك معلومات وفيرة حول الأهداف التي يجب ضربها أو تحييدها، فكانت خسائر الجيوش العربية كبيرة جدا، بينما بقيت الخسائر الصهيونية في أضيق نطاق ممكن، وقد اعتمدت باستمرار على أجهزتها الأمنية الداخلية والخارجية لتقدير موازين القوى، وقدرات العرب على المساس بها وبجيشها، وكانت تتصرف دائما بناء على علم مسبق.
خامسا: الحرب الاستباقية أو الوقائية هي أفضل الحروب وأقلها خسائر، منذ البدء اعتمدت الكيان على المثل القائل "تغدى فيه قبل أن يتعشى فيك" أي يجب ضرب أي قوة عربية ناهضة وتدميرها قبل أن تكبر وتصبح قادرة على ضرب إسرائيل عسكريا. ولهذا عمل الكيان بعد عام 1948 على القيام بأعمال استفزازية بهدف جر جيوش عربية إلى ميدان المعركة ومن ثم القضاء عليها قبل أن تصبح قادرة على الإقلاع والتحدي.
سادسا: اختطف الكيان برامج تثقيفية وتعليمية منذ قيامها بهدف تطوير العقلية العلمية لدى سكانها والتفكير العلمي، وبث الوعي بوجهة نظرها فيما يتعلق بالصراع العربي الصهيوني ، وبرفع مستويات الالتزام والفداء والتضحية من أجل الكيان . وعملت على بث الثقة في نفوس سكانها والهدوء والطمأنينة لكي يكونوا قادرين على مقاربة همومهم ومشاكلهم بروية ومنطق وأسلوب علمي. الدولة قوية بقوة أبنائها، وأولئك غير الأحرار وغير العلميين لا ينفعون لإقامة دولة وصون وجودها.
سابعا: الهدف الأمني الصهيوني النهائي هو أن يبقى الكيان واحة الأمن الحاضنة لكل يهود العالم، وإبقاء جدلية الصهيونية بأن لا أمن لليهود إلا في الكيان قائمة ومقنعة.

انهيار أركان النظرية الأمنية

كان العراق أول دولة عربية تغزو الكيان بالصواريخ، لكن صواريخها كانت قليلة ولم تؤثر جذريا على نظرية الكيان الأمنية، لكنها أعطت مؤشرا حول اتجاهات المستقبل. المقاومة العربية في لبنان وفلسطين كانت الأكثر تأثيرا والأكثر قوة.
شكلت حرب عام 2006 على لبنان الهزة الكبيرة الأولى للجيش الصهيوني، وكل النسيج الأمني الصهيوني. أمطر حزب الله الكيان بوابل متلاحق من الصواريخ شلت الحياة المدنية، تساقطت الصواريخ على المدن الصهيونية والمغتصبات، وهرع الناس إلى الملاجئ. لم تعد شوارع الكيان وميادينها آمنة، وأصبح البشر والحجر مهددون بدمار الصواريخ. لم تعد منطقة شمال إسرائيل آمنة، وفقد الناس شعورهم بالأمن وثقتهم بقدرة دولتهم على حمايتهم.
وتبنى حزب الله على مدى السنين نظرية التحصين الأمني بحيث يقضي على الجواسيس والعملاء، ويمنع بذلك عن الكيان مصادر المعلومات. صحيح أن الكيان يملك وسائل تقنية لجمع المعلومات، لكن الحزب عمل على امتلاك وسائل تقنية مشابهة، واعتبر أن العنصر البشري هو الأهم في جمع المعلومات. لاحق العملاء والجواسيس، وطور أساليب متعددة لاقتفاء أثرهم، ولهذا أقدم الكيان على حرب شبه عمياء، غير ناظرة ففاجأها الحزب بقدراته العسكرية الميدانية والتكتيكية المتعددة.
أهم ما جرى هو أن الحزب استطاع تحييد الطيران الصهيوني وذلك من خلال إقامة شبكة أنفاق تحت الأرض حتى لا يستطيع الطيران الوصول إلى المقاتلين. فانتقم الطيران من المدنيين ومن بيوت المواطنين العاديين.
"لم يعد الفلسطينيون يحاربون من دول الجوار وإنما من بلادهم وانطلاقا من أرض محررة محاصرة. وليس هذا فحسب، وإنما يعمل سكان التجمعات السكانية اليهودية في جنوب فلسطين الآن على الرحيل ليخرجوا من همّ الصواريخ الفلسطينية"
المهم أن المعركة لم تجر على أرض لبنان فقط، وأن الكيان لم تفاجئ حزب الله، بل هو الذي فاجأها، وواحة الأمن الصهيونية أصبحت تقض المضاجع، ونظرية الجيش الذي لا يقهر لم تعد موجودة، وثقة الصهاينة بجيشهم أصيبت بضربة قوية.

حرب 2014

أكملت حماس وقوى المقاومة الفلسطينية في غزة المشوار، وأذهلت العالم في قدراتها على النهوض والتطوير والتصنيع وغزة محاصرة ولا تملك الإمكانيات للتطوير. قصفت المقاومة الفلسطينية الكيان برشقات قوية من الصواريخ التي أصبحت تطال كل بقعة في فلسطين المحتلة. وهرع الناس إلى الملاجئ ليصبح كل سكان الكيان على بينة من أمرهم وهو أن الأمن يمكن أن يكون متوفرا في أي مكان في العالم عدا الكيان .
أيقنت كل الكيان الآن جمهورا ومخابرات وجيشا ومسؤولين أن كل الصهاينة غير آمنة، وأن الكيان لم تعد قادرة على حروب استباقية، أو أن المسرح الحربي حكرا عليها.
الأهم في حرب عام 2014 أن رحاها تدور على أرض فلسطين. لم يعد الفلسطينيون يحاربون من دول الجوار وإنما من بلادهم وانطلاقا من أرض محررة محاصرة. وليس هذا فحسب، وإنما يعمل سكان التجمعات السكانية اليهودية في جنوب فلسطين الآن على الرحيل ليخرجوا من همّ الصواريخ الفلسطينية.
المعنى أن أمام المقاومة الفلسطينية في غزة فرصة مستقبلية لتوسيع الرقعة الجغرافية. شكلت غزة رأس جسر فلسطيني عسكري أحسنت المقاومة الفلسطينية استخدامه، والمستقبل أمامها لتحقيق مزيد من التطوير.
لا أعني بهذا المقال أن إسرائيل انتهت، لكنني أعني أن المقاومة العربية تطور نفسها بصورة متسارعة وبدأب وإصرار. هناك الآن إسرائيلي جديد متشكك ومتردد، وعربي لبناني فلسطيني جديد يثق بنفسه وقدراته، ويتمتع بعقيدة صلبة تقوده إلى الموت من أجل الحياة، من أجل أن تحيا أجيال العرب القادمة.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026