حركة حماس وإسرائيل

حركة حماس وإسرائيل

محمد خليفة
2006-01-11

صحيفة الخليج الإماراتية ما إن فازت حركة المقاومة الفلسطينية حماس بغالبية مقاعد المجالس البلدية في الضفة الغربية في الانتخابات التي أجريت في حتى ارتعدت فرائص الغربيين فزعا على…

صحيفة الخليج الإماراتية

ما إن فازت حركة المقاومة الفلسطينية "حماس" بغالبية مقاعد المجالس البلدية في الضفة الغربية في الانتخابات التي أجريت في 15/12/2005، حتى ارتعدت فرائص الغربيين فزعاً على "إسرائيل". فاجتمع مجلس النواب الأمريكي على عجل، وأصدر قراراً بقطع المساعدات الأمريكية عن السلطة الفلسطينية في حال شاركت حماس في الانتخابات التشريعية في 25/1/2006. كما أن الاتحاد الأوروبي أرسل خافيير سولانا مسؤول السياسة الخارجية والأمنية فيه إلى الأراضي الفلسطينية ليتوعد السلطة الفلسطينية أيضاً بقطع المساعدات الأوروبية عنها إذا فازت حماس في الانتخابات التشريعية المقبلة ولم تتخلًّ عن العنف.

طبعاً لا يرى الغربيون أن تصرفاتهم هذه تعاكس مبادئ الديمقراطية والحرية التي يدعون إليها، ذلك أن الانتخابات البلدية الفلسطينية أجريت بشكل شفاف تحت رعاية السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها حركة فتح، وبإشراف مراقبين دوليين. وقد أعطى الشعب الفلسطيني صوته لحركة حماس لإيمانه بأنها تستحق أن تقود نضاله للتحرر من المحتل. وبالتالي، فإن الشعب الفلسطيني هو الذي اختار، وكان على الغرب أن يقبل بهذا الاختيار لو كان حقاً حريصاً على نشر الديمقراطية في العالم. وهذا الغرب الذي يضيّق على حركة حماس بدعوى أنها متطرفة ولا تعترف ب "إسرائيل"، لا يرى غضاضة في وجود العديد من الأحزاب والحركات المتطرفة في "إسرائيل" مثل حركة "كاخ" التي أسسها كاهانا، وأيضاً حركة "شاس" التي يتزعمها عوبديا يوسف الذي لا يفتأ ليل نهار، يطالب بطرد العرب ليس من الضفة وغزة فقط، بل من داخل ما يسمى الخط الأخضر أو "إسرائيل". وهناك الكثير من الحركات والأحزاب المتطرفة، والتي تشترك في الانتخابات وتفوز بمقاعد في البرلمان "الإسرائيلي"، وتطرُّف هذه الأحزاب والحركات اليهودية، هو أمر جميل في نظر الغرب. فلا نسمع دعوات منه تطالب الحكومة "الإسرائيلية" بإقصاء الأحزاب المتطرفة التي لا يخدم وجودها في الساحة السياسية عملية السلام.

بل كلما زاد التطرف في المجتمع "الإسرائيلي" وكلما ازدادت الأحزاب المتطرفة في حقدها على الفلسطينيين والعرب، ازدادت المساعدات الغربية ل "إسرائيل". وهذه السياسة الغربية لا يمكن أن تشي إلاّ بأن الغرب له وجه واحد وغير متسامح في التعامل مع العرب والمسلمين. وقد سمح هذا الغرب لنفسه بالتصرف في شيء ليس له، فقام بمنح فلسطين هدية لليهود، ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل قام بمدّ هؤلاء الغاصبين بكل وسائل القوة المتاحة سواء منها المادية أو المعنوية، وجعل "إسرائيل" حقيقة واقعة في قلب العالم العربي، وتعامل مع الحكومات العربية والإسلامية من خلال حبها أو كرهها ل"إسرائيل". فالدول التي تصرّ على معاداة "إسرائيل" يتم عزلها وفرض العقوبات عليها وتسميتها "دولاً مارقة". أما الدول التي تعترف ب"إسرائيل" وتقبل بوجودها، فإنها توصف ب"الدول المعتدلة والحليفة". ويدَّعي هذا الغرب أنه يريد تحقيق السلام في الشرق الأوسط، لكنه لا يفتر عن التصريح بأنه ملتزم بأمن وسلامة "إسرائيل".

وبمقتضى هذا الالتزام، يتم تسويغ جميع جرائم "إسرائيل" بحق الشعب الفلسطيني واعتبارها دفاعاً عن النفس، في الوقت الذي يتم فيه تجريم جميع أعمال المقاومة الفلسطينية واعتبارها "إرهاباً". فحركة حماس هي وفق هذا المنطق حركة "إرهابية" فقط لأنها تدافع عن حق الشعب الفلسطيني في الوجود على أرضه التي عاش عليها منذ آلاف السنين، ويجب إقصاء هذه الحركة التي تهدد أمن "إسرائيل" من المشهد السياسي الفلسطيني. لكن، لا يتم الضغط مطلقاً على "إسرائيل" لجعلها تعترف بالشعب الفلسطيني، أو تقبل بوجود دولة فلسطينية على ما بقي من أرض فلسطين، أي في الضفة الغربية وغزة.

ف"إسرائيل" لا تزال ترفض الاعتراف بأي حق للشعب الفلسطيني في فلسطين، وما تزال تمارس بحقه أبشع أنواع القهر والإرهاب والعدوان، فتسرق المزيد من أرضه لتبني عليها المستوطنات للقادمين الجدد، وتقتل المزيد من رجاله. وقد قتلت إلى الآن مئات الشخصيات الفلسطينية بعمليات إرهابية منظمة على مرأى ومسمع من العالم من دون استنكار، حتى إنها اغتالت رمز النضال الفلسطيني ياسر عرفات. وكل هذا الإجرام "الإسرائيلي" هو في نظر الغرب، أفعال خير تخدم عملية السلام.

فليت شعري أيُّ سلام يتحدثون عنه، وأية تسوية يريدونها؟. لا شك في أن السلام الذي يريدونه هو سلام "إسرائيل" وسلامتها فقط، لا سلام وسلامة الشعب الفلسطيني. وإذا كان هذا الغرب لا يرى إلا مصلحة "إسرائيل"، فعلى السلطة الفلسطينية ألاّ تنجرّ وراء مؤامراته الظاهرة والمستورة، وعليها أن تجري الانتخابات التشريعية وبمشاركة جميع الأطراف، وأن يتسامى الجميع فوق المصالح الفردية بهدف تعزيز إنسانية الإنسان الفلسطيني. فالتاريخ كما قيل لم يعد هو تاريخ صراع بين الشعوب، وإنما الترابط والتكامل والتعاون على البِرّ والتقوى، لا على الإثم والعدوان.

* كاتب من الإمارات

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026