ثانيا سفر حزقيال بعد سورة الفيل في إطار الحرب النفسية الموجهة لرفع الروح المعنوية للجبهة الداخلية كانت سورة الفيل وما انبثق عنها من حجارة السجيل والعصف المأكول والطير الأبابيل…
ثانياً: سفر حزقيال ... بعد سورة الفيل!!
في إطار الحرب النفسية الموجهة لرفع الروح المعنوية للجبهة الداخلية، كانت سورة الفيل وما انبثق عنها من حجارة السجيل والعصف المأكول والطير الأبابيل، وبالمقابل فإن البيان الأول لأبي عبيدة والذي أعلن فيه بدء معركة العصف المأكول قد تضمن في خلفية الصورة، اقتباساً – نسخ ولصق - بالعبرية من سفر حزقيال، فيه نبوءة حزقيال: ( الآن النهاية عليك، وأرسل غضبي عليك، وأحكم عليك كطرقك وأجلب عليك كل رجاستك، فلا تشفق عليك عيني ولا أعفو بل أجلب عليك طرقك، وتكون رجاستك في وسطك، فتعلمون أني أنا الرب).
حيث " النبي هنا يتنبأ بالخراب الآتي على أرض إسرائيل، وأنه خراب نهائي وقريب جداً بل هو على الأبواب ولا يمكن تحاشيه، فقد جلبوه على أنفسهم بخطاياهم ولا يمكنهم الدفاع ضده لا بقوتهم ولا بثروتهم، بل حتى الهيكل الذي وضعوا فيه ثقتهم سيخرب، إذاً هو خراب عام"
وهذا السفر يتكرر فيه الحديث عن غضب الرب على شعب إسرائيل نتيجة عصيانهم وكفرهم وجرائمهم، حيث جرى تشبيه فجورهم وخروجهم على تعاليم الرب بالزنى الذي نُسب إلى أورشليم والسامرة، وقد استخدم حزقيال ( الزنا) كصورة مجازية حيث إنه كان يرى أن تاريخ الشعب كله منذ الخروج تاريخ عصيان.
والحرب النفسية في هذا الاقتباس أنها تقول للمحتلين، بنص كتابهم المقدس، إنكم اليوم كما كنتم بالأمس عصاة ظلمة معتدين، فعلتم كل ما يغضب الرب وارتكبتم كل رجاسة، ولذلك سيحل عليكم غضب الرب على أيدي الفلسطينيين هذه المرة، مثلما حل عليكم سابقاً على أيدي البابليين، ولن تنالكم شفقة الرب ولن يشملكم عفوه بل قد حكم عليكم الرب بالنهاية.
وإن نظرة سريعة لسفر حزقيال، وبالذات الإصحاح السابع الذي اقتبس منه بيان القسام يظهر شدة غضب الرب عليهم ومقدار ما ينتظرهم من عقابه:
1 وكان إليّ كلام الرب قائلا:
2 وأنت يا ابن آدم، فهكذا قال السيد الرب لأرض إسرائيل: نهاية قد جاءت النهاية على زوايا الأرض الأربع
3 الآن النهاية عليك، وأرسل غضبي عليك، وأحكم عليك كطرقك، وأجلب عليك كل رجاساتك
4 فلا تشفق عليك عيني ، ولا أعفو، بل أجلب عليك طرقك وتكون رجاساتك في وسطك، فتعلمون أني أنا الرب
5 هكذا قال السيد الرب : شر شر وحيد هوذا قد أتى
6 نهاية قد جاءت. جاءت النهاية. انتبهت إليك. ها هي قد جاءت
7 انتهى الدور إليك أيها الساكن في الأرض. بلغ الوقت. اقترب يوم اضطراب، لا هتاف الجبال
8 الآن عن قريب أصب رجزي عليك، وأتمم سخطي عليك، وأحكم عليك كطرقك، وأجلب عليك كل رجاساتك
9 فلا تشفق عيني، ولا أعفو، بل أجلب عليك كطرقك، ورجاساتك تكون في وسطك، فتعلمون أني أنا الرب الضارب
10 ها هوذا اليوم، ها هوذا قد جاء دارت الدائرة. أزهرت العصا. أفرخت الكبرياء
11 قام الظلم إلى عصا الشر. لا يبقى منهم ولا من ثروتهم ولا من ضجيجهم، ولا نوح عليهم
12 قد جاء الوقت. بلغ اليوم. فلا يفرحن الشاري، ولا يحزنن البائع، لأن الغضب على كل جمهورهم
13 لأن البائع لن يعود إلى المبيع، وإن كانوا بعد بين الأحياء. لأن الرؤيا على كل جمهورها فلا يعود، والإنسان بإثمه لا يشدد حياته
