ثالثا المفاجآت في العام كانت إسرائيل هي صاحبة الصدمة الأولى والمفاجأة الصاعقة وكذلك كان الحال في العام بعكس الحال في هذه المرة ولعل مما حال دون وقوع مفاجأة من العيار الثقيل تسلسل…
ثالثاً: المفاجآت
في العام 2008/ 2009، كانت " إسرائيل" هي صاحبة الصدمة الأولى والمفاجأة الصاعقة، وكذلك كان الحال في العام 2012، بعكس الحال في هذه المرة، ولعل مما حال دون وقوع مفاجأة من العيار الثقيل، تسلسل الأحداث من جهة، واستشعار حماس المبني على وقائع وتحليلات، وربما معلومات أيضاً، لشيء ما يدور في الأفق، فقد كان إضراب الأسرى الإداريين، والتفاعلات الشعبية المرافقة، وما سمي بحكومة التوافق، والأحداث التي رافقت وتلت قصة المستوطنين الثلاثة، وخطف الفتى أبو خضير وحرقه، والجنون الإسرائيلي المبالغ فيه في الحرب على حماس وكل ما يتصل بها، وتوجيه أصابع الاتهام إلى غزة والتحرش بها وبأهلها، كل ذلك فيما يبدو أعطى مؤشراً لقادة المقاومة السياسيين والعسكريين، كي يأخذوا حذرهم ويحتاطوا لإمكان مباغتتهم من قبل العدو، الذي يسعى لتحقيق إنجازات معنوية في هذه المعركة.
ومعنى عدم تمكن العدو من تحقيق مفاجآت واصطياد قيادات طيلة الحرب، وقلة الشهداء من المقاومين بالرغم من إثخانهم فيه، وكذلك استمرار إطلاق الصواريخ بالرغم من ادعاءات الاحتلال تحطيم منصاتها وقواعدها ومخازنها، أن عيونه التي كان يعتمد عليها سابقاً قد اقتلعت، وأن ما تبقى منها قد جرى تضليله أو استتابته وبالتالي قيامه بدور معاكس.
وفي الوقت الذي عجز فيه المحتلون عن تحقيق مفاجآت في المقاومين، فإن المقاومين قد حققوا العديد من المفاجآت الكبيرة والتي كانت لها آثارها العظيمة لدى الشارع الفلسطيني وعمقه العربي والإسلامي، ومن جهة أخرى آثارها الصاعقة في العدو جنوده وقيادته ومستوطنيه وحلفائه... وكل واحدة من تلك المفاجآت تعتبر ملحمة وأسطورة بحد ذاتها:
زيكيم والإنزال البحري: حيث إن اقتحام تلك القاعدة العسكرية البحرية ومهاجمة الجنود فيها وتصوير وبث مشاهد من العملية، وفيما بعد عرض لمشاهد الضفادع البشرية القسامية وهم يؤدون الصلاة في البحر، والحديث عن وصولهم زيكيم سباحة أو في زوارق، كل ذلك يبعث على النشوة والاعتزاز لدى الجمهور الفلسطيني ويعمق الانتماء والولاء للمقاومين، ويرسخ معاني الإيمان والحب.
الإنزال في المعسكرات والمستوطنات: وذلك باستخدام الأنفاق، وتكرار ذلك، ومهاجمة الجنود، والعودة بسلام أو بخسائر محدودة، وتصوير بعض العمليات، وما يفعله ذلك في معنويات المستوطنين الذين غادر أكثرهم المستوطنات القريبة من القطاع، وتكرر محاولات أسر جنود حتى اضطرت قيادات الاحتلال، ربما أكثر من مرة، إلى قتل العديد من جنودهم قبل اكتمال عملية الأسر.
وإذا كانت هذه العمليات تظهر مدى شجاعة وفدائية المجاهدين، فإنها كذلك تظهر مقدار السكينة التي يتمتعون بها، ودرجة التحكم العالية التي يتحلون بها، وحرص قيادتهم عليهم أن يرجعوا سالمين لمعاودة الكرة، وفي ذلك تأكيد على أن الاقتصاد في الأرواح متزامن مع الاقتصاد في النيران.
وبمناسبة الإنزال فإن مفاجأة شبكات الأنفاق، وامتداداتها في قطاع غزة وخارجها وبلوغها عدداً من المعسكرات والمستوطنات، تشكل واحدة من أبلغ المفاجآت الصاعقة للعدو وقيادته، حتى ليصرح نتانياهو بأن حماس قد أعدت سلاحين استراتيجيين ضدهم هما الصواريخ والأنفاق.
إن تخيل كمّ الأنفاق وامتداداتها وأطوالها والجهود المبذولة فيها، وما يمكن أن نتخيله من (غزة التحتا)، وهل هي غزة واحدة أم غزات!! والتي تشتمل أماكن التدريب وتصنيع الأسلحة وتخزينها، ومخابئ المقاومين ومقار قياداتهم، كل ذلك يبعث على الدهشة الإعجاب والتقدير والاحترام، لهذه العقول الجبارة والإرادات القهارة والعزائم الصادقة والجهود الدائمة التي لا يصيبها الملل ولا الكلل.
أسر الجنود واغتنام أسلحتهم: مع أن أحد الأسباب الظاهرة الرئيسة للمعركة هي ما يقال عن أسر المستوطنين الثلاثة، وتهديد المقاومة بأنها ستأسر جنوداً إذا غامر المحتلون بالعدوان، فإن المفاجأة الصاعقة التي حلت على رؤوس القادة الصهاينة كانت إعلان القسام أسر أحد الجنود، وقد تجاهلوا الأمر في البداية، ثم ادعوا أنهم يفحصون الأمر، ثم اضطروا إلى القول إن الجندي المفقود معدود في القتلى، كي يستفزوا المقاومين لتأكيد هذا الزعم أو نفيه، لكن المقاومين تناسوا الموضوع باعتبار أنه قضية مستقلة تبحث فيما بعد، تاركين للتفاعلات السلبية أن تأخذ دورها في الشارع الإسرائيلي بمستوياته السياسية والأمنية والإعلامية والعسكرية والمدنية.
