لمثل هذا اليوم أعدت حماس جيشها لمثله راكمت قوتها وطورت سلاحها ورصدت مجاهديها ورعت حاضنتهم لمثل هذا اليوم أجل القسام المواجهة الأخيرة بضعة أشهر وهي تلك الفاصلة بين حربي حجارة السجيل…
لمثل هذا اليوم أعدّت حماس جيشها، لمثله راكمت قوّتها، وطوّرت سلاحها، ورصدت مجاهديها، ورعت حاضنتهم.. لمثل هذا اليوم أجّل القسام المواجهة الأخيرة بضعة أشهر، وهي تلك الفاصلة بين حربي (حجارة السجيل) وتاليتها (العصف المأكول)، أشهر كانت كافية –رغم قصرها- لمراكمة مفاجآت متنوعة على عدة جبهات، توّجها القسام حتى اللحظة بأسره جندياً جديدا، انعقدت بعده ألسنة قادة الاحتلال خيبة ودهشة وصدمة!
من شاهد ما وراء مشهد الضفة الغربية لحظة الإعلان عن العملية، وما تلاها حتى الفجر، سيفهم أبعاداً كثيرة، تحيله إلى سؤال الجدوى للأفعال المختلفة، ذلك أن المقاومة بفعلها الجديد في هذه الجولة التي بدأت قبل أيام فقط تكفّلت بإحداث زلزال نوعي في الوعي الفلسطيني، وهو زلزال انهارت بفعله كل بناءات الزيف التي طبعت المرحلة السابقة، وصدّرت صورة وهمية عنها، مثلما أنه غسل أدران السنوات السابقة، وفتت الجهد الكبير الذي تم صبّه على الضفة لتلويث سمعتها وسلبها إرادتها ووعيها، وتحويلها إلى آلة استهلاكية بعد تكبيلها من كل الاتجاهات.
وأحسب أن المقاومة لم تحظَ في أي وقت سابق بمثل هذا الإجماع الكاسح الذي تحظى به الآن، وهو ما يؤكد أن أثر الفعل القوي والمباشر والصادق يتفوّق آلاف المرات على أثر الأفعال النمطية الرتيبة حين ترتضي أن يأسرها واقع المتاح أو ما دونه، ولا يكون بإمكانها تجاوز هذه الدائرة تخوّفاً من عواقب قد تكون موهومة أصلا.
وإن هذا الفعل الفذّ المبرّأ من دعم الانتهازيين، والمعتمد على قدراته وذراعه لم يجنّد فلسطين فقط خلف المقاومة، بل أعاد الاعتبار للقضية الفلسطينية لدى الشارعين العربي والإسلامي، وفوق ذلك راكم كثيراً من الدروس والعبر، ينبغي أن تُستحضر وتراجع وتحفظ على مستوى الأمة كلها.
لقد اختصرت حماس والمقاومة جولات ومراحل كثيرة في هذه المواجهة، فلا أصدق من الدماء والتضحيات برهاناً على أصالة المسيرة وتجرّد خائضيها من حسابات المادة والمصلحة، ولا أبلغ من الكلام الموقّع على أعقاب البنادق وأجسام الصواريخ، لأنه كلام مستند إلى رصيد فعلي، وليس مجرّد شعارات وفتاشات إعلامية يسندها الوهم والعجز.
أنت تقاوم إذن أنت موجود، وأنت تعدّ وتطور سلاحك إذن أنت تقترب من لحظة التحرير، وتستحق نيل بيعة الجمهور وتأييده المطلق، الذي يراهن على الفعل ويطمئن لصدق أهله.. في مقابل رفضه تنظير وكلام المفرّطين حتى لو وعدوه بالرخاء والاستقرار الموهوم.
هذا الأمر يحيلنا أيضاً إلى تلك الجريمة التي ما زالت ترتكبها قيادة السلطة وهي تحتكر القرار الفلسطيني، وتضفي هيمنة عليه، رغم علمها أنه منبوذ ومكروه من قبل غالبية الفلسطينيين، وإلا فما معنى أن نشهد اصطفافاً شعبياً واضحا وشبه مطلق حول المقاومة وهي تثخن في العدو، حتى من أولئك الذين تعرضوا للمجازر المباشرة، وفقدوا بيوتهم وأهلهم وكل ما يملكون؟
ولكن يكفي أن المقاومة نجحت في فرض كلمتها المدوية، وفي اختصار مراحل طويلة من محاولات البرهنة بالكلام والمواقف السياسية على جدوى مشروعها، بل وأكثر من ذلك أنها نجحت في توحيد الجمهور الفلسطيني خلفها، وهو الذي تفتته خيارات التسوية والتنسيق الأمني وتشيع بين أبنائه الخلاف والنزاع.. فهل يستقيم بعد كل هذا القبول باستمرار إملاءات فريق معزول على غالبية الشعب، أو ادعاء واحتكار تمثيله والحديث باسمه؟!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع