تحديات الأمن الإسرائيلي كما يقرأها ثلاثة من قادته

تحديات الأمن الإسرائيلي كما يقرأها ثلاثة من قادته

ياسر الزعاترة
2006-01-03

صحيفة الشرق القطرية في جلسة وداعية بمناسبة إنهائه مهام منصبه كرئيس لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية

صحيفة الشرق القطرية

في جلسة وداعية بمناسبة إنهائه مهام منصبه كرئيس لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان»، قدم أهارون زئيفي فركش رؤيته للتحديات الأمنية التي تواجه الدولة العبرية في المدى القريب، تحديداً خلال العام القادم، وهي رؤية يمكن النظر إليها من زاوية أخرى بوصفها استشرافاً إسرائيلياً لتطورات الساحة السياسية عربياً وإقليمياً.

في الساحة الأقرب للإسرائيليين يرى فركش أن غزة في سبيلها لأن تصبح «حماسستان»، مقابل الضفة الغربية التي ستغدو «فتحستان»، وهي رؤية لا تبدو واقعية إلى حد كبير، اللهم إلا من باب تحريض السلطة والمصريين على حماس.

من المؤكد أن أية انتخابات حرة تجري في قطاع غزة لوحده ستمنح حماس الأغلبية رغم عشرات الآلاف من الغزيين المتفرغين في أجهزة الأمن ودوائر السلطة ممن ينحازون إليها في أغلب الأحيان، لكن ذلك لا يعني أن فرصة حماس في السيطرة على غزة الواقعة بين مصر والدولة العبرية تبدو متاحة، لأنها بكل بساطة مرفوضة من الطرفين معاً، وإذا أضفنا إلى ذلك أن فتح لن تسلم بسهولة حتى لو علمت أن القيادة ستعود إليها بعد حين، وستلقي بكل ثقلها في معركة كسر العظم، فإن المسار المتوقع سينطوي على إراقة للدم الفلسطيني من أجل معركة يبدو كسبها أقرب إلى المستحيل، مع مخاوف مما بعد كسبها على المسار السياسي للحركة (أعني حماس) في ظل الظروف المحلية والعربية والإقليمية الراهنة.

والحال أن فركش هنا لم يكن يوجه كلامه إلى الحضور فقط، وإنما إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي أشار إلى عجزه عن تنفيذ وعوده بتطبيق معادلة «سلطة واحدة، سلاح واحد»، ما ينطوي على دعوة له بضرورة التحرك سريعاً للجم حماس قبل أن يفقد السيطرة على كل شيء.

يشار هنا إلى أن وزير الدفاع الإسرائيلي الذي كان حاضراً ومتحدثاً في وداعية فركش قد دعا إلى تأجيل الانتخابات الفلسطينية خوفاً من فوز حماس الذي سيدفع إلى الانقلاب على اللعبة القائمة برمتها، وهي الدعوة التي تفاعلت في أوساط السلطة قبل أن يستقر الرأي على إجرائها بعد توحيد قائمتي فتح بطريقة ملتوية.

بعد الساحة الأقرب (الضفة وغزة) انتقل فركش إلى الساحة التالية معتبراً أن الضغوط الدولية على سوريا ولبنان وحزب الله من شأنها أن تؤدي إلى تصعيد يوجه إلى الدولة العبرية على طول الحدود الشمالية.

بعد ذلك يتحدث فركش عن مراكمة بعض الدول العربية لصواريخ بكميات وأنواع تهدد الدولة العبرية، ولا يعرف هنا إن كان يقصد سوريا ومصر، أم سوريا وحدها، أم أنه يشير إلى صواريخ حزب الله التي يهدد بها الإيرانيون في حال هوجمت مواقعهم النووية.

