ظلت القدرات الاستخبارية التي تنسبها إسرائيل لجيشها واحدة من المفاخر التي تدعيها إسرائيل خاصة في استعراضها لتاريخ الصراع مع محيطها العربي لكن حرب إسرائيل الأخيرة على غزة تكللت…
ظلت القدرات الاستخبارية التي تنسبها (إسرائيل) لجيشها، واحدة من المفاخر التي تدعيها (إسرائيل)، خاصة في استعراضها لتاريخ الصراع مع محيطها العربي. لكن حرب (إسرائيل) الأخيرة على غزة ، تكللت بسلسلة من الإخفاقات الاستخبارية على المستوى العملياتي وفي تقدير الموقف.
إخفاقات في تقديرات ما قبل الحرب:
شهدت الأسابيع التي سبقت الحرب، تغولاً إسرائيلياً كبيراً على حركة حماس في الضفة الغربية، بعد إعلان (إسرائيل) اختفاء ثلاثة من مستوطنيها في الخليل. ثم انتقلت في تهديدها إلى قطاع غزة ومقاومته، وبدأت بالاحتكاك عسكرياً بالقطاع مع تكثيفها لعمليات القصف.
كانت التقديرات لدى الأجهزة الأمنية الاستخبارية، في الأيام التي سبقت الحرب، تؤكد أن حماس لن تذهب للرد على (إسرائيل)، وأن قيادة حماس لا تنوي الذهاب لصدام عسكري كبير في هذه الأوقات. واستندت التقديرات الإسرائيلية على مجموعة من الاعتبارات، منها تخلي حلفاء حماس عنها، وتصاعد حالة العداء الذي يبديه النظام المصري الحالي، والتضييق الذي مارسه على غزة، حيث توقعت (إسرائيل) أن شريان الإمداد العسكري والمالي لحماس قد انقطع. وعلى هذه الاعتبارات بنت (إسرائيل) مواقفها السياسية وإجراءاتها العسكرية، إلا أن انفجار الأوضاع مرة واحدة اظهر الحكومة الإسرائيلية بحالة من الضعف والتردد. وبذلك هزت جرأة قيادة حماس في اتخاذ قرار المواجهة تقديرات الموقف الإسرائيلية منذ البداية، لتبدأ بين المستوى السياسي، وجهات التقدير التي تتبع لجيش الاحتلال الإسرائيلي.
ضعف التقديرات حول قدرات المقاومة
مع بداية العدوان الإسرائيلي والعمليات العسكرية، بدأت تتكشف مجموعة من الإخفاقات في الحصول على المعلومات الاستخبارية اللازمة للعمليات القتالية، فقادة حماس السياسيون والعسكريون اختفوا فجأة عن أعين (إسرائيل)، فلا هي تحدد أماكنهم و لا هي تتبع اتصالاتهم، وفشلت (إسرائيل) في تحديد مواقع القيادة وغرف العمليات للمقاومة، وكذلك مواقع تصنيع ومواقع إطلاق الصواريخ.
إلا أن الأمر لم يقف عند هذا الحد. فأداء المقاومة المرسوم بدقة، وقدرتها على الاستخدام الذكي لأوراقها زاد جرعة العمى الاستخباري للجيش في ميدان المعركة. فامتلاك القسام لصواريخ يصل مداها إلى مدينة حيفا لم يكن في حسابات (إسرائيل) العسكرية، وتمكنت المقاومة من مواصلة إطلاق الصواريخ بمعدل ثابت لأيام طويلة، مع عدم قدرة الطائرة الإسرائيلية التي تُغِير باستمرار على غزة على منع إطلاقها، حتى أن المقاومة كانت تطلق الصواريخ من نفس المكان أكثر من مرة دون أن يتمكن الجيش من اكتشافها.
وتعمدت المقاومة زيادة جرعة الإرباك وتنويع ساحات المواجهة فأرسلت من اليوم الأول للحرب مجموعات كوماندوز بحري تسللت لمسافات طويلة عبر البحر، قبل أن تهاجم موقع زكيم العسكري.
وفي نفس سياق تنويع أدوات المواجهة التي لم تلتقطها الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية، أرسلت كتائب القسام أكثر من مرة، طائرات بدون طيار لأغراض مختلفة إلى الأجواء الإسرائيلية وتمكن بعض هذه الطائرات من العودة إلى غزة محملة بمعلومات استخبارية.