14 قد نفخوا في البوق وأعدوا الكل، ولا ذاهب إلى القتال، لأن غضبي على كل جمهورهم
15 السيف من خارج، والوباء والجوع من داخل. الذي هو في الحقل يموت بالسيف، والذي هو في المدينة يأكله الجوع والوباء
16 وينفلت منهم منفلتون ويكونون على الجبال كحمام الأوطئة. كلهم يهدرون كل واحد على إثمه
17 كل الأيدي ترتخي، وكل الركب تصير ماء
18 ويتنطقون بالمسح ويغشاهم رعب، وعلى جميع الوجوه خزي، وعلى جميع رؤوسهم قرع
19 يلقون فضتهم في الشوارع، وذهبهم يكون لنجاسة. لا تستطيع فضتهم وذهبهم إنقاذهم في يوم غضب الرب. لا يشبعون منهما أنفسهم، ولا يملأون جوفهم، لأنهما صارا معثرة إثمهم
20 أما بهجة زينته فجعلها للكبرياء. جعلوا فيها أصنام مكرهاتهم، رجاساتهم، لأجل ذلك جعلتها لهم نجاسة
21 أسلمها إلى أيدي الغرباء للنهب، وإلى أشرار الأرض سلبا فينجسونها
22 وأحول وجهي عنهم فينجسون سري، ويدخله المعتنفون وينجسونه
23 اصنع السلسلة لأن الأرض قد امتلأت من أحكام الدم، والمدينة امتلأت من الظلم
24 فآتي بأشر الأمم فيرثون بيوتهم، وأبيد كبرياء الأشداء فتتنجس مقادسهم
25 الرعب آت فيطلبون السلام ولا يكون
26 ستأتي مصيبة على مصيبة، ويكون خبر على خبر، فيطلبون رؤيا من النبي، والشريعة تباد عن الكاهن، والمشورة عن الشيوخ
27 الملك ينوح والرئيس يلبس حيرة، وأيدي شعب الأرض ترجف. كطريقهم أصنع بهم، وكأحكامهم أحكم عليهم، فيعلمون أني أنا الرب).
فهذا النص يتكرر فيه الحديث عن النهاية، وعن غضب الرب وعدم شفقته عليهم أو عفوه عنهم، وشمول العقاب للكبار والصغار وللرؤساء والمرؤوسين، والعقوبة لها جانبان: داخلي كالأوبئة والجوع، وسيف الأعداء والخزي عليهم من الخارج.
وبالتالي فإن مجرد إيراد فقرتين من الإصحاح ضمن بيان القسام، مع الإشارة إلى مصدرها – سفر حزقيال - كافٍ في التذكير بباقي الإصحاح وما فيه من التهديد، ما يفعل فعله في نفوس المؤمنين بهذا الكتاب من يقين بالعقوبة وتحقق للهزيمة.
إن الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد زاخر بما يصلح للحرب النفسية ضد المحتلين، حتى ليمكن اعتباره أكثر النصوص " معاداة للسامية" بحسب المواصفات والمقاييس الصهيونية!!، وإن بالإمكان الإكثار من الاقتباس منه للتأثير في نفسياتهم من جهة، وللتأثير في الغربيين المؤمنين بالكتاب المقدس، وتقريب مواقفهم لصالح القضية، أو تقليل انحيازهم وضمان حيادهم في الحد الأدنى.
وعلى سبيل المثال فقد لوحظ أن بعض الجنود قد وصفوا المقاومين بالعماليق الذين يبلغ طول أحدهم ثلاثة أمتار ولا يؤثر فيهم الرصاص، وذلك من تأثير حكايات العهد القديم، ما يعني مزيد الإمكانيات للاستفادة من هذا التراث.
وقد ذكرت بعض المصادر أن المقاومين الفلسطينيين أنشؤوا موقعاً إليكترونياً باللغة العبرية موجهاً للمحتلين، ولم يتسن للكاتب الاطلاع عليه لعدم معرفته بالعبرية، ويبقى السؤال: ما نسبة الجمهور الإسرائيلي الذي يمكن أن تصله رسائل المقاومين؟ ثم ما درجة إتقان المقاومين للغة العبرية حتى لا يؤثر ضعف الأداء اللغوي على مفعول الرسائل؟ وما درجة تعمقهم في الثقافة الصهيونية بمختلف جوانبها لاستخدامها في الحرب النفسية؟ والأهم من ذلك كله هو واقع المقاومة والشعب الفلسطيني في المواجهة إذ هو الفيصل والأساس.