الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب الفجر بمناسبة دخول العشر الأوائل من ذي الحجة وهي الأيام المعلومات في قوله سبحانه عن بعض حكم الحج ويذكروا اسم الله…
الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} الفجر(11-14)
بمناسبة دخول العشر الأوائل من ذي الحجة ، وهي الأيام المعلومات في قوله سبحانه عن بعض حكم الحج {... وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} الحج (28)، كان لابد من استحضار تلك الأَيْمان الخمسة التي أقسم بها سبحانه، وتساءل عما إذا كان فيها قسم لذي حجر، وأي عاقل لا يؤمن بأنه لا أحد أصدق من الله قيلاً أو حديثاً، فكيف إذا أقسم الباري عز وجل بتلك الأيمان ، حيث حلف بالفجر، وليال عشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسر، ولم ينص صراحة بالمقسم عليه، لكنه يستفاد مما ذكر في سياق ما يتلوها من الآيات، فقد تحدث عن عاد وثمود وفرعون، وجعل القاسم المشترك بينهم أنهم طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، وقد جاء في القرآن أن عاداً كانوا إذا بطشوا بطشوا جبارين ، وقد استكبروا في الأرض بغير الحق، وقالوا من أشد منا قوة، بعد أن بنوا إرم ذات العماد، فأرسل عليهم الريح العقيم، ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم، فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية".
وأما ثمود فقد اتخذوا من السهول قصوراً ، ونحتوا الجبال بيوتاً، وكان فيهم تسعة رهط يفسدون في الأرض، ولا يصلحون. وأما فرعون ذو الأوتاد والأجناد، فيكفي أن نعلم أنه علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً، يستضعف طائفة منهم ، يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين.
وكما أخذ عاداً بريح صرصر عاتية، فيها عذاب أليم، تدمر كل شيء بأمر ربها، فقد أهلك ثمود الطاغية التي تركتهم كهشيم المحتظر، ألا بعداً لثمود، وأما فرعون فقد أخذه ربكم وجنوده فنبذهم في اليم، وأخذه نكال الآخرة والأولى، فقد بدأ بقوله " مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي..." وانتهى بالقول " فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى" تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
لقد نعت ربنا عز وجل ذلك كله بأنه سوط عذاب، فكيف لو كان العذاب سوطين، أو ثلاثة، فلن يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد؟!
إن سوط العذاب هذا لا ينحصر في العقوبات المذكورة لأولئك الأقوام الثلاثة، ذلك بأن لله جنود السماوات والأرض، وما يعلم جنود ربك إلا هو، وهو يأتي المفسدين من حيث لم يحتسبوا ويملي لهم، إن كيده متين، فإذا أخذهم لم يفلتهم، ولسوف يجعلهم نكالاً لما بين أيديهم وما خلفهم وموعظة للمتقين.
وهنا ألتفت إلى واقعنا ، فأرى فيه فساداً متعدد الأشكال، فالفساد السياسي وصل إلى التخلي عن الثوابت، والاعتراف بالعدو المحتل، والإقرار بحقه في أربعة أخماس وطننا، وأما الخمس الأخير فهو موضع تفاوض، ولكن العدو قد قسّمه إلى مناطق (أ. ب. ج) وغيرها، بحيث لا نملك شبه حرية الحركة إلا في النوع الأول منها، ثم عاد واجتاحها مؤكداً احتلالها لا مجدداً له.
وأما الفساد الأمني فقد أذاقنا الله عز وجل لباسه، فيما يعرف بالفلتان الأمني، حيث وصل الحد إلى إطلاق النار على شاب لمجرد أنه يعلق دعاية انتخابية في منطقة يعدها المجرمون خالصة لهم من دون الناس، فهو فلتان مقصود، وهو تخريب منظم، وهو الذي يجر الوبال على الجميع ، ألم تروا أنه أوشك أن يورطنا مع النظام المصري في الاشتباكات التي وقعت مؤخراً، ولم ترمم آثارها بعد.