يبدو الاحتمال الأخير هو المرجح، والسبب هو ارتباطه بالحديث مباشرة عن القدرات النووية الإيرانية وما يمكن للدولة العبرية أن تفعله حيالها، فقد رأى فركش أن الأشهر القريبة ستشهد «نهاية المناورة السياسية لإحباط التهديد الإيراني»، وهو ما يعني بحسب ما فهم الوزراء الذين استمعوا إليه مطالبة بحل العسكري للمعضلة الإيرانية.

واعتبر فركش أن ما بين إيران وبين بداية تخصيب اليورانيوم هي ستة أشهر لا غير، معتبراً أن التخصيب هو المهم وليس الوصول إلى القنبلة النووية التي قال إنها ستصنع في غضون 5 إلى 6 سنوات.

فركش تحدث أيضاً عما أسماه صعود قوة الإسلام، وحيث جمع بين منظمة القاعدة، وبين صعود الإخوان المسلمين في مصر، الشيعة في لبنان، السنة في سوريا و«الاستقلال»، يقصد العدل والإحسان والعدالة والتنمية في المغرب، وحذر من أن القاعدة قد بدأت تعمل في الشرق الأوسط ما يشكل خطورة ينبغي الانتباه إليها.

بين الحضور الذي تحدثوا في وداعية فركش، رئيس جهاز الأمن العام «الشاباك»، أو المخابرات، يوفال ديسكن، وكانت له إطلالته الخاصة على المخاطر القريبة التي تتعرض لها الدولة العبرية، لكنه ركز على البعد الأخير الذي أشرنا إليه في كلام فركش ممثلاً في تعزيز عمل القاعدة في الشرق الأوسط كما وقع في الأردن وسيناء، مشيراً إلى ملامح وجود لها في الضفة الغربية وقطاع غزة.

كان لافتاً بالطبع ألا يشير الثلاثة (فركش، موفاز، ديسكن) إلى المسألة العراقية، مع أن المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين قد سبق وحذروا من مغبة الفشل الأمريكي في العراق، فيما يعكس ذلك غياب التقدير السياسي الواضح لمآلات الوضع هناك، وبالطبع إثر انتخابات يعول الأمريكيون على إمكانية مساهمتها في توفير مخرج مشرف لهم من المأزق هناك.

خلاصة التقديرات التي يتحدث عنها القادة الأمنيون الإسرائيليون لا تشير إلى تطورات لافتة للنظر خلال العام القادم، بما في ذلك على الجبهة السورية التي ستتواصل لعبة مطاردتها من دون أن يتحقق شيء عملي على الأرض، فضلاً عن الملف العراقي الذي لن يشهد نجاحاً أمريكياً حاسماً يساهم في تحقيق أحلام شارون بشأن التسوية، في ذات الوقت الذي لن يشهد هزيمة واضحة تلقي بظلالها على وضع المنطقة برمتها.

المراوحة إذن هي سمة الموقف خلال العام القادم على مختلف الجبهات المحيطة بالدولة العبرية بصرف النظر عن تطورات الساحة السياسية المحلية وحيث يتوقع أن يحصد شارون نجاحاً كبيراً في الانتخابات إذا لم تحدث مفاجآت على وضعه الصحي بعد الجلطة الأخيرة.

والحال أننا إزاء تقدير منطقي ومقنع إلى حد كبير، اللهم إلا حكاية حماسستان وفتحستان الأقرب إلى التحذير والتحريض منها إلى التوقع، كما أشرنا، وتبقى معضلة الإيرانيين ومشروعهم النووي، وهي معضلة لا يستبعد أن تتواصل المراوحة بشأنها أيضاً لاسيما في ظل الوجود الأمريكي في العراق والواقع بدوره تحت رحمة الإيرانيين.

أما الصعود الإسلامي فهو مثار قلق للدولة العبرية بالفعل، ليس لأن تهديد القاعدة قد غدا وشيكاً، بل لأن أجواء العداء الشعبي للدولة العبرية والولايات المتحدة ستتصاعد أكثر بسببه، وحين تتصاعد سيكون الفشل في العراق متوقعاً ومن بعده في فلسطين.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026