فشل تقديرات نتنياهو من موقف حماس من المبادرة المصرية:
كان إعلان مصر لمبادرتها في اليوم الثامن الحرب، حينها كان التقدير في (إسرائيل) أن حماس لن تجرؤ على رفض المبادرة خوفاً من تبعاتها السياسية والدبلوماسية، خاصة مع التأييد العربي والدولي لهذه المبادرة، خاصة مع تأكيد الجانب المصري للإسرائيليين "أن حماس ستوافق لا محالة على المبادرة".
واستندت تقديرات (إسرائيل) أيضاً أن الهجمات التي شنها جيش الاحتلال الإسرائيلي حتى إعلان المبادرة كفيلة بإرغام حماس على قبول المقترح المصري لوقف إطلاق النار، لأجل هذه الاعتبارات مجتمعة سارعت (إسرائيل) إلى قبول مبادرة مصر والالتزام بها، وبالفعل أوقفت (إسرائيل) هجماتها على غزة، وراحت تراقب الخطوة التالية من حماس، وبدا لـ(إسرائيل) أن الحرب توشك على الانتهاء. إلا المفاجأة كانت حاضرة مرة أخرى فقبل أن تعلن حماس ببيان رسمي عن اعتذارها قبول المبادرة، أطلق جناحها العسكري دفعة كبيرة من الصواريخ على المدن الإسرائيلية المختلفة، مما اضطر (إسرائيل) لتعلن مواصلتها عمليتها العسكرية. وسبب سوء تقدير الموقف من الحكومة الإسرائيلية موجة من الهجوم الإعلامي والسياسي عليها، ولم تسلم من مزايدات خصومها السياسيين عليها.
مفاجآت في الهجوم البري:
بدأت سلسلة أخرى من الإخفاقات العملياتية والميدانية تظهر على السطح مع انطلاق الهجوم البري. فالمقاومة الشرسة التي أبداها المقاومون والأداء القتالي المتقدم أربك خطط الجيش الإسرائيلي، حتى اضطر الجيش لارتكاب مجازر وحشية مع تدمير كامل لأحياء سكنية حتى يستطيع التوغل لبعض عشرات الأمتار من قطاع غزة.
وبالرغم من أن الجيش توغل في شريط ضيق، وفي أماكن لا يتوقع فيها مقاومة قوية، لكن المقاومة خيبت ظنه. ومع فشل الاستخبارات الإسرائيلية في حجم التحصينات التي أعدتها المقاومة خسر الجيش عشرات من القتلى في صفوف وحدات نخبته، وسببت شبكة الأنفاق الدفاعية واحدة من المعضلات التي واجهتها القوات المتوغلة، ومزيداً من الغشاوة على أعين رجال الاستخبارات الإسرائيلية.
عدم توقع إطلاق النار بعد التهدئة.. فشل مكلف:
مع إعلان التهدئة الإنسانية بتاريخ 5/8 لمدة 72 ساعة، كانت التقديرات الإسرائيلية أن حماس وفصائل المقاومة لن تستأنف إطلاق النار على (إسرائيل)، وأن الأيام الثلاثة من الهدوء وعودة الحياة الطبيعة ستمنع المقاومة من استئناف النار، وأن قيادة حماس عندما تشاهد كل هذا الدمار، فإنها ستندم على قرارها بالصدام مع (إسرائيل). لذا دعت قادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية السكان للعودة للحياة الطبيعية. وطلب رئيس أركان جيش الاحتلال سكان غلاف غزة للعودة إلى منازلهم وأعمالهم، وأن بإمكانهم زراعة حقولهم، وأن "الشتاء القادم سينبت زهور شقائق النعمان".
لكن الدقائق القليلة بعد انتهاء التهدئة كانت كفيلة بتبخر كل هذه التقديرات، وأصبحت كلمات رئيس الأركان مجالا للتندر في الصحافة والإعلام وبين السكان.
أخيراً .. تقر (إسرائيل) بأن هذا الحرب مختلفة عن كل مرة، وأنها لأول مرة في تاريخها تواجه حربا بهذا التعقيد والصعوبة والتداخل. ولعل ما افشل معظم التقديرات الإسرائيلية، هو اجتهاد المقاومة بأن تكون إدارتها السليمة لعمليات المقاومة و سيرها، سليمة قدر الإمكان. وهذه الإدارة مصحوبة بإرادة صلبة تحلى بها الشعب الفلسطيني ومقاومته.