وأما الفساد المالي فقد كان في عام 97م حوالي ثلث مليار دولار بحسب تقرير هيئة الرقابة، بينما نيّف في عامنا هذا على ثلاثة مليارات، فضلاً عن الرشاوى ،والابتزاز ،والاحتكار للسلع الضرورية ومقاسمة الناس ارزاقهم ،وغير ذلك من التزوير ،والاختلاس ،او السرقة المقننة .فاذا جئنا الى الاعلام وما ادراك ما الاعلام ؟! فحسبنا ان اكثر الشعب الفلسطيني لا يتابع اعلام السلطة ،فهو يجتر ما في الفضائيات من تفاهات ،او سفالات ،فضلا عن انهماكه في التطبيع ،وتسلطه على المعارضة بألسنة حداد ،اشحة على الخير فاحبط الله اعمالهم
واذا توجهنا تلقاء التعليم ،وما حصل له من المسخ الثقافي والتاريخي والجغرافي،وارهاق الطلبة بما هو اعلى من مستوى عقولهم ،وارهاق ظهورهم كذلك بوجوب احضار جميع المقررات ،فضلا عن الترفيع الالي الذي يصل معه شريحة منهم الى نهاية التعليم الاساسي وهو لا يجيد الاملاء فضلا عن قواعد النحو ،واساليب البلاغة
ان هناك نوعا من الفساد يضاهي كل ما سبق ،ويتفوق عليه ،انه التخريب الاخلاقي ،حيث اريد للملاهي والصالات والرقص والعهر ان يغزو شواطئنا واحياءنا ،كما اريد للخمور والفواحش والقمار ان تعشش في نفوسنا وديارنا .
ومن المعلوم ان الانبياء جميعا انما بعثوا ليتمموا مكارم الاخلاق وان الامم هي الاخلاق ما بقيت فان هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا وعندئذ فاقم عليهم ماتما وعويلا ،ذلك ان الانحلال انكى فينا من الاحتلال ،لانه يخرجنا من ابنائنا كما اخرجنا من ديارنا ،فلا يعود ذلك الجيل يحمل هموم امته او وطنه لانه يعيش لغريزته وعلفه .
لا استطيع في هذا المقال ان آتي على تفاصيل مظاهر الفساد المتنوعة وفيما ذكر ما يكفي لان يجعل الولدان شيبا
لذلك لم يعد جائزا للمخلصين ان يظلوا صامتين يتفرجون على السفينة تغرق وهم لا يهبون لاصلاحها او تغييرها ،ومن هنا جاءت فكرة قائمة التغيير والاصلاح في مبارة المجلس التشريعي القادم ،وفي البلديات كذلك ، اما التغيير والاصلاح فهو لما فسد من مناحي الحياة حيث البديل الاسلامي ان شاء الله ،واما الاصلاح فهو ترميم ما لم يبلغ فيه الفساد الى درجة الثوب المهترئ المستعصي على الرفو والترقيع
ولقد مضى على القوم حين من الدهر يلوموننا على عدم المشاركة في الحياة النيابية والسياسية قبل عشر سنين حتى اذا تغير الواقع في انتفاضة الاقصى ،وتغيرت الخارطة السياسية للفصائل الفلسطينية ،فانزوى اكثرها امام العجز عن مقاومة الاحتلال الصهيوني ،او امام الضعف عن المنافسة الانتخابية ،بينما كان لبعضها الباع الطويل ،ونصيب الاسد في مقارعة الاحتلال ،والثار من جرائمه ،فالتف حولها الناس ،واصبحت امل الامة في الجهاد السياسي لاحكام الطوق على اعناق المفسدين
لذلك فقد انبرى اولئك العاجزون للتذرع بموضوع القدس ،والفلتان الامني ،وغيرها لابقاء واقعنا على حاله ،لعلهم يؤخرون يوم رحيلهم او حسابهم الى اجل قريب
اننا على موعد مع التغيير والاصلاح ،شاء من شاء وابى من ابى وهو آت لا محالة ،وان كل ما نشكوه من الزعرنة لا تزيد عن تخطيات الفرق بين يدي الاستسلام للنهاية المحتومة
ولله الامر من قبل ومن بعد