والحق أن خبر أسر الجندي أرون قد كان له مفعول السحر في الشارع الفلسطيني، ولعله من أكبر العوامل التي أدت إلى مزيد من الالتفاف حول المقاومة ومضاعفة الصبر والتحمل لمجازر المحتلين، ولم يتمالك الكثيرون أنفسهم في التعبير عن تأييدهم ومناصرتهم للمقاومين حتى من خصوم حماس في الشارع الفلسطيني، إلى الحد الذي غير البعض من السياسيين والإعلاميين جلودهم وصارت ألسنتهم تتحدث بلغة غير التي اعتادوا عليها، وحتى عندما زعمت مصادر الاحتلال أسر جندي آخر وقامت بمجازر بشعة خاصة في رفح، فإن النشوة المرافقة لهذه الشائعة قد هونت وخففت كثيراً من آثار تلك المجازر.
ونستطيع أن نقرر وبحق معادلة معاكسة لما هو معتاد من أن: الصمود يصنع النصر، لنؤكد بأن بعض الانتصارات الجزئية المتمثلة في عمليات الأسر وغيرها تؤدي إلى مزيد من الصمود المؤدي بالضرورة إلى النصر الأكيد في قابل الأيام.
الصناعات العسكرية: كل ما في معركة العصف المأكول يرد الروح ويبعث على الانتشاء ويشعر بالعزة والكرامة، ومن أبرز هذه العناصر مصطلح صناعاتنا العسكرية!!
إن الكلمة كبيرة كبيرة، ومحملة ومشحونة بالكثير من الظلال والإيحاءات، ويكفي أنها ترتبط بالدول العظمى والقوية والمتقدمة، وهي تبرز الإرادة والتصميم وتبعث على تساؤلات من مثل: أين هذه المصانع ومتى وكيف أقمتموها؟ وماذا لديكم من مخترعات غيرها؟، ولم غفلت دولنا العربية بمئات ملايين سكانها وتريليونات خزائنها وقصرت وعجزت عن أن تفعل شيئاً مشابهاً.
وقد كان بداية الإعلان عن هذا الحدث الصاعق للاحتلال والأعداء، والمدهش المبهج لجبهة الإخوة والأصدقاء، من قبل العدو ذاته إذ أعلن إسقاط طائرتين دون طيار في منطقتي القدس وتل أبيب فيما أذكر، لتبادر المقاومة إلى إعلان أن صناعاتها العسكرية قد أنتجت ثلاثة أصناف من طائرة الأبابيل، ثم تعرضها وهي تطير في سماء فلسطين.
ثم تعود الصناعات العسكرية لتعرض لنا البندقية القناصة ( الغول) وتخبرنا بأن عدداً من حالات القنص التي عرضت أفلامها كانت باستخدام هذه البندقية.
كل ذلك دون أن ننسى صناعة الصواريخ والتي كدنا ننسى معجزة صناعتها وتطويرها وما بلغته من مدى وما تحتويه من قدرة تدميرية ودقة في الإصابة، وما تثيره من رعب في جبهة الأعداء، خاصة مع عجز القبة الحديدية عن إيقافها.
مفاجأة اللامفاجأة: ولعل هذه من أبلغ المفاجآت في المعركة، وذلك حين صدر بيان القسام الناطق بالعربية والعبرية يعلن بأنه سيقصف تل أبيب في ساعة محددة، داعياً وسائل الإعلام إلى الترقب والتصوير، ومطالباً المدنيين بأخذ الحذر!!
والمفاجأة تتمثل ابتداء في جانب التحدي الصارخ والذي يقول للمحتلين الذين تغطي طياراتهم سماء غزة: لن تستطيعوا وقف الصواريخ ولا تحديد منصاتها، ولن تقدر قبتكم الحديدية على اعتراضها، وستضربكم في رمز دولتكم وقمة مأمنكم، وسنشل حياتكم ونوقف نشاطكم وندفعكم إلى الملاجئ.
ومن جوانب قوة هذه الرسالة أن قيادة الاحتلال لا يمكنها إخفاءها، بل لا بد وأن تعيد نشرها في أوساط الإسرائيليين مع كل ما يرافقها أو يستتبعها من مشاعر القلق والذعر واضطرار الجمهور نحو الملاجئ.
واللافت أن هذه الرسالة قد استخدمت عبارة لطيفة لسكان تل أبيب حين دعت المدنيين لأخذ الحذر، ولم تستخدم عبارات مستفزة كأن تطالبهم بأن يفروا إلى الملاجئ كالفئران!
ومثل هذه الرسالة تؤدي وظيفة بث الرعب في صفوف المحتلين وتظهر عجز جيشهم وقيادتهم عن حماية شعبهم أو اعتراض سلاح المقاومة، وفي الوقت ذاته تبث مشاعر الثقة والتأييد والانتشاء في الشارع الفلسطيني.
ولا ننسى أن قصف تل أبيب له مفعول السحر لدى الفلسطينيين، إذ هي العاصمة الفعلية ورمز الكيان وأكثر مدنه شعوراً بالأمان، وكانت الأمنية القديمة والدائمة لدى الجماهير الفلسطينية والعربية أن تنال الجيوش أو المقاومون من هذا الرمز سيما والكرة دائماً في ملاعبنا، حيث جاءت المقاومة لتجعل من هذا الحلم حقيقة واقعة وحدثاً مشاهدا ومتكرراً.